ثقافة السرد

سُـبُلُ الصيْـف

​​​​​​​
عاطف سـليمان

انتبَهَ لمرورهما؛ امرأةٌ شقراء تتهادى برفقةِ رجل. بدا أنهما زوجان حسبَ قرينةٍ صائبةٍ تَسِمُ المتزوجين فحواها – فتورٌ لطيفٌ، ظاهري. فتورٌ ضروريٌّ يعني الألفة.
تهاديا بالقرب منه على رصيف حوض السباحة، هو يلبس الـ شورت والـ تي شيرت، وهي ارتدتْ ثوباً قُرنفلياً قصيراً بحمَّالات.
بعد نظرةٍ منه إليها امتدتْ يدُه لتشغيل آلة التصوير، فالمرأة جسيمة تستحقُ أُخوَّةَ مصارعي السومو ببدنها الذي لا يُحاط به وإنْ كان – للحق – لم يؤذِ هيأتَها العاطفية ولا أنوثتَها المتفشِّية تحت نورِ الصيْف.
تراجعَ عن تصويرها بسبب خجله وتردده، ولكنه اختلق سبباً آخرَ وجيهاً ما هو إلَّا تكهُّنه باستشعاريتها الفائقة تجاه أيِّ أحدٍ يعتبرها محضَ امرأةٍ تنطوي على طُرفة.
بعد وهلةٍ صار ظهراهُما تجاهه وشَهدَ أنهما متوائمان، غير مكترثين بالتواؤم. ورأى أن شعرها الثقيل وإيماءات رأسها يوحيان بامرأةٍ مرحة. وبالنظر إلى طلاوة خطواتها حَزَرَ أنها سعتْ وراء جسامتها وطالتها بالإرادة، وبالاختيار.
انقضتْ ساعاتُ الظهيرة، وفي الموعد المسائي، كالمعتاد، استعدَّ لاستقبال مرضاه في العيادة المجاورة لمركز الغطس والمطعم الإيطالي، وفي لحظةٍ دقَّا الباب ودخلا. شُدِهَ بل ارتعبَ كما لو أن خاطراً خيالياً قد تجسَّد فجأة. وبسبب وَجَلِهما وهدوئهما تماسكَ مُمتناً لِعُدوله عن التقاط الصورة في الظهيرة. قابلهما وكأنه يقابل كل يوم العشرات من أمثالهما، ورحَّبَ بها كما يحلو له أن يرحِّب بامرأةٍ في الثلاثين لها وجه مطمئن لا تشوبه تجعيدة، وبدا له زوجها عاشقاً راضياً يتيهُ بالمخلوقة الجبَّارة التي معه ومُفْلِتاً الانطباعَ بأنها تعدَّتْ كوْنَها رفيقتَه إلى كوْنِها إحدى صفاته. جلستْ هي أمام مكتبه، وجلس رفيقُها على بُعد مقعديْن، وطفرَ عطرٌ طفيف.
قالا له إنها تشكوَ من الكحَّة.
الكحَّة فحسب هي شكواهما، فاستفسرَ منها ما إذا كانت الكحّة جافة أم مصحوبة بالبلغم.
فجاوبته كاذبةً:
– جافة.
سألها عن التدخين، فردَّتْ بعينين مفتوحتين:
– مُدخِّنة.
ما ضَيرُهُ إنْ أرادَ إطالةَ الزيارة دقائق أخرى إذْ خمَّنَ قدرتَها على إدماجه في هواها لو أنه عَلِقَ أو أنها عزمتْ. طلبَ منها التهيُّؤ ليفحصَ صدرَها، فأذعنتْ على مضضٍ وهي تبرطم حتى إنها لم تستلقِ على سرير الكشف وإنما اتكأت جالسةً عليه لا تفعل سوى النظر إلى رفيقها الذي جلس بعيداً ولا يفعل سوى النظر إليها. نقَّلَ سمَّاعته على صدرها، فوق ثوبها، مستغرقاً عنها، واجماً، ومحترساً، يبتغي على نحوٍ ما أن يفحمها، وأسعفه في ذلك ما كان قد لَحَظَهُ من كذبها، فقررَ:
– الكحة، يقيناً، ليست جافة!
بيَّنَ جدوى الفحص، وأمَّنَ زوجُها على منطوق حُكْمِهِ بتشويحةٍ مؤيِّدة، وأفلتَ له نظرةَ رضا ربما كَمَنَ فيها حسدٌ، وانبرى الرفيقُ يتظلَّم من رفيقته ويحدُبُ عليها:
– فيضٌ. فيضُ مخاط، وفي كل صباح ترمي الكثيرَ منه.
عندئذٍ حازَ الطبيبُ استحقاقَه مداعبةَ زائرته بعد ما استخلص من بدنها بُرهانَه، فنَقَرَ لها بسبابته لكي تسلِّمه علبةَ سجائرها، فسلَّمته إياها بالتثاقل ذاته، فاطنةً لِما سيقوله، وما إن أعلنها بأنه صادرها لصالحه حتى ناصَرَه رفيقُها الذي راقه أن يعاندها بكياسة. أمَّا هي فتعالتْ على دعابته وبرهانه، وما كان منها إلا أن مدَّت يدها لتلتقطَ علبتَها ولتقفل الموضوعَ وهي تسأله متلطِّفةً ووجهها مُسَدَّد نحو جبينه:
– هل لديكَ إذاً دواء للكحة؟
أعطاها زجاجةً، وأومأَ رفيقُها له، راسماً نصفَ دائرة في الهواء، ملتمساً أن يعود بالنقود فيما بعد.
في الليلة التالية دقَّ تليفون الطبيب وقت الفجر، وأخبره الرجل أن «أجيا – نورا» تكابد أزمةً تنفسيّةً حادة، فطلب منه التوجُّه بها على الفور إلى العيادة، وسبقهما إلى حيث جهَّزَ أسطوانةَ الأوكسجين وما قد تحتاجه من حُقن. بعد دقيقة كانا حاضريْن، وبادرته هي بالقول – لاهثةً – أن الأوكسجين كافٍ بالنسبة لحالتها.
وفيما كانت قابعةً تستنشقُ أوكسجينَها بنهمٍ وحبورٍ، وترنو إلى رفيقها كمنْ تخلطه بأنفاسها، استيقن الطبيبُ أن رابطتهما العاطفية لا يمكن اخترامها، لا لأنها متوقدة وعميقة جداً، ولا لأنها متناسبة ومتوافقة للغاية، بل لأنها معقدة بما لا يُقاس، وخطر له كذلك أن أجيا – نورا إنْ كانت اختارت لبدنها ضخامته فقد انتقتْ له أيضاً مرضَه. مع كل تنفسٍ كانوا، ثلاثتهم، يشعرون بتحسنٍ، وبدت له اختياراتها ناجعة، فأزمات التنفس التي تحيقُ بها باتتْ تسري وتسيحُ في تعقيدات فردوسهما مثل عصارة نباتٍ أخضر تصَّاعدُ، وتزيِّقُ.
سأله:
– هل تتكرر نوباتُ الأزمة على فترات متقاربة؟
فأجابه بتعبيرات وجهه ويديه أكثر من الكلام، وكأنه يخشى أن يُزيلَ الكلامُ نعمةً:
– ليس كثيرا.
سألها:
– أولُ أزمة، حدثت قبل أم بعد تعارفكما؟
حذقتْ سؤاله وتباسمتْ، ورآها تركِّز نظرها على رفيقها طويلاً قبل أن تجيبه كاذبةً أيضاً:
– قبل.
* * *
في غضون يومين سيلمحُها على البُعد؛ لوحدِها تحت شمس الغروب، رابضةً في روعةٍ وفي رخاوةٍ على الحصى الناعم أسفل الجبل، تغمرُها مياهُ البحر وتنحسرُ عنها فتزدهي سُمرتُها وتحزُّ في النفس. لوحدها، تتداولُ سنارةَ صيْد سمك وتُداري – على الأرجح – كوْنَها تترقبُ، بتعزُّزٍ، قدومَ الدرفيل الذي أُشيعَ أنه يتجوَّل ويلهو، وإذْ يتجوَّل ويلهو يتفقَّدُ أرتالَ السابحات والغاطسات والمضطجعات لِصق حواف الشواطئ، يستعرضهن ويماحكهن، يلاعبهن ويتمادى في إبداءِ تودده الحسيِّ والجريء نحو واحدتهن التي تروقه لَكأنما يقيمُ تحكيمَ عشيات فاجعة طروادة، ويضاهيه.
تلوَّحتْ أجيا – نورا وربضتْ. وسيجدُ الطبيبُ نفسَه، على الرغم منه، وقد اختلبتْهُ أكاذيبُها الركيكة المغويّة بالذات، يتلصصُ عليها متوسِّلاً حيلةً مثل حيلتها، حتى إن الذين سيرونَهُ طيلة ما بعد الأصيل الحار سيخالونَهُ يتريَّضُ بورعٍ حذو الساحل، رانياً ليس إلا صوبَ الجبال والبواخر الـمُغبَّشة بالشفق والبخْر، ولا علم عنده بأن لو صدق وكانت أجيا – نورا تتسترُ وتترقبُ تحكيمَ درفيلٍ فسيتوِّجُهَا هي التي – وبوازع الكذب لا غير – ستتمنَّعُ عليه ولن تسبح معه وإنما ستفتنه وترتهنه في لُجتِهِ ولا تُراوِحُ حتى مضجعَها على الحصى لتهُشَّ له.
في الليلة ذاتها، وعبر التليفون، ميَّز صوتَها:
– أَيمكنكَ المجيء إلىَّ؟ في غرفتي، أرجو …
شظيةٌ من زجاجٍ غارتْ في باطن قدمها اليمنى إثر انزلاق قنينة وتحطُّمها وانتثارها. أَلحَّ على أن تحاول هي الانتقال إلى العيادة شارحاً أن استئصال شظيةٍ من لحمٍ يظلُ عملاً مراوغاً لا تُضمن سهولتُه، ويستلزمُ مصدر ضوءٍ نفَّاذ وأدواتٍ لا يسعه الوثوقُ بأنه لن يعوزَ سواها، وغيره وغيره، فسكتتْ يأساً، ثم غالبتْ ترددها وأفادت بأنها ما عاد بمقدورها أن تدوسَ بقدمها الأرضَ.
لقد فُوجئتْ بحنقِهِ عليها حتى ليُظَنُّ أنه حَادَثَهَا وهو يعتبرها قد تلاعبتْ فعلاً بقاضيها ومُتوِّجِها المزعوم. وعلى أية حال، ذهب إليها ومعه حقيبة عبَّأَهَا بكل شيء توقَّعَ الاحتياجَ إليه. بإيماءةٍ حسنةٍ أفسحتْ له وأدخلته وتلكأتْ حتى يسبقها وتتوارى خلفه فلا يراها وهي عائدة تحجل على قدمٍ، وحين انتبه ومدَّ يداً أعطته يدَها دونما غضاضة، وأتمت سعيَها وهي لا تكاد تتسنَّد فعلياً عليه، وأخيراً ارتمتْ جالسةً على السرير وأشعلتْ بأريحية سيجارتين له ولها، وذكرت أن «سقراط» بقى بالحديقة بعد العشاء للتمتُّعِ بسهرة الرقص الشرقيِّ، وأنها صعدت بدونه لبعض أمورها على أن تلحق به بعد، ثم كان ما كان.
جلس الطبيبُ على السرير المقابل، وخايلتْهُ على يساره لوحةٌ قماشية بمقاس الحائط الأمامي مترعةٌ بجُسيمات تضْوِي، وحَسَبَ أن صاحبتها – وقد تولَّعتْ بها – أرفقتها بمتاعها لتعلِّقها على أي حائطٍ تنام قُبالته، وفي مغبة صمتهما انكبَّتْ أجيا – نورا، باستغراقِ عابدةٍ، على مطفأة السجائر، ممسكةً بها بينهما، وفهمَ أنها تضايفه بكرمٍ مستتر ولا نظير لرهافته. وللوقتِ نَجَمَ العطرُ الطفيف وتحققَ شذاهُ وانجلبتْ ذكرياتٌ لا قِبلَ له بها، وهي ساهمة في ملابساتٍ لا يدريها ولكنه يشفق عليها منها ويريدها أن تتعزَّى، ولقد هَمَّ للإسهام في التعزية بإفشاءِ أنه كاد يصوِّب تجاهها آلةَ التصوير ذات ظهيرة منذ يومين ونصف، غير أنه خُيِّل إليه سماعُهَا تتداركُ بأن الشظيةَ نفيسةٌ، وتكررُ له: اِبقَ حريصاً وهاتها سليمة! هذه الوصية التي سمعها أنضبته فزمَّ شفتيْه. اتصلَ سقراطُ فأنبأته بالموجزِ وطمأنته أنها على ما يُرام وأن الطبيب عندها. وبينما بدأ الطبيبُ يـُخرِج أدواته ويجهِّزها لاحظَ أنها كوَّمتْ كلَّ أباجورات الغرفة ورتبتها على الكوميدينو الذي يحُدُّ السريرين لتتيحَ له أفضلَ إضاءة، وتخيَّلها تلهثُ وتنطُّ على ساقٍ واحدة أو تحبو على يديها وركبتيها لتُنهي معروفَهَا قبل مجيئه، وبادَرَته لكي تعفيه من التأثر: لا عليك، فلا تزال الإضاءةُ خرقاء.
لم يبدُ متاحاً إلَّا وضع واحد مؤداه أن تستلقي هي بظهرها على عرض السرير مرتكزةً على كفيْها أو كوعيْها ويحتفظَ هو بجلسته على حافة السرير الآخر ويأخذَ قدمَها فوق ركبته ويباشرَ محاولتَه إخراج قطعة الزجاج، وبدا أنها تمعَّنت في الأمر منذ المبتدأ وأنها، صابرةً، انتظرت توصُّلَه إلى الحتمية ذاتها تفادياً للحرج. أخذَ قدمَها اللدنة واللطيفة – مثل يدها – وعاينَ موضعَ الإصابة، ومن ثم التقطَ الشظيةَ وتمكَّنَ منها وحرصَ عليها وسحبَها ببطءٍ، وإبان سحْبِ الشظيةِ البرَّاقة المستطيلة توترت أجيا – نورا، وشهقت من أقصاها إلى أقصاها شهقةً ملآنةً انطرحَ هو من جرَّائها على سريره ليتمطى ويتفادى؛ يُمناهُ على أدواته مُلقاة ويُسراهُ مُدلاة في الفراغ وتنبضُ مثل قلبٍ في احتشاء. وفي طرفة عين، ودون أن تبالي المصابةُ باتساخِ جرحها، قامت وأقامته، واستخلصتْ من يده شظيتَها وطوتْ عليها إصبعيْها، ومثل دُبةٍ احتضنته حتى تغلغلَ وجهُهُ بين نهديْها، وسَحَّ فخذاها سخونةَ أنثى الإنسان، وتنفستْ بطنُها مراتٍ، وتشعشعَ العبيرُ الشهيُّ لعنبرِ الدُّبةِ وعَرقها، وثوى هو في حضنها هيَّاباً لا يفقه ما إذا كان يُعاقب أم يُثاب، واستنشقَ هواءَها وتشبثَ ببدنها يدغدغ ما يطاله على غير بيِّنةٍ، إلى أن دقَّ سقراطُ البابَ ودخلَ وفككتْ أجيا – نورا حضنَها برحمةٍ وبرفقٍ ألهماه لأيِّ سببٍ كان قد ضَمَنَ لها تتويجَ الدرفيل، وحيَّاهُ سقراطُ وحيَّاها: هيه .. هيه، وتنهَّدتْ أجيا – نورا، وأرته الشظيةَ ككنـزٍ أو كطفلٍ ولدتْه في غيبته، ثم رشقتها في اللوحة القماشية، وجلستْ تطهِّر الجرحَ ببراعةٍ مستخدمةً أدواتِ الطبيب الذي مكث معهما ريثما يلملم محتوياتِ حقيبته، وحين تأهبَ للانصراف أظهرا له ودَّهما متضامنيْن بحيث تسنّى لثلاثتهم، مرةً أخرى، التشهُّدُ بأن حضنها الحامي كان مُنـزَّهاً؛ كان بمثابة مصافحة حرَّى.
* * *
في المساءات وفي الأسحار لحقته نداءاتٌ منها واستدعاءاتٌ مُحلَّاةٌ بكذباتٍ ليأتيها وينتزع، مرةً بعد مرةٍ، شظاياها فتتلقاها منه وتشبكها في اللوحة، ويُعيدُ سقراطُ – على الأرجح – غمْدَ غيرِهَا في خريطة البدن الحي وِفق علةٍ مسكوكةٍ عليهما حتى ارتحلا بعد عدة أيام دون أن يُشعراه، ودَهَمَهُ ما يَدْهَمُ مُحارِباً زالتْ حربُه، واستفاق على أنه ما اقتنصَ صورتَها حين عنَّت له، وما أبانَ لها وجودَه لـمَّا اختلَتْ هنالك تتسلى بملكوتها على الحصى، وما سحقَ بأداته أيةَ شظية حتى يُسفرَ الأمرُ عمَّا وراءه.
تعفَّفَ عن الاستعانة بمطالعة بياناتها المدوَّنة في السجلات كابحاً فضوله، ومزمعاً على إخضاع نفسه لمعايشة ما عاشه على مدى مقامها منذ مرقتْ بجواره مثل فيلٍ في ظهيرة حتى اللحظة التي غَدتْ وداعهما والتي قالت له فيها – عرضاً – بينما هما في غِمارِ حُضنِ الدبةِ وقد ارتأتْ أن تجاهِرَهُ بما ترتجي أو لعلها كانت لا تني تكذب:
– إنكَ لن تبوحَ بي. أَليس كذلك!

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق