الموقع

السلام المفقود.. والمسؤولية الأميركية

د . لطفي زغلول

أعلنت الإدارة الأميركية، وبما لا يدع مجالا للشك، أنها تتخلى عن محاولات إقناع إسرائيل وقف الإستيطان في الضفة الفلسطينية المحتلة وفي القدس. وقد فسر هذا التخلي على أنه تراجع عن الإستراتيجية التي كان الرئيس الأميركي باراك أوباما قد أعلنها في شهر إيلول/ سبتمبر الماضي. في نفس الوقت تسعى إدارته للتوصل لاتفاق إطار حول كافة قضايا الوضع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في هذا الصدد” وأي اتفاق إطار هذا، وما هي ماهيته، والإستيطان الصهيوني يتسرطن في أوصال الوطن الفلسطيني ولا يقف عند حد؟

ثمة سؤال آخر” إذا كانت الولايات المتحدة غير قادرة على”إقناع” إسرائيل بتجميد الإستيطان لمدة ثلاثة أشهر، فكيف تكون قادرة بقية استحقاقات التسوية السلمية، والمقصود هنا تفكيك الإستيطان، وحق العودة، وإقامة الدولة ذات السيادة الكاملة على حدودها ومعابرها ومائها وهوائها في حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس؟. وثمة أسئلة كثيرة أخرى في هذا الصدد.

بداية فإن المواطن الفلسطيني لم يفاجأ بهذا القرار الأميركي، وكان على يقين بأن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على وفاق تام ورؤية واحدة فيما يخص الإستيطان الإسرائيلي في كافة الأراضي الفلسطينية منذ بداية الإحتلال الإسرائيلي في العام 1967.

إن الولايات المتحدة الأميركية لم تصنف في يوم من الأيام التواجد الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية على أنه احتلال، وترفض رفضا قاطعا أن تنظر إليه كذلك. لقد غضت الإدارات الأميركية المتوالية على البيت الأبيض منذ العام 1967 النظر عن كل مشروعات الإستيطان الصهيونية، الأمر الذي فسر على أنه ضوء أخضر للإستمرار فيها. إن الولايات المتحدة الأميركية قد وقفت إلى جانب إسرائيل منذ قيامها حتى الآن، وهي لن تتخلى عنها باعتبارها حليفتها الإستراتيجة. لم تبخل عليها لا بالمال ولا بأحدث منظومات الأسلحة المتطورة، ولا بالوقوف إلى جانبها في المحافل السياسية، وبخاصة في الأمم المتحدة، وتحديدا في مجلس الأمن الذي كرست للدفاع عنها حق النقض”الفيتو”، فأشهرته ما ينوف عن أربعين مرة في وجه العرب والفلسطينيين. إن سياسات الولايات المتحدة الأميركية ومنذ قيام دولة إسرائيل في العام 1948، وإن إدارات بيتها الأبيض، مسؤولة عن الكثير من معاناة الشعب الفلسطيني، وإفرازات نكبته. وإذا كان الرئيس باراك أوباما قد تخلى عن إقناع إسرائيل بتجميد الإستيطان، والتراجع عن استراتيجيته بهذا الشأن، فقد سبقه مثالا لا حصرا سلفه الرئيس جورج دبليو بوش بكيل الوعود لإسرائيل، هذه الوعود التي ضاعفت معاناة الفلسطينيين، وأحبطت مساعيهم لتحقيق أحلامهم في لم شملهم في دولة هي من حقهم المشروع.

لقد كال بوش الإبن إبان ولايته الوعود للجنرال شارون حين كان في رئاسة الحكومة الإسرائيلية. كانت المنحة الكبرى التي قدمها الرئيس بوش الابن في معرض كيل المنح هي إلغاء حق العودة. وانطلاقا من هذه المنحة التي لم يحلم بها أي رئيس حكومة إسرائيلي قبله ولم يجرؤ أي رئيس أمريكي على تقديمها، فإن على الفلسطينيين أن لا يفكروا بعد الآن بالعودة إلى ديارهم وأراضيهم التي طردوا منها في العام 1948، وذلك لسبب بسيط يتمثل في أن دولة إسرائيل هي يهودية.

أما القدس فإن ما أحدثته آلية التهويد الإسرائيلية على مدى ثلاثة وأربعين عاما فيها من تغيير معالمها الجغرافية، وواقعها الديموغرافي، وما سوف تحدثه، قد تم تحت ظلال الرضى الأمريكي. وزيادة على ذلك ففي عهد الرئيس بوش الإبن صدر ما يسمى قانون القدس عن الكونغرس الأمريكي الذي يعتبرها عاصمة دولة إسرائيل، وأما الموافقة على نقل السفارة الأمريكية لها فهي والحال هذه مسألة وقت لا أكثر.

وإمعانا في التجني على القضية وأصحابها، واستخفافا بكل ما يمت إليها بصلة، يجري الحديث تحت ظلال الإستيطان عن “القضايا الجوهرية”. وهنا يتساءل الفلسطينيون: أية قضايا جوهرية استبقى عليها وعده المشؤوم هذا بعد مصادرة الأرض وإسباغ الشرعنة الأمريكية على الإستيطان فيها، وإلغاء حق العودة، وتهويد القدس؟. وأية دولة فلسطينية يتمننون بها على أصحاب الحق، ما هي مساحتها، ما هي حدودها، ما هي عاصمتها، ما هي مجالات سيادتها، وكيف سيكون التواصل الجغرافي بين أجزائها المشتتة؟.

إن الحديث عن رفض الولايات المتحدة ما يسمى الإستيطان اللاشرعي مرفوض من قبل الشعب الفلسطيني. إذ ليس هناك استيطان شرعي وآخر لاشرعي. إن هذا السيناريو ليس له إلا تفسير واحد مفاده الإستبقاء على الكتل الإستيطانية الكبرى في حيازة إسرائيل. إن الشعب الفلسطيني يعتبر كافة أشكال الإستيطان لاشرعية لأنها قامت على اغتصاب الأراضي الفلسطينية من أصحابها الشرعيين وطردهم منها. وعودة إلى موضوع الإستيطان الذي ينظر إليه الفلسطينيون على أنه غزو جغرافي وديموغرافي يستهدف اغتصاب أراضيهم، وطردهم منها، وإحلال هؤلاء المستوطنين الغرباء فيها. وهذا يصب في خانة عدم الإعتراف بحق العودة الذي أقرته الشرعية الدولية، واستحالة إقامة الدولة الفلسطينية التي يحلم بها الشعب الفلسطيني، وهذا بمجمله يعني شيئا واحدا مفاده خداع الشعب الفلسطيني، والتآمر على وجوده بمشاركة فاعلة من قبل الولايات المتحدة الأميركية. كلمة أخيرة. إن الولايات المتحدة الأميركية التي تعلن مرارا وتكرارا أن إسرائيل هي حليفة إستراتيجية لها، هو أمر يخصها وحدها. إلا أن ما لا يخصها أن يكون تحالفها هذا على حساب الشعب الفلسطيني، ساعتئذ فإن المعادلة تتغير قواعدها، وتصبح الأمور مكشوفة إلى الحد الذي يمكن القول إن كل مساعي الولايات المتحدة في العملية السلمية مضيعة للوقت وخداع، وإن هذا السلام ليس له أساس، بل هو مفقود، وإنها تتحمل وحدها مسؤولية فقدانه.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق