الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | رواية (عذبة) الجزء 6

رواية (عذبة) الجزء 6

صبحي فحماوي

في سكون الفجر الصامت، وقبل تبدد الظلام، هجموا على قرية (دير ياسين)، جيش منظم، بزّات عسكرية، وعصابات مدرّبة، بقيادة منحيم بيغن لعصابة الإرغون تسفاي لئومي، وعصابتي شتيرن، والهاجاناة، فحاصروها من جميع الجهات، قرية مسالمة نائمة – يا غافل الك الله! – وراحت أحذية المجندين الغليظة تخلع أبواب البيوت الريفية الخشبية التقليدية الواهنة، ومواسير البنادق الرشاشة، تطلق زخات الرصاص أينما تشاهد حركة، أو تململ نائم لمعرفة ما يجري، أو قفزة صاحب بيت لحماية أطفاله وزوجته، أو استعداد شاب للمقاومة.. طُررررررررررررر فقتلوا كل رجالها وأطفالها الغافلين المسالمين، وجمعوا النساء في وسط البلد، وعرّوا الصبايا من ملابسهن، كما خلقتني يا ربي! وعند جدار في دير ياسين، جمعوا الحوامل منهن، وأمروهن تحت تهديد البنادق بالتعري التام! وكانوا يتباحثون، ويتغزلون بهن بهدوء، وبأحاسيس جمالية، ونظرات فنية، وتقييم نفسي فلسفي واجتماعي. كان القائد يُعلِّمهم التصرف بهدوء مع الضحية.. “لا تتشنج ضد الضحية” .. “لا تغضب عليهم “”لا تفرح معهم”.. “لا تتفاعل معهم”..” لا تزعل منهم “.”لا تحقد عليهم “.”لا تشتمهم “.”لا تتعاطف معهم ” “لا تفتح معهم حواراً”..”تصرف بهدوء وببساطة” ! “لا تلتفت ولا تحدق في مشهد القتل، فالقتل حقيقة كالشمس، ولكن من يحدق في الشمس، يصاب بالعمى”! هكذا كان قائدهم يعلمهم، فيمتثلون لتعاليمه!”
اقتلوهم ببراءة، تماماً كما تذبحون خروفاً باسم الله! اذبحوهم باسم الرب، الرب أباح لنا هذه الأرض، وكل ما عليها، والرب أباح لنا هذا الذبح ! صحيح إنهم أرواح، ولكن مثل أرواح الخراف المخصصة للذبح! والتي لا يجوز دينياً أن نقول: ذبح الخروف حرام! وحلّلنا لكم..” ولذلك كان المجندون يتصرفون بهدوء، وكأنهم لم يشاهدوا شيئا من هول الموقف! “هذه المُعرّاة إلى جواري، عيناها سوداوان، رائعتا الجمال”! يقول مجند نحيل الجسد .” وتلك الحامل” .يضيف زميله السمين مثل ثور هائج “بطنها مكوّر ، فيه إثارة جنسية”! “وهذه” .يضيف ولد ضاحك. “فخذاها ممتلئان”! ويشير مقاتل أشيب الشعر بسونكي بندقيته الرشاشة نحو إحدى المعرّيات قائلاً:” وتلك.. اليتها مربربة”! فيضحك مقاتل أصلع، تهتز حول أذنيه شعيرات شقراء طويلة وهو يقول:” وهذه التي تخفي بيديها، حلمتي نهديها وفرجها، يبدو أنها قد نتفت شعرعانتها هذه الليلة “! كان كلٌّ منهم يتحدث لزميله بهدوء، ويتضاحكون بأصوات عالية، ليبددوا رهبة الموقف ! “ماذا سنفعل بهن”؟ سأل أحد المغاوير.
“خيراً، أخت كريمة! وابنة أخ كريم”! قال القائد، وهو طويل نحيل الجسم، يلبس نظارات طبية، مقطب الجبين، ساخط على الدنيا كلها، وكأنه يحمل بين حاجبيه كل كبت يهود العالم، منذ ثلاثة آلآف عام ونيِّف، ويلبس زي الكاكي العسكري!
“ماذا تقصد”؟ سأله أحد المجندين..
“ابقروا بطونهن”، أجاب القائد، “كي لا يلدن أولاداً أو بناتاً، فيعلمن أولادهن الانتقام لمجزرة دير ياسين أوغيرها”! امتثل المساعد لأوامره قائلاً:
” حاضر سيدي” ! هكذا كانت الأوامر! تقدّم أحدهم، فبقر بطن واحدة منهن بسونكي بندقيتة، وهم يتراهنون على جنّينها بدم بارد! ” أنا أقول: إن الذي سيطلع من بطن هذه الشابة الجميلة، ذات الخدود الزهرية ولد “!
كان الرعب من قبل المعتقلات، والفزع والصراخ، والذهول والمقاومة بالأظافر، والمهاجمة بالأيدي، لاتقاء سونكي البارودة التي تبقر بطن إحدى الحوامل منهن، والتي وقعت أرضاً تحت سنابكهم! وكان الرجاء، والبكاء، والصراخ، ورفع الأيدي إلى الله! ولكن يبدو أن الله.. ! هكذا كانوا يتصرفون بمزاج رائق:
” أنا أقول: ستطلع بنتاً” يتوقف المجند عن بقر بطنها، ويتابع مراهنته: “وإذا كان الذي سيطلع من بطنها ولداً، فماذا ستدفع يا غبي”؟ يتضاحك المجند الآخر، وهو يراهن زميله :
“إذا كان ولداً يا مغفل فسوف تربح دوراً آخر، سنعطيك الفرصة لافتتاح بطن امرأة أخرى من هؤلاء الجميلات العاريات، الملتصقات بالحائط”. فيجيب الزميل السئم:
“لقد كرهت الافتتاح! أنا رفضت الزواج من خطيبتي حنة، لأنها كانت غير مفتتحة، قلت في نفسي: لو كان فيها خير، لما بقيت عذراء حتى هذا العمر”. يضحك الأصلع وهو يسأله:
“كم كان عمر خطيبتك حنة “؟ فيجيب خطيب حنة بسأم:”عشرون سنة.”
يتابع الزميل بأسئلته، لقضاء الوقت، بينما الوحوش تبقر بطون نساء القرية المنزوية بين الجبال “هل كانت جميلة” ؟ فيجيب المدجج بالسلاح ببراءة: كانت من عصابة الهاجاناة! وعندما كان أحدهم يحزر، ويكسب الرهان، وتفوح رائحة الدماء والبول من الجنين المنبلج، ومن النساء اللواتي، كانوا يتصايحون مبتهجين متفاخرين بأن الذي كسب الرهان كان ذكياً! ومن كان يخسر الرِّهان، كانوا يبهدلونه مازحين: ” طول عمرك فاشل “! فيجيب الفاشل بكسوف:
” أنا لست غبياً مثلك “! فيرد عليه شاب أسمر يقف في حالة تحفُّز:
“لقد خسرت الرهان لأنك كنت أحول وعيناك تتناكحان!” ويقول مجند كَثُّ الشعر، حليق الذقن والشوارب، وهو يؤشر ببندقيته:
“أنت لا تعرف كيف تفتح علبة سردين، فكيف يوكلونك بفتح بطن امرأة حامل”؟ وقال مدجج آخر، وجهه مسوّد بأصباغ:
“تعتقد نفسك طبيب نسائي يا م..”! واستمرت اللعبة، فبعضهم كان يطالب بحقه في أن يُجرِّب حظه في المرأة الأخرى، ينحر بطنها المدوّر بالسونكي ، بينما هي تسقط أرضاً، فيسيطر على ذبيحته، ويتابع مهمته بالوقوف فوقها، ليبقر بطنها، ويخرج جنينها، مُغلّفاً بغشاء المشيمة، المخضب بالدماء، بينما رفاقه يتجمهرون حول الذبيحة، يدخنون سجائر تبغ الثلاث خمسات، ويعلكون اللبان بتكاسل، ويترقبون ويتفحصون ويتجمّعون ويتضاحكون، ويتأكدون فيما إذا كان عضو الجنين مذكراً أم مؤنثاً. وبعد انتهاء لعب القمار، في تلك الساحة الحمراء، المشبعة بروائح الدماء البولية والبرازية، حملوا العذارى، وغير الحوامل منهن عرايا، في شاحنات مكشوفة بشكل جماعي، وأخذوهن في جولة سياحية، ليحتفلوا بانتصاراتهم عليهن، في الشوارع المحتلة من القدس الغربية.” من حديث أبي هذا، لم أفهم الدوافع النفسية، والفلسفة التي سيورثونها للتاريخ، من مثل تلك الاحتفالات الصهيونية، بانتصار عدّة جيوش قادمة من الحرب العالمية الثانية، على أهالي قرية صغيرة قابعة وراء الغيمات، آمنة حالمة مغدورة، ليس لها وليُّ أمر، ولا جيش، ولا حتى خفيرُ مختار مسلّح، سوى حكومة انتداب بريطانيا العظمى المانعة للحمل !
وفي الشاحنات المكشوفة، كانت الصبايا المصابات بالهستيريا الجماعية، يتقافزن من الشاحنة المنطلقة بسرعة قصوى، كل واحدة منهن تلحق بأختها، كي يمتن طاهرات، فلا يشاهدن ذلك العار الذي ما بعده عار! كان الموت قفزاً على الطرقات، أرحم من عرض الذُلِّ والهوان في شوارع القدس الغربية!
خاف الفلسطينيون العُزل، والممنوعون من حمل الأسلحة، وهوجمت بيوتهم في حيفا ويافا وعكا، ودُحرِجت فوق طرقات حيفا الكرملية براميل كبيرة مملوءة بالمتفجرات، انطلاقاً من أعلى هدار حيفا، لتنفجر في منطقة “معبد عباس”، فتُشَعِّبُ الصراع في مدينة موحدة. وانتشرت العصابات المسلحة بأحدث الأسلحة، فاحتلت كل المواقع، وكانوا كلما احتلوا قرية أو مدينة، قتلوا شبابها، وأمروا من بقي من كبارالسن أن يدمروا بيوتهم بأيديهم، ثم يفتحون لهم الطريق من جهة واحدة، ليهربوا باتجاه الولايات العربية.
عندما زُجّ المعتقلون يا عذبة من أبناء أم الزينات لهدم بيوتهم بأيديهم، والأتربة تنهال، والغبار يتصاعد، والكون يتهشّم بيد صانعيه، وتحت محاصرة ضباط وجنود الكتيبة الرابعة من لواء غولاني، قال لهم أبو الشوارب، وهو مأمور أن يحمل فأساً، ليهدم به بيته:
” يلعن أبو هيك حياة”! وهل نستطيع العيش بعد أن نهدم بيوتنا بأيدينا! وصرخ وهو يحمل فأساً فوق بيته، قائلا لأفراد العصابة الواقفين أمامه، ببنادقهم الرشاشة: ” لن أستطيع الاستمرار في هكذا عمل! طخوني”! وفوراً، ودون تشاور مع أحد، طخّه أحد المجندين! فسقط شهيداً من فوق سطح بيته.
هكذا كان الرجال يموتون طَخّاً! ومن ينفذ بجلده، يهرب باتجاه العرب في الشمال والشرق والجنوب، وإلا فليرمِ نفسه في البحر! ولكن العجوز الحاج عبد القادر كبير البلد، وابن الثمانين، بقي جالساً داخل بيته، ولم يخرج لمقاتلة جيش مؤهل لاحتلال الوطن العربي كله، ولم يهرب خارج بلاده، اقتحم مجندو غولاني بيت الحاج عبد القادر، كبير البلد، فوجدوه كهلاً كبيراً، يجلس صامتاً داخل بيته. قال لهم وهم يشهرون بنادقهم في وجهه: “تفضلوا استريحوا، اجلسوا”. فقال المجنّد بكل صلف:” تفضل أنت اطلع من البيت “. فسأله الحاج مستنكراً:” إلى أين”؟
” إلى بلاد العرب.”
مسكه المجنّد وجرَّه من كتفه خارج بيته، فوقف الحاج عبد القادر ممسكا متشبثا بباب بيته، المنقوش على حجر عقده العلوي بيت من الشعر يقول:
“ألا يا دار لا يدخلك شر ولا يعبث بصاحبك الزمان
فنِعم الدار أنت لكل ضيف وملأشرار أنت الصولجان”.
ولكن الضابط غولاني لاطفه قائلاً:” لا نريدك أن تهدم بيتك بيدك، لأنك رجل عجوز، نحن نهدمه بجرافاتنا، فقط اهرب من هنا، قبل أن تُقتل “! فرفض الحاج قائلاً له:” أعرف أنه لم يبق رجل مقاوم في هذه القرية، بعد أن قتلتم من قُتل، وخرج من نفذ بجلده، وأعرف أنني سأموت الآن ببنادقكم الجبانة، لكنني أُفضِّل الموت على أعتاب بيتي، على مغادرة أرضي ووطني! ما باليد حيلة! أنا ابن الثمانين، لم يبق لي من العمر أعيشه لاجئا خارج مملكتي أم الزينات. أريد أن أعيش باقي عمري، أو أموت هنا! فالموت هنا، أرحم من الذل والهوان في حياة اللاجئين خارج الوطن ” !
لم يفهم مقاتل غولاني ما قاله الحاج عبد القادر، ولم يفهم أنه كبير البلد، وأغنى رجل في القرية، وأن له حوالي نصف أراضيها، وأنه هو الذي قاد حملة التبرع لبناء المدرسة الابتدائية، بالتعاون مع القادرين من أبناء البلد، وهو الذي دفع تكاليف تعبيد الشارع الرئيس، المؤدي إلى وسط البلد، وبنى عيادة صحية، ووظف بها ممرضاً دائما، يقوم وينام في العيادة، ويزوره طبيب من حيفا مرة واحدة في الأسبوع، ليفحص كل مرضى القرية، على حساب الحاج ، والقادرين من أهل البلد، وأنه حفر بئراً كبيراً لجمع مياه الأمطار، لتشرب منه كل مواشي القرية، فسمّاه أهل أُم الزينات (سيح الحاج) وإنه كان ذا مهابة واحترام كبيرين في القرية. قالت خالتي يسرى:
” كنت راكبة بغلاً، عليه أربع تنكات ماء، وطالعة من بئر الهرامس باتجاه بيتنا، فواجهني الحاج عبد القادر راكباً على حصانه، فنزلت فوراً، ووقفت إلى جوار البغل إلى أن وصلني الرجل، ومضى برائحة عطره الفوّاح، مهيبا وهو راكب حصانه”. فسألتها:” لماذا نزلت عن البغل يا خالتي”؟ فقالت:” احتراماً للحاج عبد القادر، كانت له هيبةٌ واحترامٌ يختلفان عن كل رجال البلد “.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ابن القمامة

عبد المجيد صلبي لا صوت يعلوا فوق صوتي. حظي التعيس أنى لم أتعلم قط على يد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *