الرئيسية | الموقع | ثقافة المجتمع | هيروشيما ضمير العالم الملوث باليورانيوم الأمريكي

هيروشيما ضمير العالم الملوث باليورانيوم الأمريكي

أسعد العزوني

” الولد الصغير ” دمرت مركز المدينة وقتلت 140 ألفا فور تفجيرها في الجو .
أمريكا انتقمت من اليابان لتحالفها مع هتلر وهدد ترومان : الاستسلام أو التدمير الشامل .
هيروشيما كانت مدينة علمية – عسكرية وقنبلة ترومان قتلت 11 ألف أسير أمريكي .
اليابانيون اكتشفوا الطائرات الأمريكية لكنهم لم يعترضوها حفاظا على الوقود .
هيروشيما –

صباح يوم الأثنين وفي تمام الساعة الثامنة والربع من يوم السادس من شهر آب عام 1945 وعندما كان أهالي هيروشيما قد بدأوا
اعمالهم ألقى قائد الطائرة الأمريكية29 B قنبلة ذرية على المدينة ، لكنها لم تنتظر الوصول الى الأرض ، بل أنفجرت بعد 43 ثانية وعلى ارتفاع 600 مترعن الأرض لتحرق مركز المدينة ومساحته 2 كم وتغمر المدينة بالرماد والاشعاع والدمار والقتل وترفع درجة حرارة الجو الى أكثر من مليون درجة مئوية فيما أصبحت درجة حرارة الأرض 3 آلاف درجة مئوية .
ولدى تقليب أي صفحة من صفحات ملف الارهاب الدولي المنظم ، نجد أن ما جرى في هيروشيما تحديدا يعد عنوانا فاضحا للسياسة الأمريكية التى قامت على ابادة السكان الأصليين بعد ثورة منفييي المستعمرات ، وقيل ما قيل عن هذه القنبلة .
ولدى زيارتي الى هيروشيما قبل ايام اكتملت الصورة لأن الفيلم الذي يعرضه المتحف الوطني يبث المأساة بالصوت والصورة ، ولا يترك صغيرة أو كبيرة الا ويؤشر عليها من اجل ايضاح كافة أبعاد الجريمة التى قتلت 800 ألفا من السكان .
هيروشما حاليا مدينة جميلة خرجت من بطن المأساة ونهضت من تحت الركام ، وتبلغ من العمر نحو ستين عاما وهي على الطراز الغربي ، وأهلها محافظون بعض الشىء وهواؤها نقي خال من التلوث عكس ما قاله أبو القنبلة الذرية أوبنهايمر الذي قال أن الاشعاع الذري سيبقى آلاف السنين في باطن الأرض لكن اليابانيين نظفوا أرضهم وسماءهم من الأشعاع في مدة قياسية .
وهي تشهد سنويا مؤتمرا دوليا لمناهضة أسلحة الدمار الشامل ، وتصادف وجودي في هذه المدينة مع المؤتمر الدولي السنوي الذي عقد في الهواء الطلق وشارك فيه رئيس هيئة الطاقة الذرية الدولية السابق د. محمد البرادعي والصيني المنشق المدعوم أمريكيا من التيبت الدلاي لاما ، وآخرون وركزت كلمات المشاركين على هيروشيما وأسلحة الدمار الشامل ، وقد تحولت المدينة الى مركز للمؤتمرات الدولية المناهضة للسلاح النووي والحروب .

وألقيت تلك القنبلة الذرية على مبنى غايناكو الحكومي الذي يضم عيادة جراحية والمصمم ضد القنبلة الذرية وصممه المهندس المعماري التشيكي جان ليتسيل ويطلق على أنقاضه الآن نصب السلام بهروشيما وهو ضمن قائمة التراث العالمي وتابع لمنظمة اليونسكو لكنها لم تدمره بالكامل لأنها لم تصله , بل تركته ركاما شاهدا على الجريمة ، وكان سر نجاته من المسح أنه مسلح بالحديد والخرسانة المسلحة بينما سقفه النحاس ذاب بفعل الحرارة العالية كما هو الحال عندما تضع فتاة مليحة قطعة شوكولاته في فمها .
بنى اليابانيون متحفا يؤرخ للجريمة في نفس مكان وقوعها وتم اعداده في شهر آذار من عام 1990 ويبدأ العرض بعجوز ناجية ومشاهد وضع أكاليل الورود والصلاة من أجل السلام ، كما يتم عرض صور للمدينة قبل تدميرها ويظهر أطفال المدارس والسعادة بادية على وجوههم لكن القنبلة قتلت فيهم كل شيء .
بعد ذلك يظهر الفيلم صورة الوحش القاتل المتمثل بالطائرة من طراز B29 ، ومن ثم الانفجار الهائل الذي ترك المكان أثرا بعد عين وشاهدنا هروب بعض الناجين الى مياة نهر ايووي لكنهم وجدوا الموت بانتظارهم لتشبع المياه بالاشعاعات وقد تحولت هيروشيما الى رماد يتحرك فيها الأشباح المحترقون بالنار ، وبعد ذلك تبدأ عمليات البحث في المدينة المقبرة والتى اختفت فيها الأبنية وضحكات أطفال المدارس ، وحركة السكان الذين كان عددهم آنذاك نحو 300 آلاف شخص ، وقد تحولت الذاكرة الى شريط أشباح وبات النهر يعج بالجثث ، وكانت هيروشيما آنذاك تضم 70 ألف بناية .
ما ان لف الاشعاع كافة ارجاء المدينة ، بعد مسح مركزها ، بدأ الجرحى في الأطراف يتوافدون على المدارس والمستشفيات في هذه المناطق بحثا عن علاج ، علما أنه لم يتوفر لهم الغرف اللازمة ، وأصيب العديد من الجنود بالعمى وعانى الأطباء والممرضون من الاشعاع ووقعت بينهم الاصابات وكانوا يستخدمون زيت الزيتون لعلاج الجروح والاحتراقات ، كما أن الناجين فقدوا شعرهم الذي تساقط دفعة واحدة من على رؤوسهم ، وبلغ عدد المعالجين آنذاك 21 آلافا في المستشفيات وسمح لهم المغادرة بعد شهرين .
كانت معاناتهم شديدة بسبب عدم وجود بيوت لهم وحلول الشتاء ما ادى الى وفاة العديد منهم اضافة الى وفاة أطباء وممرضين بسبب الأشعة وسوء التغذية بل انعدامها أصلا ، كما ان ذلك ادى الى وفاة الأمهات وهن يعتنين بأطفالهم المصابين ، ولعل ذلك تكرر في المستشفيات العراقية ابان الحصار الظالم الذي كان تمهيدا للغزو والاحتلال .
عانى من نجا من اهالي هيروشيما بعد ذلك من الولادات المشوهة وظهرت 89 حالة لوكيميا في المدينة و339 حالة سرطان صلبة ومع ذلك تعهدت هيروشيما عام 1952 بعدم اللجوء الى السلاح الذري والعمل من اجل السلام ، لكن اهلها يؤكدون انهم لن ينسوا ما حصل ولن يغفروا لمن يلجأ لهذا السلاح .
رغم ذلك فقد تحرشت أمريكا بصيادي السمك في هيروشيما مع ان رماد الموت كان موجودا ويمارس مهامه على اكمل وجه واستمر ت عمليات العلاج في هيروشيما حتى بعد مرور 25 عاما على اسقاط القنبلة أو ” الولد الصغير ” كما سماها الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان ، وكان الصراع مع الموت قائما من اجل البقاء وكانت الجماجم مثل الجبال .
هناك أغنية يابانية تقول “: عندما هبت الريح أصبحت صورة على الحجر وتناثر لحمي على الجدران واختفينا في الأرض….. ” .
قبل 150 عاما كانت هيروشيما مدينة علمية عسكرية وتحولت من حكم الساموراي الى حكم الامبراطور الذي اتخذها عاصمة له عام 1894 وبنى فيها مقرا للبرمان الامبراطوري وهي ميناء كبير عبر منه ملايين الجنود الى ساحات الحروب الأقليمية.
كانت أمريكا بقصفها لهيروشيما بقنبلة ذرية غير مجربة عكس قنبلة ناغازاكي التى جربت في الصحراء الأمريكية تهدف الى القضاء على اليابان بالضربة القاضية ، ذلك أنها كانت على وشك الانتصار على الحلفاء ، وقد اخترعت اليابان عام 1941 ” لمبات ” لا يرى العدو نورها الذي لا يظهر الا للجنود اليابانيين.
وقال الرئيس الأمريكي آنذاك أنه لن يوقف الحرب ما دامت اليابان تمتلك القدرة على القتال بمعنى ان تدمير هيروشيما لم يكن عشوائيا ، بل كان مخططا له .
قبل القاء القنبلة الذرية على هيروشيما بأيام ورد في الأخبار أن النازي هتلر طور قنبلة ذرية ودخل في تنافس مع امريكا في هذا المجال ، وأن أمريكا كانت تخاف من الهزيمة ، ولذلك قررت تدمير اليابان وقصفت هيروشيما وناغازاكي بالسلاح النووي بعد ان نجحت امريكا في تنفيذ مشروع مانهاتن للوصول الى الى السلاح الذري ، اضافة الى الانتقام من اليابان التى تحالفت مع المانيا النازية ، بعد نجاح تجربتها بالتحالف مع ايطاليا في الحرب الكونية الأولى .
بدأ قصف اليابان في العاشر من شهر آب عام 1945 ولم تنج مدينة واحدة سوى مدينة كيوتو الجميلة التى قيل ان امريكا استثنتها لجمالها وقدمها واهميتها .
يقول اهالي هيروشيما أن الهدف من القصف الأمريكي هو جسر نهر ايووي لكن انجار القنبلة في الجو أخطأ الهدف وسقط حطام القنبلة على بعد بضعة أمتر من الجسر ، وأظهر الفيلم اول صورة للجريمة التقطها المصور ماتشو شيغيث من جريدة تشوبوبو حيث قتلت القنبلة على الفور 140 آلفا ، ومات الآخرون جراء الاشعاعات والانفجارات المتتالية .
ونظر لكون هيروشيما مدينة علمية وعسكرية وميناء مهما ، فقد قتلت القنبلة الذرية 11 ألف أسير من الجنود الأمريكيين وغيرهم والمئات من الطلبة الأجانب الذين كانوا يتلقون علومهم في المدينة .

هيروشيما … القصة الكاملة
تقع مدينة هيروشيما في جزيرة هونشو وتشرف على خليج هيروشيما وهي عاصمة مقاطعة هيروشيما وكانت أول مدينة في العالم تلقى عليها قنبلة ذرية وشيدت عام 1868.
كانت الطائرة التى ألقت القنبلة تدعى ” اينولاغاي ” يقودها الطيار الكولونيل ” بول تيبيش ” في حين كان اسم القنبلة “A ” وتزن 4,5 طنا دمرت 90 % من المدينة وقتلت 80 ألفا وجرحت 90ألفا واطلق عليها الرئيس الأمريكي الأسبق هاري تروزمان لقب ” الولد الصغير ” . ومعروف أن المدينة الثانية التى القى عليها قنبلة ذرية ” يورانيوم ” هي مدينة ناغازاكي وقتل منها 75 ألفا .
في السادس والعشرين من شهر تموز 1945 أصدر الرئيس الأمريكي ترومان وزعماء التحالف اعلان ” بوتسدام “حول شروط استسلام اليابان وسلموه كبلاغ نهائي الى طوكيو مع التأكيد على ان رفضه سيؤدي الى تدمير الجيش الياباني والبلاد على حد سواء وبالكامل لكن دون الافصاح عن القنبلة الذرية .
في الثامن والعشرين من ذات الشهر أعلنت الصحف اليابانية أن الحكومة رفضت اعلان بوتسدام وعقد رئيس الوزراء كانتارو سوزوكي مؤتمرا صحفيا قال فيه أن هذا الاعلان هو اعادة صياغة لاعلان القاهرة ولم يسعى الامبراطور هيروهيتو لتغيير موقف الحكومة ، وأبلغ مستشاره كويتشى كيدو في الحادي والثلاثين من شهر تموز أنه يجب الدفاع عن الرموز الامبراطورية بأي ثمن .
كان الرئيس المريكي ترومان في مطلع شهر تموز وهو في طريقه الى مدينة بوتسدام قد اعاد النظر في استخدام القنبلة الذرية وقرر في نهاية المطاف مهاجمة اليابان بالقنابل النووية وأعلن أنه يريد انهاء الحرب بسرعة من خلال الحاق الدمار وزرع الخوف في صفوف الشعب الياباني لارغام طوكيو على الاستسلام .
بدأت الحكومة اليابانية بعملية اخلاءتدريجي لمدينة هيروشيما وتراوح عدد سكانها لحظة القاء القنبلة الذرية ما بين 340 – 350 ألف نسمة بعد ان كان عددهم بداية الحرب 381 ألفا ورافق الطائرة طائرتين قاذفتين الأولى تدعى ” الفنان الكبير ” يقودها الرائد تشارلز دبليو سويني لنقل المعدات والثانية اسمها ” الشر الضروري ” للتصوير الضوئي ويقودها الكابتن جورج ماكوارت ، وكان الانطلاق من القاعدة الشماليى في جزيرة تينان غرب المحيط المتوسط ، وتوجهت الى لايوجيما على ارتفاع 2440 مترا ، وانطلقت الى اليابان ، وكانت الرؤية واضحة على ارتفاع 9855 مترا ، وأثناء الرحلة قام الكابتن ويليام بارسونز بتسليح القنبلة وأزال مساعده الليفتنانت الثاني موريس جيبسون اجهزة السلامة عن القنبلة قبل الوصول الى الهدف بنصف ساعة .
قبل الانفجار بنحو الساعة اكتشف الرادار الياباني اقتراب الطائرات الأمريكية من الجزء الجنوبي الياباني وجرى تنبيه البلاد وتوقف البث الاذاعي في اليابان وفي تمام الساعة الثامنة من صباح يوم الأثنين السادس من آب 1945 حدد الرادار الياباني عدد الطائرات الأمريكية بثلاث وعند ذلك جرى رفع حالة التأهب في اليابان وحفاظا على الوقود والطائرات قرر اليابانيون عدم اعتراض مثل هذا التجمع الصغير من الطائرات الأمريكية ، لكنه طلب من المواطنين الذهاب الى الملاجىء في حال رؤيتهم لطائرات B29 ولم يتوقعوا الغارات بل ظنوا أنها طلعات استطلاعية .
كان وزن القنبلة 60 كيلوغراما من اليورانيوم 235 لكن القنبلة حولت مسارها بسبب الرياح المتعامدة وسقطت على عيادة شيما للجراحة في مبنى غايناكو بدلا من جسر ايووي ونتج عن ذلك انفجار يعادل نحو 13 كيلو طنا من T.N.T .ولم يتم تحذير سكان هيروشيما من القصف كما كانت أمريكا تفعل في المدن اليابانية قبل قصفها .
لاحظ مشغل التحكم في طوكيو التابع لهيئة الاذاعة اليابانية اختفاء محطة هيروشيما ، وحاول بناء برنامجه من خلال خط هاتفي آخر جديد لكنه فشل ، وبعد 20 دقيقة أيقن مركز تليغراف سكة الحديد في طوكيو توقف خط هيروشيما ووصلت تقارير غير رسمية تفيد بأن انفجارا رهيبا وقع في هيروشيما ، ونقلت هذه التقارير الى مقر قيادة هيئة الأركان العامة للجيش الياباني الامبراطوري .
حاولت القواعد العسكرية الاتصال بمحطة مراقبة الجيش في هيروشيما دون جدوى مع علمهم بعدم وقوع غارات من قبل العدو ، وطلب من ضابط شاب التوجه بالطائرة الى هيروشيما والهبوط على الأرض ، بهدف مسح المنطقة والعودة الى طوكيو لابلاغ الموقف .
قبل وصوله المدينة المنكوبة بعد رحلة طيران استمرة 3 ساعات وعلى بعد 160 كم اكتشف الطيار والضابط سحابة كبيرة من الدخان نتيجة سقوط القنبلة وشاهدا النار مشتعلة في بعض المناطق في هيروشيما ولم يصدقا المشهد وهما يطيران فوق المدينة وقد تمكن الطيار من الهبوط في الجزء الجنوبي منها وقام الضابط على الفور بتنظيم وسائل الاغاثة بعد ابلاغ طوكيو بالموقف .
بعد يومين ذكرت الصحف الأمريكية أن هناك تقارير من الاذاعة اليابانية تصف الدمار في هيروشيما بأنه ” من الناحية العملية فان جميع الكائنات الحية الانسان والحيوان قد أبيدت ، وأن هيروشيما كانت أخدودا حتى الموت ” .
واعلن الرئيس الأمريكي الأسبق هاري ترومان أنه ” اذا لم يقبل اليابانيون شروطنا ، فعليهم أن يتوقعوا أمطارا من الخراب تأتيهم من الهواء وغير مسبوقة ” . لكن طوكيو لم ترد على اعلان بوتسدام وكان الامبراطور هيروهيتو والحكومة ومجلس الحرب يبحثون ، أربعة شروط للاستسلام من اجل الحفاظ على المؤسسة الامبراطورية ” كوكوتاي ” وتولي المقر الامبراطوري مسؤولية نزع السلاح والتسريح وعدم وجوب احتلال أي من الجزر اليابانية ومحاكمة مجرمي الحرب من قبل الحكومة اليابانية فقط .

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ويل للمطبعين

أسعد العزوني ويل للمطبعين مع الصهاينة الذين هم عن دينهم وثوابت أمتهم ينحرفون،وفي أحضان مستدمرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *