قراءات ودراسات

حول أزمة المثقف والسلطة ووحدة قوى السودان الجديد(1)

أحمد ضحية

حول أفكار هذه الورقة: (1-6):وبعد أن إنتهى الكثيرون في شأن السودان ,إلى التسليم بأن مصيره إلى التفتت , ومآله إلى الانفصالات , نجد أن فكرة (وحدة السودان) لا تزال بحاجة إلى إعادة تأسيس في الوعي السوداني اليوم أكثر من أي وقت مضى . فالكثيرون”يعيشون” وحدة السودان على صعيد الشعارات, بينما “يحيون” عملية بناء الدولة الإنفصالية . ونشؤ “المركزيات الإثنية” في الأطراف.. حتى الوحدويون منهم يفكرون في الوحدة بينما يتبنون-عمليا- الإنفصال, فيما يبدو أن الجميع, تخلى عن الحلم بسودان موحد ديموقراطي مستقل… مذعنين للفوضى المرعبة التي يمثلها السودان الراهن وهكذا ما سنطرحه هنا ليس بديلا ,بقدر ما هو إصرار على الإستمرار في (حُلُم) السودان الموحد . والقول : أن بمقدورنا الإتيان بما هو أفضل مما نراه الآن مهما طال الزمن. وهنا يبرز دور المثقف في إعادة تأسيس الوحدة في الوعي السوداني , وهي ليست عملية سهلة, شأنها شأن عمليات البناء : معقدة وطويلة الأمد , خاصة في ظروف حكم الإنقاذ, التي حاصرت المثقف وهمشت وأقصت دوره ,بل وألغته في الحياة السياسية . وهذا يقود إلى قضية الديموقراطية, التي لن تتحقق في ظل الحصار المتعاظم لدور المثقف , بمزيد من العوائق والأزمات ,التي وفرت الإنقاذ -كسلطة استبدادية فاسدة- شروطها مع سبق الإصرار والترصد! ..
ظللنا نتساءل طوال السنوات الماضية , كيف إستطاع نظام (إسلاربوي) قمعي فاسد على شاكلة نظام الإنقاذ , الذي ولد وهو يحمل بذور فناءه داخله .. كيف استطاع مثل هذا النظام الشائه البقاء والإستمرار لأكثر من عقدين من الزمان , وإيصال السودان إلى هذه المرحلة من التمزق ..والتشوه الأخلاقي والإجتماعي والثقافي ,إلخ..
بالطبع ثمة آراء وإستنتاجات وتصورات مختلفة , تمثل مختلف الإتجاهات السياسية , تجيب عن هذا السؤال , لكن ليس من بينها : الغياب الفاجع للمثقف.

هذا المثقف الذي – بعكس السياسي – يجيد معظم أنماط الثقافة ويدركها – بما فيها النمط السياسي – لأنه يمتهن الثقافة ويمتلك ملكة الإبداع , بإعتباره منتجا للثقافة (1) ..وإذ نتناول موضوع (الغياب الفاجع)للمثقف في السودان , فذلك لأن دوره – المثقف – ظل شاغل لكثير من الكتابات لوقت طويل .
وبالعودة إلى الوراء يمكننا ملاحظة أن فترة زمنية محددة مثل العشرينيات, تمخضت عن مثقفين لامعين – بصرف النظر عن تصوراتهم المختلفة حول السودان – مثل عرفات محمد عبد الله ومعاوية محمد نور والتيجاني الماحي وبابكر بدري وإبراهيم احمد وعبد المجيد إمام و آخرون كثر غيرهم ..
إلى جانب تكوينات فاعلة في مسيرة تاريخ السودان الحديث , والتحولات التي مر بها , مثل جمعية ” أب روف” واللواء الأبيض ومؤتمر الخريجين .. هذه التكوينات التي بناها المثقف , وشكلت علامات فارقة في صيرورة السودان . إذ إمتد أثرها حتى الآن (2) ..

إذن عبر المثقف السوداني عن نفسه وعن تطلعاته لوطنه الذي يريد عبر مختلف المنابر والمجلات والإصدارات مثل حضارة السودان ومجلة الفجر , الخ …
الأدوار المختلفة التي لعبها المثقف في تلك الفترة تكاملت وترتب عليها نشؤ الأحزاب السياسية , بتوجهاتها المختلفة فيما بعد ..
واستمر المثقفون السودانيون يلعبون أدوارهم المختلفة في المجتمع ليتمخض وعيهم لاحقا ومنذ السبعينيات عن مجلة القصة – إلى جانب ضغوطاتهم على المؤسسة الثقافية للدولة , التي أثمرت مجلة الخرطوم والثقافة السودانية – وسوداناو sudanowوالإذاعة والتلفزيون والثقافة الوطنية ووازا وحروف , الخ من مجهودات بذلها المثقفون …
إذن مثلت الفترة من الأربعينيات إلى الثمانينيات من القرن الماضي , فترة نشطة باتجاه تأسيس منابر المثقف , التي لم تتوقف في حدود الإصدارات فقط . إذ رافقتها تكوينات ثقافية مثل رابطة سنار الأدبية ورابطة الجزيرة للآداب والفنون ورابطة الأصدقاء الأدبية بكوستي , الخ حتى بدا أن مدن السودان المختلفة تكاد لا تخلو من تكوين ثقافي بناه المثقف . للعب دور ما في المجتمع المحلي , ويتطلع بهذا  التكوين للعب دور قومي ..
وفي هذا السياق , ومع إشتداد عسف السلطة الاسلاموية منذ 1989 مثلت مكتبة البشير الريح , الرئة التي يتنفس خلالها المثقفون , بعد أن صادر النظام الاسلاموي (إتحاد الكتاب السودانيين) وحل كل الروابط والجمعيات الأدبية والإجتماعية في العاصمة والأقاليم إثر بيان عسكري فج . وهكذا تفرق المثقفون أيدي سبأ بحل المنابر التي كانوا ينضوون تحت لواءها ..
ومع ذلك , كان المثقف كلما حطموا له كيانا أوجد كيانا آخر , فبتعرض مكتبة البشير الريح للإغلاق أكثر من مرة , وتضييق الخناق على المثقفين , لجأ المثقف إلى المراكز الأجنبية(الفرنسي, الثقافي البريطاني , الخ ..) ونهض من قلب هذه العتمة في مركز آخر : عبد الكريم مرغني , ثم عبد المجيد إمام و مركز الدراسات السودانية ونادي القصة السوداني …
هذه الحركة الدؤوبة التي لم تنقطع خلال أكثر من نصف قرن من الزمان , على الرغم مما تخلفه من رهق وغياب أحيانا ,إلا أنها ظلت تؤشر على الدوام على شيء واحد : أن هناك مثقف سوداني , لا يبحث عن دور فقط في المجتمع , بل ويعرف دوره بالضبط , وأن هناك مثقف مستهدف بإستمرار بقمع السلطات السياسية والإجتماعية أحيانا , وأن هناك مثقف مهدد بالصمت والسكت والغياب الفاجع !..
(2-6):رافق نشاط المثقفين في منابرهم التي حاولوا تشييدها خلال أزمات الواقع البائس وحصارات وقمع السلطات الاستبدادية والملاحقات الأمنية التي تعرضوا لها , وتعرضت لها منابرهم , نوافذ ثقافية في الجامعات السودانية , مثلتها الروابط الإجتماعية والثقافية والإقليمية , التي حاولت أن تسهم مع المثقف المحاصر خارج أسوار الجامعات , في صياغة المعنى الإجتماعي العام للسودان .
لكن هل نجحت هذه المحاولات حقا في صياغة أي معنى اجتماعي عام ؟!..

يكفي أن نلقي نظرة واحدة على المشهد السياسي والثقافي والإجتماعي السوداني .. ماذا نرى :
وطن متنازع تتآكله نزعات القبلية , مهدد بالانفصالات .. وطن لا يزال مقعيا في أحد الأزقة السحيقة للتاريخ .. وطن تنتظر مؤسسته العسكرية الفرصة في كل عهد ديموقراطي قصير الأمد للانقضاض والإجهاز على مخاض روحه المدنية التي تتطلع للولادة ..وطن لا تزال الأمراض المنقرضة تاريخيا , مثل الكوليرا والملا ريا والسل تحصد أرواح مواطنيه ,وطن ينهب الإنتهازيون بإسم الإسلام ثرواته.. هل هذه هي ثمرة نضالات المثقفين السودانيون ؟ ! ..
في تقديري الخاص أن أحد أسباب هذه المشكلة , يكمن في تواطؤ عدد كبير من المثقفين وإنحيازهم لمصالحهم الذاتية خصما على الأجندة الوطنية , سواء بإستمرارهم في إعادة إنتاج الثقافة التقليدية أو تواطؤهم مع الحكومات الإستبدادية والقوى الطائفية التي تنطوي مشاريعها أصلا على روح مضادة للتقدم , وحصيلة ذلك – الموقف المضاد للتقدم – التخلف والتمزق المريع الذي يعيشه السودان اليوم ..
ربما يبرز سؤال : إذن أين كان المثقفين الديموقراطيين التقدميين المنحازين للأجندة الوطنية؟!
وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه بصورة مباشرة , ففي فوضى الإنقلابات والإستهداف المتعاظم للمثقفين منذ الستينيات بجعلهم “دريئة من قش” وتشويه مواقفهم وتصويرها على نحو كاريكاتوري أو بصورة تصورهم كشخصيات سايكوباتية , بل وإبتذالهم ونعتهم ب”المثقفاتية” , وجعلهم موضوعا دراميا لجماعات “الحلمنتيش” المبتذلة .. إلى جانب إنهيار أوضاعهم الإجتماعية بسبب الإستهداف المتعمد والمستمر من قبل الحكومات العسكرية, وتعاظم هذا الإستهداف إبان فترة النظام الاسلاموي الحالي , وتسخير هذه النظم الشمولية المستبدة لجهاز الدولة , ليصبح محض جهاز قمعي ..
في خضم كل هذه الفوضى من الاستبداد والفساد والتشريد والنهب المنظم للموارد والإحالة للصالح العام , فقد المثقف ثقته بنفسه بعد أن ضعفت شوكته , بالتالي قدرته على التغيير ..
(3-6):وببروز النص الاسلاموي بمثابة نص على النص الحقيقي , حوصر الواقع برؤية أيديولوجية مفعمة بالالتباس والتلفيق طرحت نفسها حينا :دستور إسلامي أو صحوة إسلامية  وحينا آخر : جمهورية إسلامية , إلى أن بلغت منتهاها في المشروع الحضاري , أو دولة الخلافة التي أمير مؤمنيها مجرم حرب تطالب به لاهاي كما عند”المثقف” المرحوم فراج الطيب  , فمثلت الذروة في الالتباس والتلفيق – فقد شبه العبد الفقير لله المرحوم فراج الطيب “الجنرال” عمر البشير بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب- هذه الفوضى التي تعاد فيها عملية إعادة إنتاج واسعة النطاق للثقافة التقليدية , من قبل المثقفين ” الطائفيين والإسلامويين” الذين تواطأوا ضد الحقائق الأساسية لمجتمعات السودان المتباينة في عقائدها وثقافاتها وأعراقها ..
(4-6):إذن إستهدفت الآيدولوجيا المثقفين , فأصبح على رأس قائمة المطلوبين في السودان: المثقفين الديموقراطيين التقدميين إذ تك حصارهم  بالدعاية المضادة , لتغريبهم عن مجتمعاتهم وتشريدهم عن بيوتهم وأسرهم وعملهم , بل ظلت الآيدلوجيا الإسلاموية وتلاحقتهم وتعتقلتهم وتعذبتهم, وعندما تطلق سراحهم يصبحون غرباء فعلا في بلادهم التي طالما حلموا بها وطنا أجمل !..
وهكذا أنجز مشروع “الغياب الفاجع” .. غادر المثقف وهو يحمل هموم تكوين معارضة سياسية ذات نسيج ثقافي , رغبة في إظهار قضية السودان ,الذي خرج منه مهزوما ومجروحا ومكسور الخاطر – حيث لا عزاء في أغنية عثمان اليمني : نحنا ناس حياتنا جبر خواطر.. أو المثل السائد: كل مكسور بينجبر إلا الخاطر .. ومع ذلك , حاول المثقف وهو في منفاه داخل الوطن أو خارجه , منفاه الجبري أو الاختياري الإستمرار في الكشف عن كل ما يتصل بالإستبداد والقمع وغياب حرية الرأي والتنظيم و تهميش الشركاء في الوطن ونهب ثرواته نهارا جهارا..

(5-6):ثمة عوامل أخرى أسهمت في غياب المثقف , مثل إنهيار الطبقة الوسطي التي إن لم ينتمي إليها المثقف طبقيا أو إجتماعيا إنتمى إليها روحا . فبتهاوي هذه الطبقة تحت ضربات النظام الإسلاموي , أصبحت المجتمعات السودانية غير قائمة على نفوذ وقوة الطبقة الوسطى , كطبقة تاريخية مسئولة عن إنتاج المثقفين – بصورة خاصة – فمع أثننة الإنقاذ للسياسة وإستمداد قوة مشروعها الاسلاموي – الحضاري- من نفوذ العشائر والقبائل والبيوتات-خصوصا حزب الأمة- وتفتت الطبقة الوسطى عمليا , توغل المثقف أكثر فأكثر في الغياب ..
(6-6): هنا يبرز سؤال آخر حول مستقبل الديموقراطية والإسلام السياسي , وغني عن القول التشديد على الأصالة والعودة إلى تاريخ إنقضى وولى كقاعدة للإنتقال إلى المستقبل , بدلا عن اجتراح هذا الإنتقال وأدواته في التاريخ العالمي  للتنوير و الحداثة بما يشمل إعادة تأسيس التعليم, يعتبر تسويقا للأسس الآيديولوجية للإسلام السياسي , كما أن المثقفين الذين يقومون بدور المؤامة والمصالحة والتلفيق – وما أكثرهم في ظل الإنقاذ – بين الإسلام السياسي وبين الديموقراطية الليبرالية , هم في الواقع يجعلون التصالح مع الإسلام تكتيكيا , كما يعتبر الاسلامويون الحوار الذي يتكالبون عليه الآن مع القوى السياسية المختلفة شأنا سياسيا لا يستتبع تنازلا عن أسسهم الأيديولوجية (3) التي تنهض في – الإسلام الصحيح وفقا لمزاعمهم – وكما يتصورونه كحراس للنوايا ومُلاك للحقيقة المطلقة , إصطفاهم ربهم – دونا عن سواهم من عباد الله المغلوبين على أمرهم إزاء فتاوى الترابي التكتيكية الأخيرة – للاهتداء لهذا الإسلام الصحيح ..

هوامش :


(1) صاحب الربيعي. الصراع بين السياسي والمثقف : قيم ام مصالح . مجلة الديموقراطية . العدد 18 القاهرة 2005 ص : 43
(2) أنظر مقالات (1 – 6) : احمد ضحية . صحيفة الصحافي الدولي 2001 . سؤال الهوية في فكر النهضة السودانية
(3) دكتور سيار الجميل . الانتلجنسيا العربية . رؤية معرفية في بنية الأجيال . مجلة الديمقراطية . العدد 18.القاهرة 2005. ص : 17 .

-نواصل-

*كاتب وباحث سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق