ثقافة المقال

مأزق الحداثة العربية وسطوة النموذج الغربي

د.عمارة بوجمعة*

يظهر المسار الذي قطعته الحداثة العربية أن الروافد الفكرية الأجنبية لم تشكل فقط عناصر داعمة لحركة الحداثة، وإنما كانت مرجعا مهما في التعرف إلى كثير من قضايا الشعرية والإبداع في التراث العربي. وفي هذا الصدد، يشير أدونيس بقوله:”أحب أن أعترف أيضا أنني لم أتعرف على الحداثة الشعرية العربية من داخل النظام الثقافي العربي السائد وأجهزته المعرفية، فقراءة بودلير هي التي غيرت معرفتي بأبي نواس وكشفت لي عن أسرار شعريته وحداثته، وقراءة ملارميه هي التي أوضحت لي أسرار اللغة الشعرية وأبعادها الحديثة عند أبي تمام، وقراءة ونرفال وبريتون، هي التي قادتني إلى اكتشاف التجربة الصوفية بفرادتها وبهائها، وقراءة النقد الفرنسي الحديث هي التي دلتني إلى حداثة النظر النقدي عند الجرجاني خصوصا في كل ما يتعلق بالشعرية وخصائصها اللغوية-التعبيرية”. وفي السياق ذاته، يتحدث يوسف الخال عن تأثير باريس في مسيرته إذ يقول:”ولقد أتاح لي جو باريس وانقطاعي التام إلى حيات الفكر والشعر والفن، وما يرافقها من صفاء البال والذهن والتفتح على الجمال بكل أنواعه، أن أتوصل إلى حل بعض المشكلات الشعرية والفكرية التي كانت تقلقني في السنوات الأخيرة، ويبدو هذا جليا في النتاج الشعري الذي كتبته خلال الفترة والذي سأكتبه في المستقبل”. إن ما يمكن استنتاجه هنا أن علاقة أدونيس أو يوسف الخال بالثقافة الغربية، لا تعدو أن تكون شكلا من المرآة التي تدفع بنوع من الإغراء إلى تعديل بعض المشاعر والأحلام والأفكار، في محاول لاستكشاف الذات بمعناها النفسي والاجتماعي والثقافي.
في ضوء هذا الاعتراف بثقافة الغرب، كان مشروع الحداثة الشعرية العربية يراهن على المعرفة الغربية في سبيل بلورة عالم شعري جديد، كان هذا الأمر واضحا في التجربة التي قادتها مجلة شعر، وفي تنظيرات أدونيس النقدية بشكل خاص، بل يمكن القول إننا لو نظرنا في سير تجارب شعراء الحداثة لأدركنا أن علاقاتهم بالثقافة الغربية، لم تكن بالنسبة لهم رافدا ثقافيا فحسب، وإنما كانت عاملا في توجيه رؤيتهم وتحديد خياراتهم الفنية، يظهر ذلك في استعمال اللغة الشعرية وفي تمثل النموذج الغربي في تأسيس الأشكال والأبنية الجديدة، فقد استعار أدونيس وأنسي الحاج على سبيل المثال كل القوانين التي اعتمدتها سوزان برنار في كتابها “قصيدة النثر من بودلير حتى وقتنا الراهن، الأمر الذي دفع الكثيرين إلى القول بأن مجلة شعر، قد انتحلت قصيدة النثر من الأدب الفرنسي، ولم تقدم شيئا سوى أنها نقلت إلى العربية تجربة فرنسية. وهذا الأمر يمكن قوله على استعارة المفاهيم والمصطلحات في تجارب النقد العربي الحديث. فقد تميزت المعرفة النقدية في أحيان كثيرة بافتقاد السند المعرفي الذي تقتضيه عملية نقل المفاهيم والمناهج.واكتفت بمجرد الأخذ الذي كثيرا ما كان يتنافى مع الشروط الثقافية التي تشكل ضمنها النص الشعري العربي.

وإذا كان التفاعل مع الثقافة الغربية شرطا مبررا بالقاعدة التي تجعل معرفة الآخر ضرورية لمعرفة الذات، فإن مشروع الحداثة الغربية لم يؤسس تحت سطوة الانبهار بالآخر حداثة واعية بشرط التفاعل الإيجابي، بل إن هذا الانبهار جعل مفهوم الحداثة “يوظف عند الاستخدام توظيفا يحمله المعنى وضده، فيغدو مطية لحوامل دلالية متدرجة: يؤخذ مأخذ اللفظ المشترك –ويعامل المصطلح الفني- ثم يتخذ دالا على مقولة ذهنية- ولكنه يساق مساق الشعار لقصد دعائي أو لبوس ثوري –وقد يستخدم استخدام الألفاظ الملبسة لغرض الإبهام- ويجتلب في سياق الترميز بقصد الإلغاز- ولا يندر أن يكون استعماله محمولا على الحكم المعياري عند القدح فيما ليس حداثة”. مما يعني بعبارة أخرى أن فكر الحداثة العربية اتجه إلى تبني المرجعيات الغربية في غياب معرفة واعية ومتمكنة بالتراث العربي،وهو الأمر الذي جعل تجربة الحداثة العربية في اغترابها عن واقع الثقافة العربية عاملا في تعطيل عناصر التطور في اختراق البيانات الاجتماعية والتاريخية للثقافة العربية، وهو واقع ناتج عن عجز في معرفة الذات ومعرفة الآخر في الوقت نفسه، لأن الحداثة لا تعني بالضرورة “إضاءة الكيان وإذابة الذات في الآخر، بقدر ما تتطلب المحافظة على الهوية والتميز بوصفها شرطي ولوج الحداثة الفعلية من بابها الواسع وبأقل تكلفة ممكنة”. وبهذا يكون إدراك الفرق بين الحداثة في الغرب وواقعها في المجتمع العربي هو ما يجعل مشروع الحداثة العربية مسؤولا بتنمية درجة عالية من الوعي بضرورة التحول من جمود اللحظة التاريخية إلى مرحلة الإبداع الحضاري والأخذ بأسبابه المختلفة، وهي غاية لا تحقق إلا إذا وصل العقل الإبداعي العربي إلى وعي حقيقي بأبعاده الحقيقية، أي بأبعاده الخاصة والكونية وتمثل عميق لحركة الإبداع في امتداداتها الجغرافية والإنسانية والكونية.

*جامعة سيدي بلعباس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق