قراءات ودراسات

القصة والرواية في مخيالنا الثقافي :أسئلة الاختلاف والائتلاف

قلولي بن ساعد*

إن قراءة تتسم بالكثير من الشمول و التروي و المتابعة المتأنية لعدد واسع من المجاميع القصصية و لعدد آخر من المحاولات الروائية ستفرض علينا حتما التأمل في عناصرها و خصائصها التشكيلية و البنائية وأسسها وعلائقها ومن ثم وبسبب من فسحة التأمل هذه إختبار ما إذا كانت عملية الانتقال إن لم أقل هجرة القصة القصيرة الى الرواية مؤسسة وواعية أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون مجرد إلتماس طريق لاكتساب صفة و لقب جديد  هو لقب الروائي ضمن متاهة إبداعية غير مضمونة النتائج…
وليس وليد تشبع إبداعي وامتلاء ثقافي ووجداني  يستمد عمقه وثراءه من شمول و إتساع رؤية الكاتب والمبدع الى عديد الاسئلة واتيمات الكبرى بمحمولاتها المتعددة المشارب والاتجاهات والتي تفترض القصة لديه منذ البدء محدودية المجال الذي يتحرك فيه و بالتالي تعطل أفق السؤال بسبب ما تفرضه على كاتبها من شروط و قواعد و معالم تلوذ بالتقييد السردي الى حد طمس الوقائع و الأبنية النصية الأمر الذي ساقه الى خوض غمار فن الرواية كون القصة لم تعد تكفي للاحاطة بكافة همومه و إنشغالاته و أسئلته الوجودية و الثقافية و التاريخية و الحضارية و أن المتاح لديه هنا هو ( الاهتداء) و ليس الاقتداء …(الاهتداء) الى جنس أدبي آخر يسع كل هذه الهموم و الاسئلة التي يود المبدع سفح تفاعلاتها على بياض الورق و لن يكون بالطبع الاّفن الرواية و حتى فلسفة (الاهتداء) هذه لن تكون طيعة و في متناول الجميع بل يتعين على المبدع أن لا يكون متعجلا و أن يمر ذلك عبر دراسة متنأنية للموضوع الذي يود الاشتغال عليه كمادة روائية و تمثل عميق غير منفعل لمعطيات موضوعه مع دراسة جادة لتفاعلات أسئلته مع مع الواقع والتاريخ والذات والمخيال و الوجود بعد ذلك تأتي مرحلة إختيار الشخوص و الفضاء الروائي و لملمة كل ذلك ضمن أحداث و وقائع لصهرها داخل بوتقة واحدة و خلق (مجتمع تخييلي روائي ) مختلف تماما عن المجتمع الخارجي الذي لا يعني الروائي أبدا  في هدفه و لن يتم هذا بالطبع الاّ إذ كان الكاتب المبدع ملما بكل عناصر التشكيل الروائي من وصف و سرد و لغة و حوار فضاء و مخيال و غير ذلك و اجمالا أن يكون على دراية واسعة بما يسمى (البنية الروائية ) لرسم طبائع الشخوص بكل حيثياتها و تعارضاتها … هذا بإختصار شديد و بصورة واضحة أردتها أن تكون أقرب  الى التلقين المدرسي منها الى الخصائص الأخرى المحتكمة الى نظريات الرواية في الغرب  لدى عدد من النقاد و المفكرين بلغاتهم و مرجعياتهم و من هنا كانت المعطيات متضاربة و محتدمة بشأن تعريف القصة القصيرة ثم الرواية لاحقا من حيث الحجم و عناصر التشكيل لدى كل منهما فلقد ساد إعتقاد ساذج لدى عدد من كتابنا في ظل غياب معرفة نقدية و مفاهيمية لديهم بخصائص الأجناس الادبية ليس فقط على صعيد الشكل و إنما أيضا على مستوى ممكنات الوجود التخييلي في هذا الجنس أو ذاك من حيث سيرورة الأحداث و الوقائع النصية و تعقدها و تشابكها و الانتقال من مشهد لآخر و من فترة زمنية الى أخرى و ساد إعتقاد آخر أكثر سذاجة تمثل في إقامة الحدود  والفواصل بينهما على مستوى الحجم و عدد الصفحات دون الأخذ بعين الإعتبار أن الرواية في طبيعتها مجموعة من الاستعارات و الشخص فيها مجموعة من الأشخاص بل هي الدنيا في عمومها حيث يتحرك أناس كثيرون و تتداخل طبائع كثيرة بينما القصة (تصور حدثا أو مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب تتعلق  بحياة. شخص أو عدد محدد من الشخوص و يكون نصيب القصة فيها واضحا من حيث التأثير و التأثر) (1) و لهذا السبب سادت فوضى نجمت عنها صيغ كتابية حملت إسم القصة القصيرة دون أن تكون ملمة بشروطها و مستوفية لخصائصها الفنية و البناءية و أخذت حيزا واسعا من النشر و الذيوع و الانتشار و لو في صورها و تمظهراتها المتناسخة المكرورة غير أنها لم تأخذ نفس الاهتمام  والتداول النقدي و الإعلامي الذي أستحوذت عليه الرواية و الشعر و على الرغم من عسر التحديد هذا و الخلط المفاهيمي السائد إلا أني أقر شخصيا بوجود منجز قصصي جزائري تخلص كلية من المحمول الفني الملتمس بالأيديولوجيا الاشتراكية التي كانت سائدة بل مهيمنة خلال السبعينيات من القرن المنصرم و هذا يعني ضمن ما يعنيه أن هناك طلاقا بائنا و نهائيا مع المفهوم الوظيفي ذي الطابع الالتزامي الفج للكتابة القصصية و لربما أمكن القول أن القصة الجزائرية لدى عدد من كتابها بعدما دشنت طلاقها مع المفهوم الوظيفي للكتابة بدأت تشهد بعض التحولات و إن لم تذهب في ذلك بعيدا على صعيد الاعتناء باللغة و المفردة و العودة إلى إستنطاق التراث الحكائي الموروث كمياه سفلية للنص عززت صلة مبدعينا بالموروث الحكائي و أعادت طرح علاقة الكاتب المعاصر بالماضي و الحاضر في إطار الرغبة الملحة لتجاوز السرد النمطي الى شكل آخر من الكتابة السردية من خلال الإختراقات الشكلية و الأسلوبية التي تتم عبر بناء الفقرات و العبارات و الجمل ذات (الأداء البياني) الذي عرفه القص العربي في فن المقامات و الرسائل لدى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي و غيرهما .. ليس هذا فقط بل إن البعض منهم توجه الى كتابة قصة هي القصة القصيرة جدا و النصوص المفتوحة التي تقع في خط التماس بين القصة و الشعر كما هو الشأن مثلا في ما كتبه الناص الجزائري عبد الرزاق بوكبة عبر كتابيه (من دس خف سيبويه في الرمل) و(أجنحة لمزاج الذئب الأبيض) و أحيانا تتحول الى شذرات وعناوين وأجزاء ومقاطع فرعية و قد سبق للدكتور يوسف وغليسي أن أشار أن الروائي أدوارد الخراط قدم تسميات متعددة لهذا النوع من الكتابة مثل (القصيدة السردية – القصة. / القصيدة – الكتابة عبر / النوعية) و هي كتابة تقع (على التخوم بين الأنواع الأدبية و تعبر الحدود و تسقطها بين  الأجناس المألوفة المطروقة تتخطاها و تشتمل عليها و تستحدث لنفسها جدة تتجاوز مأثورات التاريخ الأدبي و تتحدى عقمها) (2) ثم حدد خصائصها في أربعة عناصر هي : (الكثافة و الترميز – الوجازة- ايقاعية الشكل و موسيقى الجملة – سيادة  السردية) (3) و على النقيض من ذلك حملت بعض أغلفة الكتب و المنشورات نصوصا و إن أخذت تسمية القصة القصيرة بمافيه ما كتبته أنا شخصيا فهي لم تكن سوى لوحات قصصية أو محاولات على أكثر تقدير و قد كان الأجدى بنا  لو وضعنا لها تسميات أخرى كما فعل ذلك الدكتور أبوالعيد دودو حين قدم نصوصه و سماها (صور سلوكية ) و هي بالفعل كانت  في زمنها تمثل (كتابة عبر /نوعية) بتعبير أدوارد الخراط أو لنقل أن ما قرأناه مجرد نثر إجتماعي أو إنشاء مدرسي تمت صياغته بأسلوب سردي لا بسبب عدم توفرها أي النصوص على خصائص القصة و شروطها أو خلوها من البناء الخصوصي لفن القصة القصيرة و انما أيضا بسبب تعامل المبدع مع شخصوصة كبشر يعرفهم حق المعرفة لا كأفكار وعناصر وصور لمتخيله  السردي و مع الإنسان كأنسان دون أي إعتبار عن فكرة المجتمع عنه و مع المكان كعنصر فني لا كديكور أو إطار فقط للوصف و التزويق الخارجي و الاّ فإن أي طالب بالثانوية أو المتوسطة يملك القدرة على وصف الغابة و ما فيها من أشجار و طيور و زواحف و البحر و مافيه من أشرعة و أمواج و قوارب و مجاديف و منزله و قريته و حيه و مدرسته و الشوارع التي يعرفها و هذا يعني أن القراء يعرفون تلك التفاصيل المكانية و لاحاجة لهم بها بل المهم بالنسبة للقاريء هو أن يحول القاص المكان الى جزء أساسي من البنية الفنية للنص داخل كتابة ابداعية تستقريء الأرض والسماء و الانسان و الذاكرة و الوجود و المخيال في تلازمها و تعايشها لتضع سؤال المكان أو بتعبير غاستون باشلار (جماليات المكان ) في دائرة البحث عن ممكنات إرتباط وعي الكتابة بالإهتزازات العميقة المبكرة أو الراهنة للمجتمع  التي يود القاص تفكيك أبنيتها الزمانية و المكانية و أستقراء آثار الانسان فيها و أن يتعامل مع اللغة كلغة سردية ينبغي أن لا تتمفصل وحداتها السردية و المعجمية و النحوية و التركيبية مع اللغة الخبرية الابلاغية لغة الصحافة و النثر اليومي و التقارير الاعلامية و الامنية والروبورتاجات الصحفية و ثرثرة الجارات في شرفات المنازل و العمارات و الا لفقدت القصة وهجها و خصوصياتها و بالتالي مبررات وجودها الفني.  أني اتصور أن القصة في مفهومي الخاص و في حدود معرفتي المتواضعة المحدودة بها هي نص إبداعي سردي لا يقدم توصية أو معلومة أو دليلا سياحيا ولا يدعي  النصح و الارشاد و لا الوهم بضرب من ضروب المعرفة بل غايتها هي إثارة الاسئلة عبر محاورة جميع عناصر الواقع و الوجود و الذاكرة و المخيال و الذات التي يرغب القاص في إستنطاقها و قراءتها إبداعيا طبعا و من هنا و جب نزع هالة العارف أو المرشد أو المختلف أو المحلل عن جهل أو عدم معرفة عن القاص في أول الطريق أو آخره لأن ذلك شرف لا يعنيه ولم يدعيه أحد من قبل ان لم أقل أنه من بقايا إنعكاس هيمنة شعر الفخر العربي على الللاوعي القرائي و التكوين النفسي لهذا أو ذاك بفعل ماترسب من مفاهيم مغلوطة لدى كتابنا أو بعضهم و أعتقد أن هذا ليس من مهمات القاص و ليس له أيضا  لديناأي مساحة أو اهتمام .

 

 

 

 

إحالات

1) فن القصة – محمد يوسف نجم –دار صادر بيروت– 1996 – ص 10

2) الشعريات و السرديات – قراءة اصطلاحية في الحدود و المفاهيم – يوسف وغليسي – ص 130 – 131 – منشورات جامعة قسنطينة – الجزائر – 2006 نقلا عن أدوارد الخراط أشغال مؤتمر قضايا المصطلح الأدبي – مكتبة القاهرة – 1998 – ص 84 .

3) نفس المصدر – ص 131.

 

 

*ناقد جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق