قراءات ودراسات

الواقعية الجديدة في المجموعة القصصية: (أرواح مستباحة) لعمار الجنيدي

بقلم: نضال القاسم

يمكن لقارئ عمار الجنيدي أن يلاحظ الطاقة السردية العالية والكثافة اللغوية التي توافرت عليهما قصصه الأولى التي تمثل أدق تمثيل انشغالات الجنيدي القصصية وتطوره منذ نشر مجموعته القصصية الثانية (خيانات مشروعة) وحتى اليوم، والتي كانت منهلاً لعدد من كتاب القصة الشباب الذين تأثروا بجمالياتها فقلّدوها .

لقد أكّد الجنيدي موهبته الشجاعة في السرد من خلال مجموعته الجديدة (أرواح مستباحة)، والتي تميزت بتقنياتها الحديثة والتي سيكون لها أعظم الأثر في وضع كاتبها في الصف المتميز من كتاب القصة القصيرة في الأردن، ففي هذه المجموعة يحتفي القاص بهموم شريحة من المجتمع، هي شريحة المستضعفين والمهمّشين إلى درجة الإهمال والإحباط، والواقفين على حدود البراءة دون أن يجرءوا على الانبهار بالمتمرّدين والخارجين على روح الأعراف والتقاليد، وأولئك الذين تقبع أرواحهم في قمقم القناعة إلى درجة الانتهاك، المنتمين إلى تراب وطنهم حدّ السكن في هواجس الماضي، وأولئك المحاطين بزيف العلاقات الإنسانية وقبحها.

لقد سعى الجنيدي في مجموعته الجديدة لرسم معالم شخصيات مجموعته القصصية وصفاتها بين ثنايا السرد، فقصصه مكتوبة بلغة الحكاية وأما شخصيات تلك الحكايات فأغلبهم من الناس البسطاء والعاديين والمهمشين، ويمكن الانتباه إلى اختلاف لغة السرد (السارد) عن لغة الشخصية، فالسارد (كلي المعرفة) يظل ما يرويه ضمن صياغة فصيحة فنية، تشكل النسيج الأوسع للقصة، لكنه إذ يتيح للشخصية أن تظهر فإنه لا يعيد صياغة لغتها ولا يتدخل في منظومتها، ومن هنا تتسلل اللهجة المحلية وتحضر أنماط الكلام اليومي، فتؤسس مستوى آخر في لغة القصة، له دلالته ودوره في تماسك الأبعاد الواقعية وإبرازها على نحو بيَّن، وقد عمل القاص بإتقان على نزع الألفة عن عناصر عمله القصصي ودفع القارئ باتجاه إدراك العالم الذي يصفه، والتعرف عبر تعرجات العمل القصصي، على المأزق الذي تحياه شخصياته. وبصورة عامة، فإن قصص الجنيدي تقوم على تغريب الحدث القصصي والشخصيات والحالات التي يصفها.

وتحتوى مجموعة (أرواح مستباحة)، على عشر قصص، تدور حول الانتحار والعزلة والخذلان والانكسار والحرمان والكبت والاضطرابات النفسية، اعتمد القاص فيها على أسلوب التجريب والتمكن والاحتراف في كتابة القصة القصيرة، فالنصوص تنضح بخبرة ونضج فني اكتسبه القاص من سنوات طويلة في كتابة القصة القصيرة، وهو يفاجئ القارئ الذي تعود على نمط محدد بالكتابة القصصية، من خلال قلب طاولة الأفكار المسبقة عن كتابة القصة في ذهن قارئها عبر ولوجه لعالم مناكفة ومشاكسة الأطر التقليدية والاعتيادية للصيرورة الاجتماعية.

وعلى الرغم من أن كل قصة من قصص المجموعة تحمل دلالتها المختلفة إلا أن هناك رؤية عامة وروابط خفية مشتركة تربط قصص المجموعة ببعضها البعض . و يتكامل الإطار العام لعالم عمار الجنيدي القصصي من خلال التنويع على ثيمات رئيسية تتواشج فيما بينها ويلقي بعضها الضوء على البعض الآخر.

وقد لجأ القاص بحرفية عالية إلى تسمية مجموعته القصصية بما يتفق وجوهر الحالة النفسية للشخصيات التي تسكن داخل قصصه، فجميع شخصياته وبدون استثناء شخصيات مأزومة ومستباحة بدءاً من شخصية (فؤاد) في قصة (الخروج من حي التركمان) وكذلك (أحمد) الذي أقدم على الانتحار في قصة (رصاصة واحدة تكفي). وأما في قصة (ضحية) فإن الطفل ابن الثالثة عشرة من عمره هو الآخر ضحية من ضحايا المجتمع، وهو إفراز طبيعي لحالة الطبقية القائمة وهو في قرارته يدرك أن الحياة داسته وتخلت عنه مثلما فعلت هذه السيارة فعلتها بهذا الرجل ورمته جثة على قارعة الطريق وهربت. وأما في قصة (جوع) فإن تلك الفتاة التي سلخت أكثر من خمسة أعوام من عمرها وهي تحاول أن تلفت نظر مديرها إليها هي أيضاً فتاة مستباحة اكتشفت بمحض الصدفة فقط أن ما يرضيها ويرضي إنسانيتها سيكون بالشارع لا في هذه المؤسسة، لذلك فقد أخرجت نفسها من هذه الدائرة الضيقة وخرجت حتى وبدون أن تستأذن ، خرجت إلى الشارع حيث رحابة الحياة. وأما (سالم) في قصة الخائن فهو أيضاً مستباح ذليل وكرامته مهدورة، فهو زوج مخدوع فاجأته الأقدار بمحض الصدفة فقط بأن زوجته تمارس البغاء والرذيلة من وراء ظهره ومع أقرب أصدقائه إليه، فما كان ردّه إلا ردّ الذليل الخانع الفاقد لقيم الحق والكرامة والرجولة. وأما (نادر) في قصة (الطريد) فهو يعاني من فقدان السيطرة على أعصابه، ومن اضطرابات نفسية وميل جارف للانطواء والعزلة، مما جعله يؤثر الوحدة بعيداً عن الناس لأنه يعتقد انه مستهدف من قبلهم وأنهم يلاحقونه بنظراتهم، ويريدون الانقضاض عليه. واما في قصة (اللعنة) فإن المبرر الوحيد لانسحاب الشخصية من الحاضر والنكوص للماضي وتمني تحقيق ما لا يمكن تحقيقه من خلال الواقع ما هو إلا انسحاب ورفض لواقع الهزيمة المرة . وأما في قصة (بعد فوات الأوان) فإن السيدة ربيعة مديرة مدرسة البنات الثانوية والتي اكتشفت بمحض الصدفة فقط أن الصورة الملونة الكبيرة التي ضبطتها في حقيبة ابنتها هي صورة فواز، فما كان منها إلا أن أغلقت باب مكتبها على نفسها وراحت تتذكر سنوات شبابها الأولى التي قضتها وهي تحاول أن تلفت نظر أبي فواز إليها.

وأما بخصوص قصص المجموعة فقد كانت القصة الأولى بعنوان (الخروج من حي التركمان) وحي التركمان هذا كما يعرِّفُهُ القاص: هو أحد الأحياء الشعبية في مدينة إربد، وأما الشخصيات الرئيسة في القصة فهي شخصية فؤاد ابن صاحبة العمارة المصاب بمرض الصرع، والواقف على أعتاب الثلاثين، والذي تركته أمه وحيداً بعد أن حصلت بينه وبين زوجها العديد من المشادات بسبب سيطرة زوج أمه على ثروة أبيه وحرمانه منها فما كان من الأم إلا أن تخلت عن ابنها وغادرت بعيدا لتعيش مع زوجها وتحرم ابنها المريض بداء الصرع من حقه في الحياة ومن ثروة أبيه التي أصبحت بيد زوجها. وأما القصة الثانية فهي قصة (رصاصة واحدة تكفي) والشيء اللافت في هذه القصة ليس الحكاية فقط وإنما الاختزال والكثافة الشديدة في الوصف والحوار، وهو مما يقرب القصة من الشعر. وأما القصة فهي تتحدث عن شاب يدعى أحمد جاء منذ سنتين للعمل في مصنع للرقائق الالكترونية وهو يسكن وحيدا في غرفة منزوية في ركن قصي من (حي القلعة)، واحمد هذا كما يصفه السارد يشعر بحالة من الضياع والكبت ويشعر بأنه يعيش بلا هدف وبلا مبررات سامية لوجوده، وهو يرى بأنه مسئول عن كل خطايا العالم، عن كل تفاهاته وذنوبه. لقد انتحر أحمد هذا رغم العديد من محاولات الإقناع التي حاول أن ياتي بها السارد من اجل إقناعه بالعدول عن فكرته الجهنمية إلا انه أصر على فعلته، ولكن الذي حدث بعد ذلك هو مشهد مفتوح يقبل مزيداً من الإسقاطات والتأويلات، حيث نجد في نهاية القصة المقطع التالي:- (كان احمد بلا حراك، والدم ينساب احمر قانٍ…أخذت المسدس من يده، وجلست قبالته أتمعن هذا المصير الذي آل إليه، مستعيداً شريط كلماته المثخنة باللاجدوى، وخصوصاً، تلك التي كان يوجهها إلى ضميري.. نصف ساعة مرّت، وبعدها سمع أهل الحي صوت رصاصة ثانية، تنطلق من داخل الغرفة… في صبيحة اليوم التالي، كان العالم يتحدث باهتمام عن نبأ انتحار المدينة…).

وأما قصة (الأفعى) فهي قصة تتحدث عن رهط من الناس الذين تجمعوا حول صخرة كبيرة تحت صهد الشمس والنسمات التموزية التي تلفح الوجوه بلهيبها يبحثون عن أفعى تختبئ تحت صخرة كانت قد لدغت أحد أبناءهم، وكان أكبرهم سناً ذلك الرجل الكهل الذي يعتمر عمامة كبيرة فوق رأسه ويحمل فأساً في يده، ويشير بالأخرى إلى شابين وقفا يساره، كانا يمتشقان هراوتين كبيرتين.

ويخلص السارد في نهاية القصة إلى أن النمل عندما تكاتف مع بعضه البعض استطاع أن يقضي على الأفعى وأن البشر بإمكاناتهم واستعداداتهم من هراوات وأدوات حادة لم يتمكنوا من القضاء على هذه الأفعى.

واما القصة الرابعة فهي قصة (ضحية) والتي تتحدث عن طفل في الثالثة عشرة من عمره، ينتعل حذاءاً نسائياً في قدميه ويمسك في يده قطعة قماش متسخة يمسح بها زجاج السيارات الفارهة لقاء حصوله على قروش قليلة، وأثناء سيره لمح من بعيد واحدة من تلك السيارات الفارهة تلتهم المسافات بسرعة جنونية وتسحق بعجلاتها رجلاً نحيلاً، كان يقف على الناصية الأخرى من الشارع بانتظار مرور السيارات ليعبر، وحينئذٍ سرت في بدن الطفل رعشة ذهول طفولية وأسرع من فوره على كومة من الناس الذين تجمعوا حول الرجل بعد ان لاذ السائق بالفرار، وعلى الرغم من ان المسعفين والناس المتحلقين حول الجثة حاولوا إبعاده عن المكان إلا أنه أصر على البقاء قريباً من موقع الحادث ومن ثم انسل من بين الجموع متقدما نحو الجثة ودلالات العبوس مرتسمة على محياه، جثا فوق رأس الرجل ومسد رأسه بيديه البضة الصغيرة، ونضا عنه الغبار وراح يتطلع على الوشم المرسوم على ساعد يد الرجل. حدق في الوشم الذي هو عبارة عن جمجمة وإلى جانبها رغيف خبز. اكفهرّ وجهه وشعر بالغثيان، فجثمت الحيرة والرهبة عليه كأنها أحمال ينوء بثقلها. مدّ يده ووضعها على صدره. ارتمى فوق الجثة وأخذ يبكي بذعر وخوف…وبعد أن قام المسعف بوضع الجثة في سيارته وانطلق وابتعد الناس وتفرقوا. شبا الصغير على قدميه ومسح دموعه ونظر حوله وأطلق تنهيدة طويلة، واستدار بعدها إلى الشارع وراح يقفز ويلوّح بقطعة القماش وكأن شيئاً لم يكن، ولربما أن ما أريد قوله أن هذا الطفل قد شعر أنه ضحية من ضحايا قسوة الواقع كما هو الحال مع هذا الرجل الذي يشبهه، وهو عندما وضع يد الرجل على صدره وبكى فإنما أراد ان يوصل لنا رسالة مفادها أن الوشم الموجود على يد الرجل هو وشمه أيضا.

وأما قصة (جوع) فهي تتحدث عن تلك السكرتيرة التي بقيت لأكثر من خمس سنوات وهي تحاول أن تلفت نظر مديرها إليها وان تسمع منه مجرد كلمة إطراء واحدة ولكنها لم تفلح في ذلك وفي اليوم الذي اضطرت فيه للذهاب الى عملها بدون سيارتها فاجأتها نظرات المعجبين بها وتعليقاتهم الجميلة عليها وبالطبع فإن هذا ما كانت تصبو إليه فظنت أنها اليوم تختلف عن كل يوم فقدرت في نفسها أنها ستسمع هذا الكلام الجميل من مديرها وزملاءها ظناً منها أن شيئاً ما هو الذي تغير في شكلها الخارجي فدفع الناس للتعليق عليها ولكنها فوجئت عندما وصلت مكان عملها كالمعتاد أن مديرها قد قابلها بنظرة حذرة صامتة واما زملاؤها فقد ردّوا عليها السلام ببرود، فما كان منها إلا أن قامت وحملت حقيبتها وخرجت إلى الشارع، دون أن تستأذن أحداً، لقد أدركت حينئذٍ فقط أن الخلل ليس فيها هي وإنما في مديرها وزملاءها الذين تبلدت أحاسيسهم فما عادوا يعرفون قيمة الجمال.

لقد مارس عمار الجنيدي في قصة (جوع) حريته في اختيار شخوصه من عالم النساء، وآثر أن يكتب عن الأنثى من زاوية أنه رجل، وبدا وكأنه نذر نفسه ليعبر باسم الرجل، ومن خلال إحساس الرجل، عن المرأة التي لم تكن موضوعاً للدرس أو التحليل إلا من خلال تأملاته هو، ومن خلال بوحه هو، ومن خلال اعترافاتها الخاصة. ومع كثرة ما كتبته المرأة عن نفسها فإن الصورة المقابلة وهي الصورة التي يعيها الرجل، ظلت غائبة، ومن هنا تبدو اهمية تصورات القاص الجنيدي التي تبدو وكأنها تُكره المرأة على ان ترى نفسها من الزوايا الصعبة.

وأما في قصة (الخائن) فالزوج (سالم) شديد الثقة بزوجته لميس وهو يعتقد انها تمضي يومي الأحد والخميس من كل أسبوع بزيارة والدتها وأما صديق سالم في العمل ويدعى يوسف فهو منحل وزير نساء وفجأة يتصل بزميله سالم ليقول له أريد منك خدمة فأنا محجوز في الشرطة وأرجو أن تحضر لتأخذ مفتاح بيتي لتفتح الباب على الفتاة الموجود في البيت وتعتذر لها عن غيابي ويذهب سالم على استحياء وتحصل الطامة الكبرى عندما يجد زوجته عارية في منزل صديقه (يوسف) والمفارقة في القصة أن الزوج (سالم) أصبح هو المدان وأصبحت الزوجة الخائنة هي الضحية، وبات على الزوج المخدوع أن يبرر سبب وجوده في هذا المكان، وعليه فقد أصبح الزوج هو من يطلب الصفح والمغفرة من زوجته ويهددها بأنه سينتحر إن لم تغفر له خطيئته.بدلاً من أن يهددها بالقتل او بالطلاق أو بأن تبرر له أسباب وجودها في هذا المكان وفي هذا الوضع المخجل، وعليه، فإن القاص وبذكاء استعمل ما يمكن أن أسميه انقلابية الصورة والتي أحسن توظيفها والتعامل معها في هذه القصة بالذات، حيث أنه وبتلاعب فني جميل استطاع ان يسبغ على القصة حس ساخر ثم ينهيها نهاية مفتوحة كما فعل في أكثر من قصة في المجموعة، تاركاً القارئ في حالة دهشة ومحاولة إجابة للأسئلة المعلقة التي تركتها القصة في ذهنه، بحيث تعمد إلى نقل فكرة مجتزأة من الحياة، ثم يترك النهايات مفتوحة أمام فكر وذهن القارئ.

ولا شك أنني أستطيع القول من خلال متابعتي لأعمال الجنيدي الصادرة حتى اليوم أن قصة (الخائن) تعطي القارئ فكرة واضحة عن شكل الكتابة القصصية لدى عمار الجنيدي الذي قدم في مجموعاته الصادرة مثالا ناضجاً متميزاً للكتابة القصصية الساخرة والماكرة في ذات الوقت.

وأما قصة (الطريد) فهي تحكي قصة شاب مأزوم يعاني من العزلة يدعى نادر، ونادر هذا اشترى صندوق بريد منذ اكثر من ستة أشهر وأصبح يذهب إليه يومياً ليبحث عن رسائل تصله ولكنه لم يصله شيء فما كان منه إلا أن كتب رسالة إلى نفسه وذيلها بأول اسم خطر على باله ثم أرسلها بالبريد إلى نفسه، ولما احضر الرسالة من البريد فوجئ بأن الرسالة غريبة لم يكتبها هو وفحوى الرسالة أنه يجب عليه ان يحطم قيود عزلته وان يخرج نفسه من دائرته الضيقة.

وأما قصة (اللعنة)، فهي القصة الوحيدة في المجموعة التي تحمل مضمون سياسي وتتحدث عن الهم القومي والوجود العربي بشكل عام بالإضافة إلى تناولها الوجود الإنساني وصدمته بالواقع السياسي المرير. فهي تتحدث عن شخص منخرط بالهم القومي، ولأن أمته مهزومة ومستباحة ولأن بلاده فقدت مقومات الحياة الإنسانية الكريمة فقد هرب إلى الماضي كملاذ وخلاص لأنه لم يستطع أن يتحمل مرارة الحاضر وقسوة الهزيمة فانسحب باتجاه الماضي وصار يحلم أنه يعيش في زمن النصر والبطولة والفتوحات، ولكنه وعندما استيقظ من غفوته رأى الواقع على حقيقته فازداد بؤساً وشقاء.

وفي قصة (بعد فوات الأوان) تدور احداث القصة حول فتى يدعى فواز وهو العاشق الأكثر شعبية في صفوف التلميذات والمعلمات والمفارقة أن مديرة المدرسة السيدة ربيعة عندما اكتشفت الأمر تذكرت انها وبنات جيلها كن هن الأخريات يعشقن والد فواز فما كان من المديرة إلا أن احتفظت بصورته التي سرقتها من حقيبة المعلمة، وذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب على نفسها وأخذت تتذكر وتتحسر على الماضي وعلى والد فواز الذي أضاعته وأي فتىً أضاعت. وكأني بالقاص وقد أراد أن يوصلنا إلى قناعة من خلال هذه القصة مفادها بأن أفعال العباد تخالف ما يضمرونه في أعماقهم، فهم في صورتين نرى واحدة منهما، وتتوارى الأخرى بكثير من الذكاء والخبث في آن واحد، فلقد تخيل القارئ أن تكون ردة فعل السيدة ربيعة مختلفة وحادة ولكن المفارقة التي حدثت أن ردة فعلها كانت سلبية بعكس ما توقع القارئ منها.

وأما القصة الأخيرة في المجموعة فهي قصة (نشوة الدرّاق) والتي لن اعلق عليها كثيراً، ليس لأني لا أحب الدراق مثلاً – لا سمح الله – وإنما لأني لا أحب الخمر، ولهذا فإنني لا أخفي امتعاضي من هذا التوظيف الفج لعلب البيرة بطعم الدراق في بداية القصة، فأنا على العهد الذي قطعته مع نفسي منذ ولجت عالم الأدب بأني لا أمجد الخمر والمجون والزنا، وفي السياق ذاته فإنني أرى أن علب البيرة العشرين في قصة (الخروج من حي التركمان) قد أضيفت عنوة إلى جسم القصة وكان بالمستطاع أن يستغني عنها القاص، وكذلك هو الحال في قصة (نشوة الدرّاق)، حيث أنني أعتقد أنه ينبغي علينا في أعمالنا الابداعية أن نمجد القيم النبيلة الأصيلة لا أن نكرس المفاهيم الخاطئة والمرفوضة، وإنني أرى ان القاص لو قال عن هذه العلب بأنها علب عصير مثلاً لكان أجدى وأنفع ولما تأثرت الصورة الفنية لديه أبداً، ولكنه افتتح قصة(نشوة الدرّاق) بهذه العلب الخبيثة التي جعلتني أنفر من القصة وأقف منها ومن المجموعة موقف الحذر، حيث إنني أرى ان الأدب الذي يجب ان نوجهه لأبنائنا يجب ان يكون أدباً نبيلاً أصيلاً هادفاً تنويرياً صادقاً، لا أدباً ضالاً مضلاً منحرفاً .

لقد مارس الجنيدي في مجموعته الجديدة التجريب الواعي وبشكل حذر وقد عالجت قصصه الواقع الاجتماعي والإنساني بجرأة وموضوعية، وتبدو أكثر قصص هذه المجموعة ذات منحى واقعي يظهر في مبناها ومضامينها، ويميل الكاتب إلى نسبة قصصه للواقع الذي يعرفه ويعاينه، ويتداخل الواقعي مع الفنتازي في كثير من قصص المجموعة، وتفيض القصص بلغة مشذبة مجردة محايدة، دون مماهاة عاطفية بالشخصيات أو الأحداث في تخلص واضح من فنون السرد التقليدي، حيث أنه لم يتقيد عند رسم شخصياته القصصية في المجموعة ببشر من لحم ودم فقط، وإنما استعار الأشياء من حوله وتلاعب بها بحس فني وبطريقة مبتكرة، وهو بذلك يكون قد رفض القواعد الجاهزة التي تجرد الحدث من تفاصيله مرتكزاً بالدرجة الأولى على نواصي اللغة، وليس قوالبها، هذا الوعاء الذي يضم كل الأساسيات المتراكمة من مراجعة النفس، والاستبصار، وتحديد الأولويات ضمن واقعية منطلقة من ذاكرة المبدع.

إن قصص الجنيدي في مجموعته القصصية الجديدة (أرواح مستباحة)، محملة برؤية مميزة ومختلفة وتشكل إضافة قوية وجديدة في المدونة السردية القصصية للقاص الأردني، وأكيد أن السنوات القادمة سوف تشهد كتابات قصصية للكاتب تضعه في مصاف كتاب القصة القصيرة في الوطن العربي، لأن قلمه يحمل الكثير من التجريب والحس الفني العالي، بالإضافة لإمتلاكه القدرات الإبداعية العالية في القص المميز والمختلف، فعالم الجنيدي هو عالم الشخصيات المنسحبة من سياقها الاجتماعي الضاغط، الباحثة عن خلاص وجودي، وما يلفت النظر في هذه المجموعة هو نهايات القصص اللافتة والتي كانت في أغلبها تقود القارئ الى مفارقات ومواقف صادمة وغير متوقعة وبما يثير ويستفز المتلقي ويكسر جانب التوقع لديه من خلال جنوح القاص المتميز إلى التورية في نهايات الكثير من قصص المجموعة.

لقد استطاع الجنيدي إلى حد كبير خلال رحلته القصصية توظيف أسلوب السخرية اللاذعة الممزوجة بالمرارة الموجعة كفن في كتاباته القصصية مما جعل ذلك الأسلوب بمنزلة البطاقة الشخصية لنتاجه الذي يشاكس من خلاله مجتمعه ويشاغبه ويعري عيوبه وأمراضه برؤية تأملية ساخرة لاذعة، إضافة إلى أن هذا الأسلوب كان أحد الخطوط الداعمة لمحاولة القفز بالقصة القصيرة من التراكيب اللغوية وتقريريتها الجامدة والنافرة عن إلى الاهتمام بالموضوع والمضمون والدفع في اتجاه الفكرة للارتقاء بالمعنى إلى مستوى يليق بفلسفة الطرح.

ومع كون قصص الجنيدي اختارت زاوية تطورها باقترابها من هموم المواطن البسيط ومحاكاة الشخصية الأردنية باستدراجها عن طريق لغة المشاكسة بغية استبطان صراعاتها النفسية وخلفيات فضولها الموسوم بحب الاستطلاع والمغامرة في حدود التجريب، فإننا نرى أن ما يضعف من وهج بريق السخرية فيها وقوة استجابتها لميكانيزمية الموقف هو منهجية الأسلوب ومعاناته من الوصف الخارجي الذي يحوم حول الشخصية مكتفياً فقط بملامسة حدود قشرتها الخارجية ولا يتجاوزها في العمق إلا نادراً، إضافة إلى السرد الطويل الذي يؤدي إلى اتساع الدوائر البينية المعول عليها في المحافظة على التماسك الفني لهيكل القصة، وبالتالي فتح مجال التكرار في الحوار والوصول إلى المعنى بشكل لا يتناسب مع طبيعة البناء السردي العام.

وأنا أود في الختام أن أسجل ملاحظة قبل أن أترك المجموعة، هي في صالح المجموعة، وهي أن الطابع الفني العام في قصص الجنيدي قائم بالدرجة الأولى على الاقتصاد اللغوي الذكي، وعلى الدلالات المكثفة والمفتوحة على تأويلاتها بلغة معبرة وجمل قصيرة دالة، وأما جوهر الرؤى في قصصه فهي تقوم على مواقف توظف طاقة السخرية الجادة بأسلوب غرائبي يمجّد الفانتازيا والعجائبي ونكتة الموقف المستندة إلى التصوير اللحظي، وأنماط الاحتجاج على صيرورات اجتماعية ووجدانية . ويعمل القاص للوصول إلى تعبير أمثل عن هذه الرغبات، على كتابة حكايات مجازية تضفي عليها لغته الشاعرية، وقدرته على تفجير الطاقات الإيحائية للغة، معاني عميقة تفسر الوجود الإنساني وتكشف عن التصورات الفلسفية التي تغلف عالم الجنيدي القصصي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق