الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | الإنسان المتدين: التحليل الديني عند إيريك فروم

الإنسان المتدين: التحليل الديني عند إيريك فروم

بقلم: حسين جبار

يعتبر “الدين” من أقدم الظواهر التي عرفتها الإنسانية، و كذلك من أكثرها تعقيدا و صعوبة في فك رموزها و معرفة “الدوافع الأصلية” الكامنة خلفها. و إذا كان يبدو لنا اليوم أن تعريف الدين هو أمر بدهي فإنه بالنسبة للباحث في جذور المسألة فالأمر ليس بهذه البساطة الخادعة. من هنا تعددت المذاهب و الآراء في تعريف الدين أولا، و في تحديد دوافعه ثانيا. و يكمن أهم فرق بين تعريفات الدين المختلفة هو بين من يرجع الدين إلى دوافع إنسانية أصيلة في “الطبع الإنساني”، بحيث أنه سيوجد الدين حيثما وجد الإنسان؛ و بين من يرجعه إلى دوافع ليست نابعة من الطبيعة الإنسانية، مثل الخوف من المظاهر الطبيعية مثلا و عدم القدرة على تفسيرها بشكل “علمي”، و من الواضح أن الإستمرارية الكبيرة التي يحتفظ بها الدين حتى اليوم تجعل التعريفات التي تصب في الخانة الأولى هي الأرجح. يعرف إيريك فروم الدين بأنه ((نظام من الفكر و العمل تشارك فيه مجموعة و يعطي للفرد إطاراً للتوجه و موضوعاً للإخلاص))[١]. إن تعريف فروم هذا للدين لا يهدف إلى كشف دافع الدين الإساسي، بقدر ما يهدف إلى تحليل بعض الظواهر و ردها إلى أقرب موضوع لها و هو الدين. فليس من المنطقي أن المتدين البدائي قد خلق نظاما من الفكر و العمل، و وجود هذا النظام هو مرحلة متقدمة من مراحل “الدين”. و هذا التعريف و إن كان لا يشير بدقة إلى دافع نشوء الدين فإنه يسمح لفروم برد بعض الظواهر الى الدين على الرغم من أنها تفتقد عناصر مهمة من الظاهرة الدينية المتعارفة مثل الإيمان بإله متعالٍ و بعالم “مقدس” موازٍ لعالمنا المنظور. من هنا يرى فروم انتشار بعض العبادات “البدائية” في المجتمع المعاصر. فإذا ((خدشنا سطح الإنسان الحديث نكتشف أعداداً لا حصر لها من الأشكال البدائية المتفردة للدين)). من هذه العبادات التي يلتقطها فروم:

١) عبادة السلف، حيث يرى أنها ((إحدى أوسع العبادات البدائية انتشاراً في مجتمعنا و هي لا تبدِّل صورتها إذا دعوناها، كما يدعوها الطبيب النفسي، التعلق العصابي المفرط بالأم أو الأب)). و بعد أن يضرب فروم مثالين واقعيين لهذه العبادة يقول: ((و هذه الحالة من مركزة المرء حياته حول سلف، و بذله جل طاقته في عبادته، لا تختلف عن عبادة السلف الدينية)).[٢].

٢) الطوطمية، و مثالها، في نظر فروم، هو الشخص ((الذي يقتصر إخلاصه على الدولة أو على حزبه السياسي)). و يرى كذلك أنه إذا أردنا أن نفهم كيف نجحت أنظمة مثل الفاشية و الستالينية في أن تتملك الملايين من الناس، المستعدين للتضحة من أجلها، فعلينا أن ندرس الخصيصة الدينية، الطوطمية في توجههم[٣].

٣) ديانة التشدد في النظافة. ((و هذا الدين القائم على التشدد في النظافة و الترتيب لا يختلف كثيراً في الجوهر، عن بعض الأنظمة الدينية المفرطة في الطقوس التي تتمحور حول محاولة التخلص من الشر بطقوس النظافة و العثور على الأمن في الإنجاز الصارم للترتيب النفسي))[٤].

٤) الدين الصناعي. و هذا الدين ((يوجد في الشخصية الإجتماعية الجديدة. و محوره الخوف من سلطة الذكور القوية و الإحساس بالذنب تجاه المعصية و حل روابط التضامن الإنساني بالإهتمام بتفوق الذات و تبادل العداوة))[٥].

٥) دين التحكم التقني. هناك ما يسميه فروم بـ “شخصية التسويق” و هي شخصية ((ترتكز على ممارسة النفس كسلعة، حيث يصبح الكائن الحي بضاعة تباع في سوق الشخصية، قيمته بقيمة البضاعة، و على نوعية البضاعة يتوقف البيع و الشراء))[٦]. ((لقد جعلنا من الآلة إلهاً خضعنا له، و ظننا بأننا أصبحنا آلهة قادرين على كل شيء بالعلم و التقنية، لكن الواقع أثبت أننا صرنا عبيداً عاجزين عن كل شيء))[٧].

إن رد فروم هذه الظواهر للدين يعكس نظرته له على أنه شيء لابد منه لكل إنسان، و لا يستطيع الإنسان الإفلات منه مهما تجلبب بجلباب “العقلانية” و “العلمية”. و لكي نفهم هذا جيدا ينبغي أن نفهم كيف ينظر فروم للإنسان. إن الإنسان في نظر فروم ليس كائنا غرائزيا بل أنه يختلف عن باقي الكائنات في كون الغرائز عنده هي في أدنى مستوياتها و الذي قد يصل لإنعدامها. و ميزة الإنسان هي ((نقصان النزعة الحتمية الغريزية كلما ازددنا رقيا في التطور الحيواني، بالوصول إلى أدنى نقطة في الإنسان، و الذي فيه النهاية صفر في سلم الميزان))[٨]. و يعبر في مكان آخر عن المعنى ذاته جاعلا من غياب العنصر الغريزي سببا في ظهور الإنسان: ((و يمكن تحديد ظهور الإنسان بأنه حدوث في مرحلة سيرورة التطور بلغ فيها التكيف الغريزي حده الأدنى))[٩]. إن غياب الحتمية الغريزية و انبثاق وعي الإنسان بعزلته و فرديته حطم جدار وحدته مع الطبيعة. ((لقد بزغ التاريخ الإجتماعي للإنسان ببزوغه من حالة التوحد مع العالم الطبيعي إلى وعي بنفسه كذاتية منفصلة عن الطبيعة و الناس المحيطين به))[١٠]. إن هذا الشعور بالوحدة و العزلة يكمن في صلب الظاهرة الدينية كما يرى فروم، سواء الظاهرة الدينية الواضحة أو تلك التي تأخذ أشكالا أخرى كما أشرنا. (( و لأن الحاجة إلى نظام للتوجه و الإخلاص جزء جوهري من الوجود الإنساني نستطيع أن نفهم شدة هذه الحاجة. و بالفعل، ليس في الإنسان مصدر آخر للطاقة أقوى منه. و ليس الإنسان حراً في أن تكون لديه أو لا تكون لديه “مُثُل”، و لكنه حر في أن يختار بين أنواع مختلفة من المثل، بين أن يكون متفانيا في عبادة القوة و التدمير و أن يكون مخلصا للعقل و الحب. و كل الناس “مثاليون” و يجاهدون من أجل شيء يتجاوز بلوغ الإشباع الجسدي)). ((و ليست المسألة هل الدين أم لا بل أي نوع من الدين، و هل هو دين يرفد نمو الإنسان، و تفتّح قدراته الإنسانية، أم هو دين يشلها))[١١].

يضع فروم تمييزا أساسيا بين نوعين من الدين:

١) الدين التسلطي.

٢) الدين الإنساني.

إن مبدأ الدين التسلطي هو إقرار الإنسان بوجود سلطة عليّة خارج نفسه و أن ((هذه السلطة، بسبب ما تمارسه من السيطرة، تستحق “الطاعة و الإجلال و العبادة”)). ((و العنصر الجوهري في الدين التسلطي و الخبرة الدينية التسلطية هو الإنقياد إلى سلطان يتجاوز الإنسان. و الفضيلة الرئيسية في هذا النمط من الدين هي الطاعة، و الإثم الأكبر هو التمرد)). و كما تكون السلطة إلهية فقد تكون دنيوية كذلك حيث يكون “الفوهرر” مثلا هو موضوع العبادة.

أما الدين الإنساني فإنه ((يتمحور حول الإنسان و قوته)). ((و الخبرة الدينية في هذا النوع من الدين هي خبرة هي خبرة الوحدة مع الكل، القائمة على اتصال المرء بالعالم كما يُفهم. و غاية الإنسان في الدين الإنساني هي تحقيق القوة الكبرى، لا العجز الأكبر؛ و الفضيلة هي تحقيق الذات، لا الطاعة. و الإيمان هو يقين اقتناع قائم على خبرة المرء الفكرية و الشعورية، لا الموافقة على عروض العارض بالدين المؤخَّر))[١٢].

و الملاحظة الأهم هي أن هذا التمييز ليس بين الأديان التأليهية و غير التأليهية. و بين الأديان بالمعنى الضيق للكلمة و الأنظمة الفلسفية ذات الصفة الدينية. و ليس هناك دين تسلطي بالكامل و دين انساني بالكامل، فالفيصل هو تجربة الإنسان و شعوره. فقد يكون الدين التأليهي انسانيا حيث يكون محوره سعادة الإنسان و الوصول به إلى تحقيق كامل لذاته و قدراته، كما كانت الأديان التوحيدية في بدايتها قبل أن تتحول إلى أنظمة قمعية تسلطية. ((فما يهم في كل هذه الأنظمة ليس النظام الفكري في حد ذاته بل الموقف الإنساني الكامن في أساس مذاهبها))[١٣].

المصادر:

إيريك فروم: التحليل النفسي و الدين، ترجمة محمود منقذ الهاشقي، دار الحوار، الطبعة الأولى ٢٠١٢، ص٨٧.

[٢]. المصدر السابق نفسه. ص٩٤-٩٥.

[٣]. المصدر السابق نفسه. ص٩٦-٩٧.

[٤]. المصدر السابق نفسه. ص٩٧.

[٥]. إيريك فروم: أن تملك أو أن تكون؟ تعريب وضحاء فخري، بيسان للنشر و التوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٤، ص١٩٣.

[٦]. المصدر السابق نفسه، ص١٩٤.

[٧]. المصدر السابق نفسه، ص٢٠٠.

[٨]. إيريك فروم: ثورة الأمل، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الكلمة، الطبعة الأولى ٢٠١٠، ص١٠١.

[٩]. إيريك فروم: الإنسان من اجل ذاته، ترجمة مجمود منقذ الهاشمي، الطبعة الأولى ٢٠٠٧، ص٧٤.

[١٠]. إيريك فروم: الخوف من الحرية، ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، الطبعة الأولى ١٩٧٢، ص٢٧.

[١١]. التحليل النفسي و الدين، ص٩٠-٩١.

[١٢]. المصدر السابق نفسه، ص٩٩-١٠١.

[١٣]. المصدر السابق نفسه، ص١٠٢

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قراءة في رواية: لعبة المرايا

الدكتور عبدالله المعقول “جراء” مؤلف للكاتب المغربي المصطفى غزلاني (ط1،منشورات عكاظ،2015). يفهم من وجه الغلاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *