الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | انفتاح القصة في” أصوات لم أسمعها “للمغربي محمد زهير

انفتاح القصة في” أصوات لم أسمعها “للمغربي محمد زهير

عبدالله المتقي

على سبيل التقديم: تعتبر القصة القصيرة فن القرن العشرين بامتياز لما لها من قدرة على الاقتصاد في التعبير ، والتغلغل في وجدان المتلقي ، والإنصات لنبض الواقع وإيقاعاته ، والقصة كما تقول الكاتبة الشيلية إيزابيل أليندي : ” يمكن مقارنتها بالسهم الذي يوجه إلى النقطة البيضاء ، فيحتاج إلى ضبط الاتجاه وإلى الدقة والسرعة ”
قصص المغربي محمد زهير من التجارب القصصية التي تفتح الأبواب مشرعة على واقع أكثر شساعة عبر اقتطاع طرف صغير منه ، ليصبح نافذة موسعة نرى من خلالها الواقع كل الواقع ، وتأتي مجموعته ” أصوات لا أسمعها ” والحائزة على جائزة الكتاب صنف السرديات لتنضاف إلى هذا التراكم الكمي والجمالي للقاص ذاته ، وللمشهد القصصي المغربي ، فهي تؤسس لمرحلة فارقة في مسيرة هذا الكاتب المغربي الذي انشغل بالكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي،
«أصوات لم أسمعها» ، صدرت عن دار النشر «المطبعة والوراقة الوطنية»،في طبعة أنيقة يزين غلافها لوحة للفنان محمد الصديق الراصفي. وجاءت في 116 صفحة من القطع المتوسط، وتضم بين دفتيها عشر قصص، وهي :«تنازع»، «شرفة على الماء»، «ألوان الطيف»، »الوليمة«، «خفق الغيم»، »أنوار الشموس«، »السفر«، »الرديفان«، »إيكاروس« و«أصوات لم أسمعها».
وفي نفس السياق ، يرى الباحث والناقد علي المتقي أن هذه المجموعة ” ليست وليدة اليوم أو السنة التي نشرت فيها، بل وليدة تجربة دامت أكثر من أربعين سنة بتجاربها المتراكمة، وخبرتها النقدية، وثقافتها الموسوعية.”
لذا ليس غريبا أن تفتح نصوص هذه المدونة القصصية حوارا جذابا مع الشعر والسرد والفنون التشكيلية والمسرح والنقد وفن الخط المغربي وحقول معرفية أخرى وفق إيقاع متشابك كما معزوفة سردية متناغمة .

في العنوان
يكشف العنوان ” أصوات لم أسمعها ” باعتباره عتبة أولى ، عن نية المجموعة وانحيازها الواضح للدهشة ، مما يولد لدى القارئ مجموعة من الأسئلة المقلقة والمستفزة إيجابيا من قبيل : كيف يمكن الحكي عن أصوات غير مسموعة ؟ هل هي أصوات حقيقية أم خيالية ؟ ثم هل ينبغي ويتطلب من السارد الحفر والنبش عن هذه الأصوات الغابرة كي يشاركنا الإنصات لذبذباتها وأغراضها ؟
هذه مجموعة أسئلة تتولد لدى المتلقي الكثير من الشوق والفضول لسماع هذه الأصوات المرموزة التي لا تسمع ، لكن هذا الفضول ريثما يفتر حين يكتشف أن المجموعة مكتظة بأمشاج من الأصوات القصصية المسموعة ومن الأصوات المدسوسة بين سطور القصص ، مما ” يوحي بأن المجموعة القصصية عبارة عن أصوات بعضها لم يسمعه الكاتب الذي يتقمص شخصية الراوي، وبعضها سمعه.” يستنج علي المتقي .
و يأتي دور المتلقي كي يستمتع وجدانه وفكره بهذه الأصوات الغابرة الظاهرة التي تتجدد حبالها الصوتية المتحولة والمسكونة بالرغبة في المعرفة والحياة ، في آن واحد .

مظاهر الانفتاح
بدءا، دعونا نتفق أن القصة القصيرة هي الجنس الأدبي الأكثر قابلية للانفتاح على باقي أشكال التعبير ، وعليه ، فمثلما عانقت مجموعة ” أصوات لم أسمعها ” مكابدات ومعاناة البسطاء وصراعهم اليومي من أجل البقاء ،فتحت أذرعها للحوار مع ا لتشكيل والشعر والرقص والخط والسينما والمسرح وغيرها من الأشكال التعبيرية ، مما جعل منها لوحات فنية تتعدد فيها الألوان ، وتتقاطع فيها الرؤى والأجناس الأدبية ، والأكثر منه أن بعض شخصياتها متورطة ومهووسة بل ممارسة لهذه الفنون وغارقة فيها ، كسليمان الراوي، جمال الخطاط ، محمود الشاعري، فاضل المطري، سعيد الطائي، خالد ألكتبي، و يوسف الطيفي

التشكيل
أول ما يلفت نظر القارئ بشكل بارز انفتاح القصة الأولى في المجموعة والموسومة ب ” تنازع ” هو التفاعل بين التشكيل/الألوان وبين القصة ” الأصباغ ، الألوان ، القماش ، تشكيلات ، اللوحة ، مقوسات ، الرسم ..” ، بحيث تستعير لغة القصة أدوات اللوحة ولغتها الجمالية. وهو ما يتجلى من خلال التوازي بين لغة القصة و لغة التشكيل .
علاوة على حضور الأبيض اللاحد له ، نقرأ في نفس القصة ” تابعت ” إلهام” تكاوينها الباهرة على مساحة السند الأبيض الكبير ، المفتوح على احتمالات لا نهائية ” ص 11
نفس اللون الأبيض يرتبط برمزية ووظيفة مزدوجة تتجلى في الغموض والضبابية ” اتكأت على الجدار لحظة ، قبل أن ألتفت الى الخلف ، لأفاجأ بالهام هناك ، وسط ضباب أبيض ، لا يتيح لي مشاهدتها بوضوح ” ، كما تتجلى في الشفافية و البراءة و التعبير الصادق النابع من عمق الذات ” اصغ الى إلى السند وإلى اللون ، كما تصغي الى نبضك .. خاطبتني ” إلهام” ثانية ..وأصغيت .. فراعني البياض وراعتني الألوان ..” ص 17
بذلك يهب التشكيل الوجود ويهب الحياة ” تضع برأس السبابة نقطة أولى كالنطفة …. ثم تشكل تقاطعات وتداخلات كالأمشاج ، من رحمها تخرج كائنات على هيئة أجنحة تطير أسرابا ملونة ، في حقل مترع بسمفونية التكاوين اللونية المدهشة . ”
أقول اختصارا ، إن اختيار القاص للتشكيل ينم عن ثقافة بصرية وفنية واسعة ، والأجمل منه ، محو تلك الحدود الجمركية والفاصلة بين القصة والتشكيل ، حيث أمست القصة تنطق ألوانا وخطوطا وصباغة وأقمشة ,

المحكي الشعري
في هذه المجموعة القصصية، يتقاطع السرد مع الشعر، ثم إن هذا الاختيار يساهم في صنع شاعرية وشعرية هذا الجنس، من خلال البحث عن أسلوب تعبيري سلس يساهم في تأطير النصوص، ضمن رغبة الكاتب في جعل النص القصير نصا للاستماع أكثر منه للقراءة.
هكذا ، يتسرب الشعر إلى النص القصصي في المجموعة ، سواء كان هذا الشعر ينتمي إلى الشعرية القديمة كما في قصة ” أنوار الشموس ” الصفحة 77: ”
بأبي من وددته فافترقنا وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فافترقنا حولا فلما التقينا كان تسليمه علي وداعا
أو إلى الشعرية الحديثة كما في قصة “ايكاروس” ، ” وقلت لي : اسمع ما سأقرأ ، وقرأت :
في حروفي نقط حذف كثيرة …
لسان اللهب يضاعف نقط الحذف فيها ..
كاحتراق اللقاء واحتراق الفراق ” ص100
بيد أن الجديد في هذا الحضور للشعر في قصص محمد زهير لا يكتفي بالتسلل إلى تفاصيل السرد بل نجد الشخصية المحورية مهووسة بالقراءة والكتابة ، نقرأ في ص 98
” جاذبته في ليلة مطيرة أطراف الحديث عن الشعر ، فانفتحت نفسه وأخبرني أن له ديوانا سماه ” رماد الحبر” سألته قرءاته ، فقال لي : هو طوع يدك ، وأشار إلى الوعاء النحاسي الملموم على الرماد”
إن من شأن هذا الحضور للشعر في قصص المجموعة ، شعرنة السرد و تنويعه بتكسير الثابت والمتداول الذي قد يبث نوعا من الرتابة والملل لدى المتلقي ، وبذلك يكون هذا الزواج الأبيض بين السرد والشعر تحريك وتنشيط لفعل القراءة ، وصورة لألوان القصة وخصوبة ذاكرتها .

السينما
وكما أشرنا سابقا ، فإن القصة القصيرة قد دخلها تطور كبير ، بحيث بدأت تستفيد حديثا من الأجناس الأدبية الأخرى. فأصبح النص القصصي نصاً قابلاً للتلاقح مع عدة فنون أخرى،
ومن مميزات قصص هذه المجموعة الحديثة الاعتماد تقنية التقطيع حيث يقدم لنا القاص عمله القصصي من خلال لقطة أو لقطات، كما في قصة ” ألوان الطيف ، من خلال توزيعها إلى مشاهد ” الراوي في المرة الأولى ، البحر ، عباد الشمس ، الشمس ، الراوي مرة أخرى ، إشارة مفتوحة” ونفس التقنية تعتمدها قصة ” أنوار الشموس” من خلال تقطيعها إلى لقطات أو بالأحرى إلى مجريات ثلاث ، مستعيناً بأساليب التقنية السينمائية والتلفزيونية ما يسمى «بالمزج» ، بشكل تدريجي بهدف تعميق الحدث، والإلمام بجوانبه، وأيضاً هنالك اللقطة الوامضة Cutting ونعني به انتقال الصورة أو المشهد انتقالاً مفاجئاً ،
بغية الإلمام بجوانب الحدث.
وبذلك يدخل القاص بقصصه التركيبية تقنية كتابة المقاطع السردية ، ثم العمل على إعادة تركيبها تركيبها وفق حبكة محكمة تذكرنا بصناعة الأفلام السينمائية ، وهي تصوير عدد من المشاهد ثم اختبارها على طاولة المونتاج.

على سبيل الختم
إن المتتبع للتجربة القصصية لمحمد زهير يثير انتباهه هذا السفر الدائم في التجديد وسقي عوالمه السردية في كؤوس جديدة ، فقصصه دوما مسكون بالمغامرة وتجديد جلدها وبعث الحياة فيها سواء على مستوى الفضاءات وتنويع الموضوعات ،وهذا يجعلها تجربة تشتغل بذكاء ، بل صدرا مفتوحا على مصراعيه في وجه كثير من الفنون ، مما رشحها عن جدارة في أن تقدم للمشهد القصصي المغربي تجربة ثرية تنم عن خلفية قصصبة خصبة .

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قراءة في رواية: لعبة المرايا

الدكتور عبدالله المعقول “جراء” مؤلف للكاتب المغربي المصطفى غزلاني (ط1،منشورات عكاظ،2015). يفهم من وجه الغلاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *