الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | مأساة الحاج طاهر

مأساة الحاج طاهر

بقلم فراس ميهوب

فوق تلّةٍ خضراء مطلّةٍ على البحر الأزرق من الغرب والجنوب، غير بعيدٍ عن مقبرة السلاطين الأثريَّة، وفي قلب هبوب الريح الشماليَّة المنعشة، والخاليَّة من أيِّ شائبةٍ، ترقد بديغان منذ أكثر من ألفي عام.
حين كُلِّف الحاج طاهر مديراً لمشفى بديغان، تردد كثيراً قبل أن يرضى أخيراً بالمهمة الصعبة، فالمدينة ذات جمالٍ طبيعيٍّ آسرٍ، إلَّا أنَّ بعدها عن العاصمة، وطرقاتها الوعرة، دفع العديد من الأطباء إلى العزوف عن هذه المهمة.
لم يمض وقتٌ طويلٌ حتى كسب المدير الجديد قلوب وعقول الجميع، فسماحة وجهه، واستماعه الجيِّد، أعطاه قرضاَ مؤجَل الدفع من الرضا العام، ونجح بتواضعه وأدبه الجمِّ في كسب محبة العمَّال، مازح الطبّاخ في مطعم المشفى وسائق سيارة الإسعاف وحتى عاملات التنظيف المسكينات.
بدأ بدفع المشفى إلى الأمام بسرعةٍ ملفتةٍ، فأدخل تقنياتٍ جديدةٍ، وتدرَّب عليها لوحده، وتفانى بالعمل، فكان يأتي إلى هذا الصرح الرِّيفي ليلاً ونهاراً، صيفاً أو شتاءً دون كللٍ أو ملل، لم يتأفف من المجيء إلى مكتبه لتشغيل تيارات إكسير الحياة الضروري أحياناً لإنعاش المرضى، فكان يحتفظ لوحده بالأرقام السريَّة لهذا الجهاز الموجود في مكتبه.
تغيَّرت الحياة في بديغان، وعرفت تجارة لوز الجنائن وهي الثمرة النادرة الموجودة فقط في محيط هذه المدينة النائيَّة وريفها القريب ازدهاراً عجيباً.
والفضل يرجع إلى الحاج طاهر بجذب القرويِّين للعلاج في المشفى وأقاربهم للزيَّارة، وبذات الوقت مشاهدة غابات السَّنديان الشامخ، و زيَّارة سوق المدينة وشراء اللوز، وبعض المعاول، وكؤوس خشبيَّة جميلة.
وبدأ أهالي بديغان ببعث الرّوح في حرفة صنع التوابيت من خشب السَّنديان شديد المتانة، وغالي الثمن، والتي تميَّزت بها بديغان من غابر العصور، و كادت تنقرض بعد عزوف الناس عن الموت ردحاً طويلاً من الزمن.

وصل صيتُ المشفى الحسنِ إلى أطباء العاصمة ، وذهلوا بتطوره الكبير، فقرر الشباب منهم مراسلة الحاج طاهر للعمل في مشفاه، وهكذا جذبت بديغان ومشفاها أناساً آخرين للعيش فيها مع عائلاتهم، ونودي بلوز بديغان وسَّندياننها في طول البلاد وعرضها.
استمر نجاح الحاج طاهر سنواتٍ طويلة، مما أغراه بتطوير المشفى بلا كلل، وكان يملك أفكاراً متجدَّدة لا تبلى، فطلا البناء الجميل باللون الأبيَّض اللؤلؤي، وغرف المرضى بالأزرق الفيروزي، فصار متعةَ للناظرين.
حوَّل مداخل المشفى إلى مثلثاتٍ متعاكسةٍ، وأنقص ارتفاعها إلى أقل من متر ونصف، أمَّا المخارج فجعلها اسطوانيَّة الشكل فلا ترتطم بها الرؤوس العاليَّة، ولا تتألم منها الأكتاف العريضة.
قلَّل من استخدام خشب السَّنديان، واستفاد من الوفر بشراء معدَّات جديدة لغرف العمليَّات.
شجَّعَ رحيل الممرضات المسنَّات إلى مشافٍ أُخرِّ، فلم يبقَ في مشفى بديغان إلَّا الممرضات الشَّابَّات يفضنَ جمالاً وبريقاً، حتَّى أنَّ إحداهنَّ فازت بمسابقةٍ وطنيَّةٍ للجمال، فزادت شهرة المشفى واللوز والسنديَّان.
تعامله مع الأطباء كان مثالاً يقتدى به، فلم يكلفهم بمهامَ محدَّدة، وترك ذلك لحسِّهم السليم، واتفاقهم على تقسيم العمل والوقت ، وأراحهم من الأعمال المجهدة، ولم يكلفهم إلَّا بما يحسنون القيَّام به من استقبالٍ للمرضى ووداعهم بوجهٍ باسمٍ، فتحركوا بسلاسةٍ في أقسام المشفى كبيادقَ بيد لاعب شطرنج حاذقٍ .
أمَّا هو فكان يجري لوحده كلَّ العمليَّات الجراحيَّة، والتداخلات على الأسنان، وتثبيت الكسور، وإنعاش مرضى الحالاتِ الحرجة، فأحبَّه الجميع وكسب الثقَّة لأعوام طوال.
مضت سنواتٌ ثلاثون، والحاج طاهر على رأس إدارة المشفى، تغيَّر كل شيءٍ في بديغان، فلم تعد تلك المدينة الوادعة التي وصلها ذات ربيعٍ أبيَّض.
نجاحات المدير تضاعفت، ورغبته لم تفتر بتطوير صرحه العالي، وتزويده بكل ما يلزم من أطباءَ شبابٍ أو أجهزةً حديثةً، لكن خريف طاهر كان قد اقترب.

دُهمَ المدير النشيط بمرضٍ غريب عجز عن تشخيصه، فقد فارقه النوم، ولم يعد يفرق بين نهار منير أو ليلٍ بهيمٍ.
بحث في كتبه القديمة التي طالما أسعفته في حلِّ أعقد المسائل، وأحضر كل كتابٍ جديدٍ فلم يجد ما يحلُّ به عقدة مرضه العجيب، جرَّب النوم على فراشٍ من زهور اللوز ، أو فيء السَّنديان فلم يجد الكرى إلى عينيه سبيلاً.
انقلبت ساعة الزمن في بديغان، وزمنها السعيد بدأ يقضم نفسه، وفي يوم عيد السَّنديان الذي جعل منها مقصداً للزوَّار، وصل المدير الساهد إلى مشفاه في الصباح الباكر كعادته دوماً ولكن هذه المرّة مريضاً ضعيفاً وليس مديراَ قادراً.
رقد طاهر في أفخم غرفةٍ في صرحه العالي، محاطاً بمحبة جميع من بقي فيه، لكن الحاج كان منهكاً من المرض، وجهه شاحبٌ كزعفران بديغان الذي عاد للظهور بين صخور البازلت بعد غياب طويل.
اسوَّد الدَّم في قلب الطبيب الحزين وشرايينه التي طالما ضخت الدماء وهي تجهد لإنقاذ الآخرين.
حاولت ممرضةٌ فائقة الجمال والتهذيب مساعدة مديرها المهاب، إلَّا أنَّ خبرتها كانت محدودةً جدَّاً، وجلُّ ما فعلته كان ابتسامةَ لطيفةً مغسولةً بدمعةٍ حزينةٍ.
اقترح طبيبٌ شابٌ تزويد المدير بإكسير الحياة، لكن الطامَّة الكبرى تجلت بأنَّ لا أحد سواه يعرف الأرقام السريَّة لجهاز التحكم الموجود في مكتب الإدارة.
فقد قدرته على الكلام، وآخرَ فرصةٍ لإنقاذ نفسه، بدأ الألم يغادر جسد الحاج طاهر فجأةً والأرض وما عليها تصغرشيئاً فشيئاً في ناظريه، وأغنيَّة حزينة ترنُّ في مسامعه تروي حكايَّة اللوز والسَّنديان عن مدينة جميلة كان اسمها بديغان.

فرنسا
26/12/2017

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فارس بلا جو اد

مع الاعتزاز بالمسلسل العربي “فارس بلا جواد” قصة:أسعد العزوني ذات يوم تناهى إلى مسامع “محمود …

2 تعليقان

  1. عصماء عبد الحميد

    السرد جميل والقصة مؤثرة ونهايتها حزينة…. تحياتي

  2. راني ميهوب

    قصة رائعة ومعبرة..وفقك الله د.فراس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *