حوارات هامة

الأديب الجزائرى واسينى الأعرج: ما حدث في الجزائر في التسعينيات لم يكن له علاقة بالإسلام في شيء !

أجرى الحوار في الإسكندرية: حسام عبد القادر

حربه ضد الإرهاب كلفته الكثير.. جعلته على رأس قائمة المهددين بالاغتيال.. يذهب إلى جامعته ويعود في حراسة.. غادر بلده إلى فرنسا.. فأصبح علامة رئيسية في الثقافة الفرنسية وأستاذا بجامعة السوربون، متخصصا في تاريخ العلاقات الأدبية والثقافية العربية الفرنسية.. هو صاحب مواقف كثيرة شجاعة.. وقف ضد الإرهابيين بالجزائر.. رفض تحويل مباراة لكرة قدم إلى حرب سياسية لصالح فئات محددة.. رفض التوقيع على مذكرة لسحب جائزة البوكر من الروائي المصري يوسف زيدان.. ورغم كم الهجوم الذي واجهه بسبب مواقفه وفكره إلا أن ما زال صامداً مصراً على مبادئه وفكره رافضا التنازل عنها، مؤكداً أن التاريخ سيثبت صدق رؤاه. هذا هو الروائي الجزائري واسينى الأعرج الذي ولد في قرية “سيدى بوجنان” بتلمسان بالجزائر عام 1954، وقبل ولادته بأيام رأت والدته “سيدى واسينى” وهو من أولياء الله الصالحين بالجزائر في المنام وطلب منها أن تطلق اسم ابنها على اسمه حتى يكتب له عمرا طويلاً، وواجهت الأم الأب والعائلة بضرورة أن يسمى الولد “واسينى” وكانت العائلة تريد أن تطلق عليه “عيد” لأنه ولد يوم عيد، لكن إرادة الأم تغلبت ليكون اسم واسينى نار على علم في مجال الأدب والثقافة على مستوى العالم. تحاورت مع واسينى الأعرج داخل مكتبة الإسكندرية حيث حضر خصيصا من أجل ندوة أعدت عن مشواره الأدبي والثقافي، وكان سعيداً جداً باحتفاء مكتبة الإسكندرية به، وسعد أكثر عندما قام بجولة في مكتبة الإسكندرية تعرف فيها على كثير من الملامح التي لم يشاهدها من قبل، وأكد لي أن الإسكندرية تستحق أن يخصص لها فترة زمنية أطول ليتعرف على طبيعة هذه المدينة الجميلة، فيومين غير كافيين بالمرة.

*قلت له لا يمكن أن أبدأ أي سؤال في حوارنا بدون أن نتحدث عن العلاقات المصرية الجزائرية، وما حدث فيها بعد مباراة كرة القدم الشهيرة.

**أجاب واسينى متألماً: والله هو أمر مؤسف أن تتحول مباراة لكرة القدم إلى توتر في العلاقات بين البلدين، وفى رأيي أن وسائل الإعلام بالبلدين ساعدت كثيراً على إحداث هذا الاحتقان، كما تم إضافة أبعاد سياسية ليزيد الموضوع اشتعالاً، وكان لابد من وجود حكماء من الطرفين لتهدئة الموضوع، وقد حدث وإن كان متأخراً وبدأت الأمور تعود إلى مجرياتها، وكان لابد للمثقفين أن يلعبوا هذا الدور وألا ينجرفوا وراء هذه الأحداث لأن العلاقات المصرية الجزائرية لا يمكن أن تهتز مهما حدث، وأؤكد كجزائري أن كل جزائري في الجزائر يكن لكل مصري كل التقدير والاحترام، وأن ما حدث كان مجرد كبوة يجب أن تعلمنا الكثير، وألا ننجرف بسهولة وراء بعض الأخبار الكاذبة هنا أو هناك.

*ولكنى أعرف أنك صاحب موقف محدد في هذه الأزمة؟

**نعم، تم إجراء عدة حوارات معي في هذه المشكلة على فترات، وفى كل مرة كنت أؤكد حبي لمصر ولشعب مصر، وأننا لا يجب أن ننجرف وراء أي تيار يريد الإساءة للبلدين، وقد كان رأيي هذا لا يعجب الكثيرين، ومؤخراً أراد البعض أن يقوم بجمع عريضة لسحب جائزة البوكر من الأديب والروائي المصري يوسف زيدان الذي أخذها عن جدارة عن روايته “عزازيل” وكان سبب هذه العريضة مقال كتبه هاجم فيه الجزائر بعد المباراة الشهيرة، فرفضت بالطبع أن أوقع على هذه العريضة، وقلت لهم كيف أحاكم كاتب على رأيه، وكيف أطلب سحب جائزة على عمل إبداعي قام بتأليفه، والجدير بالذكر أن زيدان نفسه كتب مقال آخر اعتذر فيه عن مقاله الأول وتراجع عن رأيه وهو ما يشهد له بالشجاعة لإعلان رأيه، ففوجئت بأن بعض الجرائد كتبت أن واسينى يقف ضد وطنه، مما آلمني كثيراً، فقد وقفت الكثير من المواقف من أجل وطني، بل إن أبى شهيد من شهداء الثورة الجزائرية، فكيف يقال عنى أنني ضد وطني.

*وماذا عن موقفك من الإسلاميين في الجزائر؟

**أنا مسلم وأفتخر بإسلامي ولا يمكن أن أسمح أن يمس الإسلام بأي شيء، ولكن ما حدث في الجزائر في التسعينيات لم يكن له علاقة بالإسلام في شيء ، وقد وقفت موقفا واضحاً ضد هؤلاء الإرهابيين الذين أطلقوا على أنفسهم “الإسلاميين” كحالة فكرية ديكتاتورية كانت ستؤدى لخراب البلاد لو وصلوا للحكم، وكان لابد أن أكتب رأيي هذا، وكتبته كذلك في كتاباتي الأدبية وخاصة في “مرايا الظليل” و”سيدي المقام” و”شرفات بحر الشمال” وغيرها حتى أنني شعرت أنني حصرت نفسي في الكتابات عن الإرهاب فقط، فقررت أن أغير نوعية كتاباتي وأن ألجأ للتاريخ للخروج من هذه الحالة، وكتبت كتاب اعتبره من أهم كتبي عن الأمير المناضل عبد القادر الجزائري، وهى عبارة عن رواية أتحدث فيها عن الأمير عبد القادر الجزائري، وليس عن تاريخه بشكل مباشر، كما أنني قدمت برنامجاً أسبوعيا في التلفزيون بالجزائر بعنوان “أهل الكتاب” وكان المعروف أن أهل الكتاب دائما تطلق على اليهود والنصارى، ولكنى أردت أن أوضح أن أهل الكتاب هم كل المثقفين والكُّتاب أصحاب الفكر والرؤى، وكنت أقوم من خلال البرنامج بعمل مناظرات فكرية بين رأيين مختلفين، وكان البرنامج يحوز على نسبة مشاهدة كبيرة، ولكنى أوقفته نظرا لضيق وقتي بعد ذلك.

*ولكن هل كان ذهابك لفرنسا هروباً من الإرهاب؟

*لم أهرب في يوم من الأيام، ولكن بعد مواقفي من الإسلاميين وما كتبته فوجئت بأنهم وضعوني على قائمة المرشحين للاغتيال، واستدعاني مسئول الأمن وطلب منى ألا أخرج بالشارع وبدأ يحدد لي خطوط سيرى، من الجامعة لبيتي وبدأت أشعر أنني مقيد في سجن لا يمكنني أن أجلس على مقهى بحرية مثلما كنت أفعل، وأعطوني “تفرغ أمنى” وهو تفرغ يجعلني أستاذا بالجامعة ولكن غير مرتبط بجدول محاضرات محدد، ولكنى أشرف على الرسائل والأبحاث. وكان لي صديق فرنسي هو “دانيال ريج” وهو بالمناسبة صاحب القاموس الشهير “السبيل” والذي يترجم “عربى- فرنسى-العربى” الذى صدر عن دار لاروس، وهو من أهم القواميس التي صدرت بين اللغتين العربية والفرنسية، وكنت أذهب له مرة في العام لإجراء بعض الدراسات والكتابات، فعرض على أن أظل في فرنسا فترة أطول حتى تهدأ الأوضاع، فوافقت على أن يكون ذلك برفقة أولادي وزوجتي، وبالفعل انتقلت حياتنا بالكامل إلى فرنسا، وهناك قمت بعمل سيمنار عن إشكالية الأجناس الأدبية وتحديدا الرواية تحت عنوان “تاريخ العلاقات الأدبية العربية الثقافية الفرنسية” وبدأت فيه من رفاعة الطهطاوي حتى وصلت لهيكل في رواية زينب، وشرحت في هذه الدراسة كيف كان لفرنسا دورا كبيرا في الثقافة العربية مثلما كان للعرب دورا في الثقافة الأوروبية، وكانت هذه الدراسة سببا في توجيه دعوة رسمية لي للتدريس بجامعة السوروبون، التي لم أجد بها أي توجه عنصري إنما تعطى المناصب لمن يستحقها عن كفاءة ومعرفة. ولكنى لم أقطع علاقتي بالجزائر أبداً، كما أن الجامعة بالجزائر رفضت استقالتي وطلبت منى أن أحضر مرة كل شهر لأقوم بأعمالي بالجامعة، من إشراف على الرسائل والأبحاث، وبعض المحاضرات العامة، وهو ما أقوم به حتى الآن.

*ولكن حضرتك تكتب بالعربية والفرنسية معاً، فهل جاءت اللغة الفرنسية على حساب العربية؟

** أنا أنتمي لجيل تشرب الثقافة واللغة الفرنسية على حساب العربية، لأسباب كثيرة، أهمها طبيعة الدراسة بالمدارس حيث أن اللغة الفرنسية هي الأساس في كل المناهج التعليمية، إلا أن هناك حكاية طريقة وراء اتقاني للغة العربية، حيث أن جدتي كانت السبب في ذلك وكانت حريصة على تعليم أحفادها اللغة العربية وكانت تذهب بنا إلى إحدى المدارس القرآنية “الكتاتيب” الصغيرة بالجزائر، لنتعلم القرآن وبالتالي العربية لغة أجدادنا، وقد خدمتني جدتي خدمة عظيمة بما فعلته، وأذكر أنني أثناء دراستي بهذه المدرسة القرآنية أطّلعت صدفة على نسخة من كتاب ألف ليلة وليلة؛ إذ تركه أحدهم بطريق الخطأ، داخل غلاف للقرآن، فتعجبت وأمسكت بالكتاب ولم أتركه إلا بعد أن انتهيت منه، وكنت مبهورا بهذا الكتاب الرائع، وكيف تم كتابته، وأؤكد لك أن هذا الكتاب كان مدخلا لي للاهتمام بالأدب وباللغة العربية ليس فقط إرضاء لجدتي، وإنما أيضا لجمال النص، حيث أصبحت عاشقاً للعربية، بل قمت في الثانوية العامة بالتخلي عن الدراسة بالقسم العلمي لأذهب إلى القسم الأدبي، وهو ما كان مثار تعجب ورفض من كل من حولي.

*وهل ألف ليلة وليلة كانت دافعاً لك بعد ذلك لكتابة رواية “الأمير” عن الأمير عبد القادر الجزائري، حيث أن بها من الأحداث التي اعتبرها البعض خيالية مثل ألف ليلة وليلة.

** رواية “كتاب الأمير” والتي حصلت من خلالها على جائزة الشيخ زايد لعام 2007، جاءت في إطار الرد على نظرية صدام الحضارات التي روج لها الكاتب الأمريكي صامويل هنتنجتون؛ حيث تبرز الرواية جوانب إنسانية رائعة في حياة الأمير عبد القادر وفي تعامله مع العدو الفرنسي الذي كان يستعمر الجزائر آنذاك، وتدور أحداث الرواية حول الأمير عبد القادر بن محيي الدين الجزائري في منتصف القرن التاسع عشر، إلا أنها تربط الماضي بالحاضر. وأؤكد أن كل المعلومات والمواقف التاريخية التي ضمّنها الرواية مؤكدة؛ إذ أنني استقيتها من مراجع تاريخية، إلا أنني في النهاية لست مؤرخاً ولا أقول أن الرواية هي تأريخ لحياة الأمير عبد القادر، لأن الروائي إذا تحول لمؤرخ يعتبر فاشلاً في وجهة نظري، بل إنني رفضت المشاركة في ندوات حول الأمير عبد القادر لأنني غير متخصص في التاريخ. إلا أنني أنصح بقراءة تاريخ الأمير عبد القادر وقراءة تاريخ عدد كبير من المناضلين الذين يحملون الكثير من المعاني والعبر والإنسانيات، التي لا يعلمها أجيال اليوم، ويجب أن نوصلها لهم ليعرفوا تاريخهم بشكل حقيقي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق