ثقافة السرد

فصل من رواية: موسم اليمام

حسين فتاحي*

في الصباح عندما خرج حُجّت من البيت، كان أحد ينتظره. سلّم عليه. و كأنّ صديقه كان أكثر حميمية، ضغط على يده بمزيد من الحرارة. بدت ابتسامته أكثر أخوية من المعتاد. قال: قلقت عليك طوال الليل حتى الصباح، كنت أعلم أنك تقضي ليلة قاسية!

ردّ حُجّت: “شكرا!” كان واضحا أنه مازال متأثرا بحديث الليلة الماضية وحالته ليست طبيعية. كانت قدمه ترتعش عندما أراد أن يشغل دراجته النارية. سأله أحد: أ تذهب إلى عملك؟

رد حُجّت: “لا، أذهب إلى بهشت زهرا[1] قبل ذلك. لا أعرف السبب، لكني أشعر أني سمعت خبر رحيل أبي للتوّ. الآن عندما فهمت مدى الظلم الذي…”

لم يستطع أن يواصل. نظر إلى الأرض لحظة ثم تابع: “أشعر أني لم أؤدي حقه، و أشعر أني لم أثأر لدمه. كنت طفلا آنذاك، لكني كبرت الآن وأصبح بإمكاني فعل شيء ما. لا ينبغي أن أجلس ساكنا.”

قال أحد: “طيب، إذا أردت سآتي معك”.

لم ينبس حُجّت بكلمة. شغل دراجته و ركبها و ردفه أحد. كان الطريق إلى بهشت زهرا طويلا. كان الوقت صباحا و الطقس باردا. طوال الطريق، تحدث أحد مع حُجّت. كأنه كان يستطيع الآن أن يحدثه براحة أكثر. تحدث عن البيان الجديد الذي صدر حول أحداث 15 خرداد[2].

قال حُجّت: “حدثني قليلا عن 15 خرداد. لا أعرف الكثير عنه”.

حدثه أحد عما حدث خلال أحداث 15 خرداد في طهران، وقم، وورامين، ومدن أخرى؛ عن الاعتقالات في تلك الأيام، عن مظاهرات أهالي قم، مظاهرات سوق طهران و مجازر ورامين. عندئذ بدا أحد متحمسا.

-عندما يتأمل الإنسان، يرى كم كان الحاج روح الله شجاعا… أتعرف ماذا قال للشاه؟!

صوّب حُجّت بنظره نحو فم أحد.

قال مخاطبا الشاه: كان بنو أمية الذين ارتكبوا جرائم كربلاء و لم يتهاونوا في عدائهم لأهل بيت النبي. كانوا معارضين لأصل الإسلام و كانوا أعداء لأهل بيت النبي، حتى أنهم لم يرحموا طفل الإمام الحسين وهو ابن ستة أشهر. و الآن، يحذوا مرتزقتك حذوهم. نظامك معارض للإسلام، وإن لم يكن كذلك، فما بالهم و القرآن؟”

تساءل حُجّت مستغربا: “أهكذا تحدث مع الشاه!؟”

رد أحد: “تحدث بحدة أكثر أيضا. قال للشاه في مكان آخر: “أيها السيد الشاه! أنصحك أن تكف عن هذه الأعمال! لا أريد لك أن يفرح الشعب برحيلك عندما يقرر أسيادك ذلك. كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، إذ فرح الشعب بهروب أبيك. أيها التعيس! مضى خمسة وأربعون عاما على عمرك. تأمل قليلا!”

كأن هذا الكلام كان ماء باردا يصب على النار التي تلهب في روح حُجّت. تحدّث في نفسه: “إذن هناك من يتحدث بما تکنّه قلوبنا. إذن هناك من يحتج و…”

سأل حُجّت: “وماذا فعل الشاه عندما تحدث هو بهذا الشكل؟”

رد أحد: “فعل ما يفعل كل الديكتاتوريين؛ السجن، النفى، قتل الشعب!”

ورغم أن حُجّت كان يستمع إلى ما يقول أحد، غير أن فكره كان يجول في مكان آخر. كانت هذه الأحاديث تزيد من لهيب نار قلبه. تجدد جرحا قديما وتذكره بأسى رحيل أبيه.

عندما وصلا إلى بهشت زهرا، ذهب حُجّت مباشرة نحو القسم الذي دفن أبوه فيه. إنه كان قد جاء مع أمه عدة مرات و كان يعرف ذلك المكان جيدا. أسند دراجته إلى شجرة وسار نحو قبر أبيه بعينين باكيتين. ألقى نظرة محدقة وغير مصدقة إلى شاهدة القبر، و إلى اسم أبيه. لم يسبق له أن نظر هكذا إلى اسم أبيه.

كان أحد واقفا بينما جلس حُجّت. وضع يده على شاهدة القبر. كأنه يستميح أبيه عذرا. كأنه يريد أن يقول يا أبي! عرفتك توًا و بعد سنين. سمعت الآن خبر مظلوميتك… وبالرغم من أنه لم يتفوه بأية كلمة، لكن عينيه كانتا تبوحان بما يدور في خلده. لم ينبس بكلمة، لكن ملامحه تفضح ما يخالجه من شعور. لم يتحدث باللسان، بل بعين القلب وبلغة الدموع.

ربما مرّت نصف ساعة بهذا النحو حتى وقف أحد إلى جانب حُجّت و ضغط على كتفيه برفق. نهض حُجّت و سارا كلاهما معا. كان أحد مع حجت حتى ميدان بهارستان حيث ترجل هناك و ذهب حُجّت إلى الورشة.

في الورشة، لم يهتمّ أحد بحُجّت. كان هوشنك خجلا. كأن الجميع يعرف أنه طارد حُجّت و لكنه لم يعثر على أثر منه. قبيل الظهيرة، قدم الأسطة[3] محمود إلى قسم الخياطة. وهو الآخر لم يهتمّ بأمر حُجّت. كأنه زعل منه. أو عله لا يريد فعل شيء يثير الشك لدى حُجّت.

اشتغل حُجّت حتى الظهر. ثم ذهب إلى المسجد، صلى و عاد. لم يأت بأكل معه و لم يذهب خارج الورشة ليحضر أكلا. جلس خلف الطاولة و أسند رأسه إلى الماكنة ليأخذ غفّة. لم ينم البارحة كما ينبغي. لم يترك الكلام الذي قاله صديق أبيه ذهنه للحظة. ما من لحظة تمر إلا و يتجسد مشهد حادث التصادم في ذهنه و تتشكل أمام عينيه صورة جثمان أبيه الغارق في الدم.

كأنه يستوعب الآن حديث أحد. يرى آثار تدخل الأجانب. كان يقارن مشاهد كتاب «جدول أعمال الاستعمار الأسود والجرائم الإسرائيلية في فلسطين» مع ما يحدث في إيران. كأن كل تلك الأحداث كانت تخطط في مكان واحد وكلها لا يفعلها إلا شخص واحد. عندما يغمض عينيه، كان يشعر أن الأجانب هجموا عليه من كل جانب.

فتح عينيه و حدّق الى الورشة والمكائن والكنبات الغير مكتملة والعمال الذين استلقوا على الأرض. حدث نفسه: “لا، لا أستطيع العمل هكذا”.

شعر أن رغبته في العمل في ورشة المؤسس أصبحت ضئيلة جدا، حتى أنه أخذ يكره العمل هناك فما بالك بالعلاقة به. و بعد الخبر الذي سمعه من أحد، زالت رغبته في العمل. لكنه عندما کان يتذكر أمه و تتجسد خالته طلعت ومهري أمام عينيه، يبقى حائرًا في أمره و في الجواب الذي ينبغي أن يرد به عليهن. شغله في ورشة مؤسس بعث الأمل لديهن، حتى جاءت خالته و زوجها إلى بيتهم للاعتذار و حدّدت أمه ليلة من أجل الخطبة من جديد. و لكن لو كان السيد رضا يعلم بوضعه الجديد، فهل سيقبل بتزويجه أيضا؟ و حسب معرفته من السيد رضا، فقد استبعد عنه ذلك. كان على يقين أن الأسطة محمود سيشي بكل شيء إلى زوج خالته. كان مطلعًا على علاقاتهما الوثيقة و عارفًا بلقاءاتهم.

و فضلا عن ذلك، كان السيد رضا عسكريا و من مناصري الشاه المتطرفين؛ كان ضابط صف و عسكريا وفيّا مؤيدًا من قبل الجيش. و من المؤكد أنه لو كان يعرف انتماءات حُجّت الجديدة والأماكن التي يرتادها، لن يكتفي برفضه تزويج بنته من حُجّت، بل كان من المحتمل أن يوقعه في داهية.

زادت هذه الأفكار من حيرة حُجّت. من جهة كان أبوه و دمه الذي أريق ظلما، و من جهة أخرى كانت أمه، و خطيبته ومستقبله. رأى حُجّت نفسه في ميدان يقف في كل جهة منه واحد يناديه. في جهة كان أبوه بجثته الدامية وفي الجهة الأخرى أمه. و جهة يقف فيها شعب غاضب يطلب منه أن يواكبه ليناضل أمام النظام، وزاوية تقف فيها خالته ومهري. أما حُجّت فحائر ينظر إلى كل جهة.

وكان يرى المؤسس أيضا وبيده وثيقة العقد و يريه الكمبيالات و يذكره بأنه تعهد أن يشتغل هناك خمس سنوات.

للحظة رفع حُجّت رأسه من الحديد البارد للماكنة. كان ذهنه متوتر. يعرف أن صمت الأوسطة محمود و المؤسس صمت مؤقت. كان واضحا من مطاردة هوشنك في لليلة البارحة أنهم خططوا له. كان بإمكانه أن يخمن خطتهم؛ و كان يعرف أنهم يريدون أن يكتشفوا أمره و أن يزيدوا بذلك من ضغطهم عليه.

كان يعرف حُجّت أنه حان موعد الاختيار؛ اختيار صعب ومصيري بين الأم، والخالة، ومهري وأبيها، وأبيه، والشعب، والدين… كان عليه أن يختار بين أن يبقى في الورشة والذي أصبح بالنسبة له كالوحل، و أن يكون بين الشعب ويواكبه.

انتظر حُجّت زوال الشمس. كأن مساء ذلك اليوم طال أعواما. كان يريد أن يرى إن كانوا مازالوا يطاردونه أم لا؟ كان يريد أن يعرف مدى دور المؤسس و الأسطة محمود في مطاردته.

عند الزوال، جمع أغراضه وانطلق. هكذا كان بإمكانه أن يعرف من يطارده بشكل أفضل؛ هل هو هوشنك أم شخص آخر! لما ابتعد قليلا عن الورشة، رأى الأسطة محمود يخرج مستعجلا منها. شغل دراجته و ركب. كان الآن متيقنًا من أنه يطارده.

كان حُجّت يعتقد أن الأسطة محمود يختلف عن هوشنك. كان يعرف أنه رجل مؤمن. قد لا يملك الوعي الكثير، لكن ذاته ليست خبيثة. يخاف الله و يؤمن في ثنايا قلبه بالله و بالرسول. خطط ليجره إلى باب المسجد. كان يريد أن يعرف الأسطة محمود بأنه لا يذهب إلا إلى المسجد. تحرك على نحو لا يضيعه زميله. عندما بلغ باب المسجد، أطفأ دراجته النارية وأخذها نحو الباحة. نظر إلى الخارج من هناك. توقف الأسطة محمود قبيل وصوله إلى المسجد و حدّق في الباب و الجدران. أسند حُجّت الدراجة إلى الجدار وخرج ليسلم على الأسطة محمود.

خجل المسكين من أن حُجّت اتبه الى مطاردته إيّاه و ظل حائرا ماذا يقول، لكنه لم يرتبك و قال: “عجبا.. ماذا تفعل هنا؟ فكرت أن آتي اليوم لأصلي الجماعة!”

لم يردّ عليه حُجّت. دخل المسجد و تبعه الأسطة محمود. لم ير حُجّت سببًا في الحديث إليه. حدّث نفسه: “دعه هو يرى و يفهم”. توضأ وذهب نحو الرواق و وقف إلى جانب أحد في صف واحد. كان الأسطة محمود واقفا في الصف الخلفي.

لما انتهت الصلاة، جلس إمام الجماعة كعادته على الدرج الأول من المنبر و شرع في الحديث. كان الأسطة محمود جالسا أيضا و يستمع إليه. بعد انتهاء حديث الإمام و خروج المصلين، لاحظ حُجّت الأسطة محمود سارحا في أفكاره يسير نحو الباب مطأطئا رأسه.

بعد خروجه من المسجد، لم يستطع الأسطة محمود أن يعود إلى الورشة. فكر و هو في الطريق: “و ماذا أقول للمؤسس؟ أأقول أن حُجّت يذهب إلى المسجد ليصلي؟ يذهب ليستمع إلى أحاديث الدين والتدين؟!”

مضى الأسطة محمود ببطء راكبا دراجته، كأنه في ريبة من أن الطريق الذي يسير عليه أهو صحيح، أم لا؟ و بالرغم من أنه لم يفكر في مكان خاص ولا في هدف محدد للذهاب إليه، لكنه كان مترددا في عدم المعرفة أيضا. في لحظة تخيّل أن المؤسس لما يسأل عن حُجّت و يسمع أجوبته، سيرد عليه قطعا: “مع ذلك، ربما هو يرتاد أماكن أخرى. واصل مطاردته. فلربما تكتشف أمره في تلك الأماكن!”

وصل الأسطة محمود إلى محطة الحافلات. جنب ميدان بهارستان ومقابل عمارة مجلس النواب، وقف عدد غفير من الرجال و النساء في المحطة ينتظرون قدوم الحافلة. نظر الأسطة محمود ألى الرجال و النساء، كأنه يرى هؤلاء الناس لأول مرة بتلك الهيئات و الملابس. لقد غيروا ظاهر الناس! عاد عشرين عاما إلى الوراء؛ عندما كنت تسير في الأزقة، لم تر عين أي امرأة أبدا. لا يرفع الباعة رؤوسهم أثناء البيع و الشراء، و كذلك كان الوضع في العلاقات بين الناس. تذكر أمه و خالته و أخريات من أقاربهم. كيف كانت السلوكيات و كيف أصبح سلوك الشباب اليوم! حدث نفسه: “إنه قد صدق! كيف خططوا ليجروا الناس إلى مثل هذا!” ثم تذكر حديث حُجّت في الورشة عن برامج نظام الشاه، مساعدته لإسرائيل و نفوذ الأجانب في إيران و برامجهم لتغيير ثقافة الشعب.

و تذكر الأسطة محمود زوجته وأبناءه؛ تذكر ابنته المراهقة التي سوف تدخل هذا المجتمع بعد بضعة أعوام؛ و تذكر ابنه. حدث نفسه: “كيف يمكنني أن أسمح بخروج كبرى إلى الشارع على هذا النحو؟ و هي التي تتحجب في البيت أمامي و أنا أبوها.”

سار الأسطة محمود ببطء على رصيف الشارع يحدث نفسه: “من المؤكد أن سائر الناس أيضا تأثروا ببرامج النظام دون أن يعرفوا شيئا. عندما يسمع الإنسان كلاما أو يرى شيئا لعشر مرات، يعتاده… أجل، صدق السيد! ذهبوا برونق مجالس العزاء و أقاموا السسينماهات و الملاهي و المجالس الغريبة.”

بلغ الأسطة محمود مفترق فخرآباد و اجتازه دون أن يذهب إلى الورشة. لم يعرف ماذا عليه أن يقول للمؤسس. كان يريد أن يحلل الأمور ليصل إلى إجابة مناسبة. مرّ من ميدان عشرت آباد و سار باتجاه الشمال في شارع كوروش الكبير. كان فكره و ذهنه منشغلين في المسجد و أحاديث إمام الجماعة و عينه ترمق الرصيف و المارّة و السيّارات. كلما سار نحو الشمال، كانت الأوضاع تسوء أكثر. ما إن وصل إلى بداية شارع عباس آباد حتى انعطف في شارع فرح و عاد جنوبا.

كلما أطال الأسطة محمود نظره، كلما تأكد أكثر أن هناك كارثة عظيمة حدثت. حدّث نفسه قائلا: عليّ أن لا أدمّر أعصابي عبثا. سأعود و ألهي المؤسس بنحو ما.

شعر أنه أوقع بنفسه في هذه الورطة عبثا. من جهة كان يشعر بالسعادة لأنه توصل إلى مثل هذه النتيجة وتغيرت وجهة نظره تجاه حُجّت، ومن جهة أخرى كيف سيحل قضية هو وضع أساسها بنفسه. إن حُجّت يسير في طريق الصّلاة و التديّن و عليه هو الآن أن يقنع المؤسس أن هذا الشاب لم يرتكب ذنبا و له الحق في أن لا يشتغل في مثل هذا المكان. و بعد مزيد من التفكير، خلص إلى أن يبحث بين أصدقائه و زملائه ليجد شخصا يشتغل في الورشة بدل حُجّت. هكذا سيرتاح حُجّت ويذهب إلى أمره، كما أن المؤسس أيضا لن يتعطل عمله و لن تتأخر مواعيده وسيترك حُجّت و شأنه.

كان الوقت متأخرا كثيرا عندما وصل إلى الورشة. كانوا قد أنزلوا ستار إغلاق الورشة إلى النصف. قفل الأسطة محمود درّاجته على شجرة و دلف إلى الورشة.

كان كافة العاملين قد ذهبوا. ما إن رأى المؤسس الأسطة محمود حتى تقدم نحوه. كانت نظرته قلقة ومتسائلة. احتار الأسطة محمود ماذا يقول له وكيف؟ ارتبك مع أنه فكر في الأمر قبل ذلك. تحكم بنفسه وقال: “لم أحصل على شيء حتى الآن. طاردته حتى باب المسجد. دخل المسجد و صلى. هذه ليست جريمة. لا داعي أبدا لننبّه حُجّت.”

ابتسم المؤسس بسخرية و قال: “ماذا حدث؟ خرجت و عدت و قد تغيّر رأيك!”

قال الأسطة محمود: “سيدي المؤسس، اترك الأمر لي، أنا سأرتبه. ألست تريد أن لا يتعطل عملك؟ سأجد لك عاملا أفضل من حُجّت بعد يومين لماذا نعظم الأمر دون سبب؟ حُجّت لا يريد أن يشتغل، دعه لا يشتغل. إن لم يشتغل هذا، سيشتغل شخص آخر. ماذا دهانا حتى نطارد الناس و نرى ماذا يفعلون و أين يذهبون؟”

سخر المؤسس ثانية: “ألم أقل! لاحقت هذا الصبي وتغير رأيك. أنت اقترحت أن نطارده و نستكشف أمره يا أصطة محمود! و الآن جئت لتقول ما دخلنا به؟ سأحرق أسلافه. عندي كمبيالات منه وسأضعها قيد الصرف. سأضعه في السجن يتهنى بضعة أيام وينتعش.يظنني طفلا يلعب علي. أعرف ماذا سأفعل به!”

كان الأسطة محمود صامتا. كان يعتقد أنه من الأفضل أن لا يتحدث. ليس من الصحيح أن يجادل المؤسس في حالة غضب مثل هذه. أجل الأمر ليفكر بشكل صحيح. أغلق المؤسس صندوقه الفولاذي بعجل و لملم أغراضه من فوق الطاولة باضطراب. بدا غاضبا و حزينا. كانت يده ترتعش وهو يهم بدس الفواتير في مجرّ طاولته.

أطفأ الأسطة محمود مصباح المعرض فيما أخذ المؤسس حزمة مفاتيحه وخرجا كلاهما. أنزل الأسطة محمود ستار اغلاق الباب و قفل المؤسس الباب من تحت وسار نحو سيارته الشيفروليت الزرقاء الكبيرة.

فكر الأسطة محمود أنه تصرف بطفولية و ألقى بنفسه في المشاكل عبثا. لقد اشتغل لفترة عشرين عامًا. لديه ثلاثة أطفال وعبء الحياة على عاتقه. لذلك لم يستطع أن لا يعتني بالمؤسس في جوابه أو أن يعامله بنحو يغضبه.

أما من جهة أخرى فكان يرى أن حُجّت لا ذنب له ليتواطأ ضده ويفعل ما يضر به. كان كل همه أن ينهي هذه القضية دون مشكل وعلى نحو لا يضر بحُجّت ولا بالمؤسس.

سار الأسطة محمود تجاه السيارة. انحنى بالقرب من نافذة الشيفروليت و أكد للمؤسس:

-سيدي المؤسس، لا تحطم أعصابك. اترك الأمر لي. فإن تعرضت لضرر في هذه القضية، فأنا المقصر. إما أن أقنع حُجّت وإما أن آتي بأحد أفضل منه. لا يجدر بك أن تذهب إلى البيت بأعصاب محطمة!

شغل المؤسس السيارة ومضى مسرعا فيما اتجه الأسطة محمود نحو دراجته، ركبها وانطلق. كان متضايقا ولم يرغب في الذهاب إلى البيت مزعوجًا. لكنه وقع في ورطة لم يمكنه الخلاص منها بسهولة.

كان الأسطة محمود يفكّر في صمت إذ خطر بباله السيد رضا مقدم فجأة؛ هو الذي جاء إليه ذات يوم بحُجّت و هو في سني مراهقته وطلب منه أن يوظفه في الورشة. كان يعرف أنه عليه أن يجيب غدا على سؤال السيد رضا مقدم أيضا. فمن المؤكد أنه سيأتي في القريب العاجل وسيسأل عن سبب خروج حُجّت، أو تركه المهنة. و هذه ورطة أخرى. كان يعرف أن حُجّت يحب ابنة خالته و لهذا كان السيد رضا مهتما به. كيف يمكنه أن يبوح بذلك لصديقه القديم؟ إن كذب، فالنتيجة سيئة على نحو، وإن صدق سيحدث شيئ أسوأ على نحو آخر.

توقف الأسطة محمود للحظة الى جانب الشارع و وضع يده على جبينه. في للحظة واحدة مرّ من أمام عينيه وبشكل مشوش كل ما رأى وسمع في ذلك اليوم؛ حُجّت، المسجد، حديث إمام الجماعة، كلام حُجّت فيما سبق، كلام المؤسس، والناس الذين انتبه توًا إلى حالاتهم وتصرفاتهم.

حدّق الأسطة محمود في بصيص مصابيح الشوارع وحدث نفسه: “مهما سيحدث لن أقول شيئا يضر بحُجّت. فأنا على يقين أنه لا يفعل شيئًا خاطئًا!”

[1]بهشت زهرا، أي جنة الزهراء وهو اسم المقبرة الكبيرة والعامة في طهران.

[2]الشهر الثالث في السنة الإيرانية يتزامن مع شهر يونيو/حزيران.

[3] . الأسطة كلمة عامية في اللغة الدارجة تعني الأستاذ في أنواع الحرف.

 

قاص و روائي ولد عام 1957 في مدينة يزد(وسط ايران) يكتب للكبار و الناشئة. و يعيد كتابة بعض الآثار الكلاسيكية بلغة مبسطة للأطفال. و قد ترجم بعض الكتب أيضا و منها «قصص مزرعة التفاح». من آثاره المنشورة: النار في البيدر، فتيان الجزيرة، مدرسة الثورة، الطفل و العاصفة، أعاد كتابة بعض قصص شاهنامة الفردوسي و قد أعيدت طباعة روايته «حب سنوات الحرب» مرارًا.

 

(شيرازيات)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق