ثقافة السرد

هــــديــــة بــســيــطــــة

د. أحمد الخميسي*

من الممر، خارج حجرته، تناهت إليه قهقهات مجلجلة. مال بعنقه من على سريره متطلعا إلي الباب. أنصت فتعرف إلي صوت الحاج عبد اللطيف وهو يستفسر:”الأستاذ صلاح العمري. أي حجرة في قسم الجراحة؟”، مالبث الحاج أن دخل في عباءة عربية بخطوط مذهبة. تحت إبطه حافظة أوراق ومن يده الأخرى تدلت سلة خوص بورد. اتجه إلى صلاح يترجرج مثل فيل وبسط ذراعه نحوه زاعقا:” ألف حمدا لله على سلامتك ياجاري الغالي”. مال بكتفيه وكرشه الضخمة يلثم وجه صلاح. اعتدل وجال ببصره في الحجرة الضيقة التي اتسعت بالكاد لمقعدين وثلاجة تحت الشباك. تحير أين يضع سلة الورد. قال له صلاح: “على سطح الثلاجة. على سطحها ياحاج”. أزاح بحافة كفه طبقين فيهما فتات طعام وحط السلة، ثم نظر إليها وحشر أنامله بين سيقان الورد، نفشها لأعلى يستحثها على الشموخ وهي نصف ذابلة. استدار إلي صلاح:”هدية بسيطة”. برك على مقعد قرب السرير وراح يوضح الأساس النظري للزيارة بدءا من أن الناس للناس وانتهاء بأن كل ما يبقى من الانسان سيرة عطرة. ذكرته كلمة “عطرة” بزجاجة عطر في جيبه، أخرجها ورش منها على رأس صلاح وقفاه ورقبته ودلك أصابع كفي صلاح برذاذها إصبعا إصبعا ثم سلم بحرارة:” إجمد ياأسد”. استدار منصرفا. ودعه صلاح :”تعبتك ياحاج”. جاءته القهقهة من خارج الحجرة ” هق. هق. هق. هدية بسيطة”.

دخلت ممرضة شابة بين يديها صينية الغداء. وجدت سطح الثلاجة مشغولا بالسلة. توقفت تفتش بنظراتها عن مكان للصينية، أخيرا وضعتها على المقعد الجلدي قرب السرير وخرجت. تحامل صلاح على نفسه ليذهب إلي الحمام. سار بضع خطوات لكن ركبته ارتطمت بطرف خوص السلة البارز فانقلبت السلة على الأرض. ضغط على الجرس. جاءت الممرضة ولاحظت وهي ترفع السلة شرخا دقيقا في الخوص فلصقته بقطعة بلاستر بيضاء. استلقى صلاح على السرير يحدث نفسه”سلال الورد لاتنفع المريض بشيء، فقط تضفى وجاهة على الزائر، كأنما يجيء بها لإظهار مكانته، لا لإسعاد المريض. في كل الأحوال لا مكان للسلة في حجرة ضيقة كهذه. زحمة وبس”. راح يهز رأسه على الوسادة في تهويم خفيف إلي أن سمع طرقة، انفتح بعدها الباب وأطل خيري غنام زميله في العمل. سأله عن العملية بعينين سارحتين أبعد ما تكونان عن الاهتمام بما سأل عنه، وقبل أن يجيبه صلاح كان خيري قد أطرق بفم مفتوح يحدق بالفراغ وأخذته إغفاءة نوم أفاق منها ونهض معتذرا:” أستأذنك في الانصراف. سعد ابن أختى نجح في الجامعة ولازم أهنئه. مشواره بعيد”. قال صلاح:” ألف مبروك”. تذكر السلة فأضاف:” ما رأيك لو تأخذ سلة الورد هذه هدية بسيطة لسعيد؟”.صحح خيري الاسم “سعد. اسمه سعد”وأردف:”لكن كيف آخذها؟ لا يصح”. استمات صلاح:”والله تأخذها. ستذبل هنا. الخوص ملصوق بقطعة بلاستر لكن غير ظاهرة”.

خرج خيري من المستشفى. استقل تاكسي قاصدا بيت أخته الكبيرة هناء في حلمية الزيتون. استقبلته بالأحضان وعندما لمحت السلة المدلاة من يده قالت تعاتبه بامتنان:” لماذا أرهقت نفسك؟ تسلم لي ياحبيبي”. تمتم:” هدية بسيطة”. التفتت إلي الداخل تصيح:” ياسعد. تعال سلم على خالك”. أقبل سعد في أجمل ما لديه من ملابس، بربطة عنق أرجوانية، وعلى عينيه نظارة شمس رغم أن الدنيا أعتمت. سلم وشكر خاله بحرارة على الهدية التي استنفرت فيه كرم الضيافة فقال:”عندنا ملوخية حلوة قوي ياخالي”. لكن خيري كان يتوق إلي النوم بأي ثمن فاستأذن وانصرف. قال سعد لأمه:”عرس شهاب صاحبي الليلة. لازم أخرج”. بادرته على الفور:” حلو قوي. خذ سلة الورد للعريس. خذها”. تحير سعد يقلب الفكرة. لوحت بيدها:”خذها. خذها. ستذبل هنا”. رش سعد الورد بالماء وقليلا من العطر، وأضاف قطعة بلاستر جديدة إلي الخوص، وبعد نحو ساعة كان يدخل قاعة العرس الصاخبة المنيرة، يد تحمل السلة والأخرى تعدل وضع النظارة الشمسية. استقبله العريس بالأحضان. تناول السلة منه وحطها على الأرض بجوار سلال أخرى. أجلسه قربه قائلا:”أبو السعود ملك الأناقة. نورت الفرح. لكن لماذا التكاليف والتعب؟ “. تواضع سعد متمتما ” هدية بسيطة”.

صباح اليوم التالي كان صلاح قد أنهى إفطاره في حجرته بالمستشفى حين دخل عليه المهندس حسين ذكرى ومعه سلة ورد. رفعها عاليا:”الورد للناس الورد. أين أضعها؟”. أجابه صلاح”على سطح الثلاجة”.أزاح حسين كوبا وطبقا فارغا وحشر السلة. رفع صلاح رأسه من على الوسادة ولمح قطعة البلاستر البيضاء وقد صارت أكثر سماكة فأيقن أنها السلة ذاتها. تعجب لأنه يعلم أنه ما من صلة بين خيري غنام الذي أخذ السلة بالأمس وبين حسين ذكرى الذي جاءه بها الآن. بعد قليل انصرف حسين وظهرت الممرضة. قاست ضغط صلاح وقبل أن تخرج قالت بابتسامة خجلى:” ممكن آخذ الورد ده؟ أصل أنا عندي فرح ابن عمتي اليوم؟”.

*أحمد الخميسي. قاص وكاتب مصري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق