الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الروائي السوري نبيل سليمان للمجلة الثقافية الجزائرية: الرواية بالنسبة لي هي الحقيقة الوحيدة، وأنا أكتب ذنوبي!

الروائي السوري نبيل سليمان للمجلة الثقافية الجزائرية: الرواية بالنسبة لي هي الحقيقة الوحيدة، وأنا أكتب ذنوبي!

روائي كبير وناقد يعي أن الرواية هي المغامرة التي يجب خوضها، لا تهمه المسميات الجاهزة، لكنه يقول كلمته بجسارة كاتب يريد أن يترك بصمة خاصة به في المتن الروائي العربي كما فعل هو. في هذا في هذا الحوار، حاولنا اقتحام أسوار الروائي والناقد والقارئ والمثقف نبيل سليمان، لقراءة منه خطوط المشهد الراهن، بين الرواية والخراب الإجتماعي والإسقاطات اليومية التي يجتر مرارتها من يحمل هم الإنسان وهم الكتابة عنه معاً.. فكان هذا اللقاء..

المجلة الثقافية الجزائرية:  دعنا نبدأ من روايتك المؤلمة (ليل العالم) التي رصدت فيها التحولات الاجتماعية والسياسة الجذرية التي شهدتها الرقة على مدى نصف قرن؟

نبيل سليمان: عرفت الرقة في أول أكتوبر 1967 عندما عينتني وزارة التربية مدرساً للأدب العربي في الثانويات هناك، عقب تخرجي من الجامعة. كانت الرقة مثل فتاة في الرابعة عشرة. عندنا، في بلاد الشام: سورية ولبنان وفلسطين والأردن، يضرب المثل ببنت (الأربعتعش)، فهل في الجزائر مثل ذلك؟
قضيت في الرقة خمس سنوات جعلَتْها جزءاً من تكويني. ومنذ غادرتها عام 1972 إلى حلب، حاولت مرة بعد مرة أن أكتب رواية عن ذلك التكوين الرقاوي (الرقّي) وأخفقت في كل مرة حتى جاء الزلزال السوري 2011، وكان للرقة نصيب ما مثله نصيب، ابتداءً من المظاهرات السلمية إلى قمعها إلى الانتكاسة بسيطرة الإسلاميين على المدينة، وهو ما انتهى إلى سيطرة داعش وإعلان الرقة عاصمة لدولة الخلافة. لهذه الكارثة فضلها عليّ، فلولاها ربما لم أكن لأتمكن من كتابة رواية عن تكويني الرقاوي. وهكذا عادت إليّ وعدت إلى خمسين سنة مضت، وقد كان آخر لقاء لي بالرقة 2010، إذ لم أكد أنقطع عنها سنة بعدما غادرتها، ولم تنقطع علاقاتي بها حتى بعد سيطرة داعش عليها.

المجلة الثقافية الجزائرية: وأنت بعيد جسدياً عن المدينة، ما هي المرجعية السردية الأساسية التي اعتمدت عليها لتوصيف مصائر الناس خصوصاً في زمن داعش؟

نبيل سليمان: المرجعية هي ما اختزنت في أعماقي من الرقة فيما بين 1967-1972، وهو ما ظلّ يتعزز حتى اليوم، ولم تزده سنوات داعش إلا تعزيزاً عبر من أتواصل معهم من الأصدقاء والجيران الذين نزحوا من الرقة إلى اللاذقية، حيث أقيم، وإلى سواها، سواء في سورية أم تركيا أم ألمانيا وسواهما.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا عن المكان؟

نبيل سليمان: حين دخلت الرقة أول مرة لم يكن فيها إلا شارع مُسَفْلت. وخلال نصف قرن تطور العمران فيها، وترامت أطرافها، وازدانت بالحدائق، والساحات، وكل ذلك دُمّر شر تدمير، بفعل من استولوا على المدينة من المسلحين المتأسلمين، وبفعل صراعاتهم مع بعضهم، وبتتويج داعش لكل ذلك. وكذلك بفعل قرين داعش معها، أقصد قوات التحالف بالقيادة الأمريكية والتي دمرت المدينة فوق دمارها، بدعوى القضاء على داعش. والمهم بالنسبة لي في رواية (ليل العالم) هو تلك البيوت التي قمت فيها، وتنقلت بينها. المهم هو نهر الفرات والحوايج والثانويات التي درست فيها، المهم هو سور الرقة وقصر البنات وحارة العجيلي وحارة البكري وحارة البياطرة وشارع المنصور والمشلب وموقع معركة صفين و….. هو ذلك المكان البكر الفاتن في الرقة وفي سوارها، بربيعه وثلوجه وفيضان الفرات والمراعي و …..
ثم يأتي ما تبدل حتى وقعت الواقعة وجاءت جبهة النصرة فداعش: دوّار الساعة ودوّار النعيم وقطع الرقاب في هذا الدوّار وفي ذاك. لقد صار المكان هو الإنسان قاتلاً ومقتولاً، وهذا ما حاولت (ليل العالم) أن ترسمه وتعبر عنه.

المجلة الثقافية الجزائرية: وفي (جداريات الشام – نمنوما) نجحت إلى حد بعيد في رصد الحياة الاجتماعية، فالرواية كانت حيادية وموضوعية حيال الحراك السوري حيث عبّرت مختلف الشرائح والمواقف السياسية للنظام والمعارضة والرماديين والصامتين.. لماذا لم تكن منحازاً بالكامل لموقفك السياسي؟

نبيل سليمان: لأن سورية زلزلت زلزالها، فقد تزلزل كياني، وفي صلبه: كتابتي. هكذا كتبت (جداريات الشام) سنة 2013، وأوقفتها على السنة الأولى للزلزال (2011) ابتداءً من المظاهرات السلمية حتى بدأ داء العسكرة والأسلمة في نهاية السنة الأولى. وقد حاولت الرواية أن تقدم المشهد في أغلب الأرجاء السورية، وإن تكن البؤرة تحددت في دمشق واللاذقية. وربما كان التحدي الذي واجهته في هذه الرواية هو الأصعب، لأنه التحدي الذي يواجهه الإبداع عندما يتعلق بزمن إنجازه، أي بالراهن، بالأحرى، بالتاريخ الجاري، الساخن، حيث مزالق اللهاث خلف العابر، والشعاراتية، والافتقار إلى النظر التاريخي العميق. والحق أن هذه الرواية تمثل موقفي بالكامل، ولكن إذا صح سؤالك، فلأن الأهم هو أن تقول الرواية ما تشاء، لا أن يجعلها الكاتب يقول ما يشاء هو.

المجلة الثقافية الجزائرية: نلاحظ أن عدداً من رواياتك يعكس لمحات من سيرتك الذاتية منها مثلاً: (مدائن الأرجوان) و(قيس يبكي) و(في غيابها) وغيرها.. لماذا لا تكتب سيرتك الذاتية بالكامل؟ وإلى أي حد استطاع الأديب نبيل سليمان تأريخ ذاتيته كشهادة إبداعية مفتوحة؟

نبيل سليمان: ما أحسبه في حياتي جديراً بأن يكتب، سرى في نسغ الروايات، وبدرجات مختلفة وأشكال مختلفة. ما عدا ذلك يحتاج إلى نرجسية كبرى حتى أبلو به قارئاً أو قارئة، وأنا أفتقر إلى تلك النرجسية، لذلك لم أفكر بأن أكتب سيرة، ولم أحاول. والحق أن السبب الأول والأخير هو أن الرواية بالنسبة لي هي كل شيء، هي الحياة وهي السيرة كما هي الحقيقة وهي الخيال، بالأحرى: هي الحقيقة الوحيدة. بهذا المعنى أظن أن رواية (في غيابها) قدمت شهادة إبداعية مفتوحة، منها وفيها تاريخ ما للذات. وبدرجة مقاربة أظن أن رواية (المسلة) هي كذلك، ابتداءً من الشخصية المحورية التي حملت اسمي الأول.

المجلة الثقافية الجزائرية:  في عملك الإبداعي (مدارات الشرق) حفرت عميقاً في التاريخ.. يخيل لي أنك وظفت التاريخ وتحررت منه إبداعياً وبشكل مدهش في آن معاً، كيف حدث هذا؟

نبيل سليمان: ربما بدأ الأمر بمحاولة الإجابة على السؤال الذي أرقني كما أرّق غيري منذ هزيمة – زلزال 1967. إنه السؤال البسيط جداً والمعقد جداً: لماذا يبدو تاريخنا الحديث سلسلة من الهزائم المصيرية؟ إنه السؤال الذي حاول مفكرون من أمثال مهدي عامل وهادي العلوي والياس مرقص وحسن حنفي ومحمد عبد الجابري و…. أن يجيبوا عليه في دراساتهم، كما حاول روائيون وشعراء أن يجيبوا في إبداعاتهم. وعلى مستوى آخر، يبدو أن لبعض الكتاب، وأنا منهم، لحظة جنون، بدونها لا يوجد شيء اسمه مشروع العمر.
(مدارات الشرق) هي مشروع العمر، وهي لحظة جنون، أي سبع سنوات من العمل اليومي، ولم أخطط لأن تكون أربعة أجزاء ولا ثلاثة. هي جاءت هكذا. هي قررت أن تكون في 2400 صفحة، وهي تمثلت مئات المراجع والمصادر والوثائق والمجلات والصحف مما يتعلق بالنصف الأول من القرن العشرين في سورية بخاصة، وحيث اقتضى الأمر.
أحياناً لا أريد أن أرى (مدارات الشرق)، لأنني أسمعها تخاطبني: ما عدت تستطيع أن تغامر كما غامرت من أجلي.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل يمكن للمثقف أن يحافظ على الحد الأدنى من شرف الكلمة دون التورط في أوحال “الكوطات” السياسية وما فيها من ريع؟

نبيل سليمان: بالطبع يمكن للمثقف أن يفعل ذلك، ومن دون ذلك هو مثقف بلا شرف. لكن الأمر له ضريبته التي قد تصل إلى حد أن تكون عنق المثقف في زمن استشراء أدواء الأنظمة القامعة والأسلمة والعسكرة. الأمر يتطلب درجة أعلى فأعلى من النزاهة، ومن الشجاعة التي تنصرك على النفاق والانتهازية قبل أن تنصرك على القامع أياً يكن ما يتبرقع به.

المجلة الثقافية الجزائرية:  وسط حالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي الجاري أود أن أسألك: كيف تناولت الرواية السورية موضوع “الآخر” باعتباره من الموضوعات الحساسة ثقافياً واجتماعياً وإيديولوجياً؟

نبيل سليمان: المجتمع السوري فسيفساء من العرب والأكراد والأرمن والسريان والشركس، ومن الإسلام والمسيحية، ومن السنة والعلويين والدروز والإسماعليين واليزيديين. وهذه الفسيفساء كانت شديدة التناغم والتماسك والتفاعل، على الرغم من أن الاستعمار الفرنسي حاول أن يشقق هذه اللوحة الفسيفسائية البديعة والخصيبة.
لكن غياب الديمقراطية، واستنقاع واستفحال الديكتاتورية، وتعطيل السياسة في المجتمع، جعل الهويات الصغرى تنبق، وبدأ العطب يصيب الفسيفساء السورية. وقد تفاقم ذلك خلال سنوات الزلزال منذ 2011، وضاعفته التنظيمات المعارضة المسلحة وغير المسلحة من دعاة الطائفية.
كل ذلك كانت له تعبيراته الروائية، من منظور نقدي غالباً جداً، لكن قلة قليلة جداً بدأ الوباء الطائفي يتسرب إليها.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يتكلم عن بزوغ ما يعرف بالرواية السورية في المنفى باعتبارها نضالاً إبداعياً من نوع آخر. ما رأيك؟

نبيل سليمان: بفعل الزلزال خرج من سورية كثيرون وكثيرات من المبدعين والمبدعات. أضف إلى هؤلاء أن أصواتاً جديدة شبابية بدأت بالظهور في مواطن النزوح واللجوء، في المنفى. وفي الرواية التي ظهرت في المنفى تجدر الإشارة إلى أعمال هيثم حسين ومحمود جاسم الحسن وسمر يزبك ومها حسن وروزا ياسين حسن وديما ونوس وفواز حداد وإبراهيم اليوسف… وأنا أضيف إلى مثل هذا التصنيف الروايات السورية التي تظهر في المنفى ولا يسمح لها بالظهور في سورية، وإن يكن كتّابها مقيمين في سورية، مثال بعض أعمال خالد خليفة وسوسن جميل حسن وعتاب شبيب وسومر شحادة وخليل صويلح ونبيل سليمان.
إذا لم يُنظر إلى رواية المنفى بهذا المنظور، أي بمعزل عن مكان الكاتب، داخل سورية أم خارجها، فالقول يبقى ناقصاً. وعلى أية حال، لا أدري ما إذا كان يستقيم القول بنضال إبداعي، فكلمات النضال والكفاح والثورة والجماهير استهلكت. ويبقى الأهم أن هذه المدونة الروائية الكبيرة التي ظهرت على وقع الزلزال، وكتبت عن سورية السنوات السبع الماضية، فيها الكثير من محاذير الكتابة عن الراهن، حيث تجلجل الدعوة إلى الانتظار حتى (تختمر) الوقائع. ولكن ثمة روايات تجاوزت هذه المحاذير، كما هو الأمر في تاريخ الرواية التي كُتبتْ في زمن الحروب والصراعات والكوارث.

المجلة الثقافية الجزائرية:  اتجهت للنقد بعد وقت طويل من ممارستك للرواية. هل يتسلل الناقد إلى عوالم الروائي أثناء الكتابة أم يتماهى معه منذ اللحظة الأولى؟

نبيل سليمان: ما دام الناقد والروائي في إهاب واحد، فللناقد فعله، ولكن بأية صيغة من ألف صيغة وصيغة؟ هل يفرض نفسه كرقيب حاضر طوال الوقت؟ هل يحضر كوعي للذات الروائية، ومساعد بالتالي على الارتقاء بها، أم كمعوّق ومتعالم ومتفيهق؟
أزعم أنني نجوت من هذا التعويق منذ الرواية الأولى. ولعلي ازددت نجاة كلما تقدمت على درب النقد، وليس العكس، لأنني – ببساطة – أنسى أنني أكتب حرفاً في النقد عندما أكتب رواية. لكنني في الكتابة الثانية أو الثالثة للرواية، أوقظ الناقد فيّ من غفوته وأدعوه إلى أن يدقق النظر في الرواية، فيكون بذلك لي عوناً.

المجلة الثقافية الجزائرية: عندي فضول لمعرفة كيف يكتب نبيل سليمان؟ هل لديك طقوس خاصة قبل وأثناء وبعد الكتابة؟

نبيل سليمان: قبل الكتابة الروائية أتهيأ للمشروع بالبحث ما أمكنني في كل ما يتصل به. وبالتالي أعدّ عدّتي سواء بالقراءة أو بمعاينة ما سيكون الجغرافيا الروائية وما إلى ذلك. أما أثناء الكتابة فتأخذني (غيابة الجبّ)، لكنه ليس جبّ يوسف، بل جبّ الكتابة، ولا أنشد إلا العزلة والصمت وعافية الجسد. بعد الكتابة أخرج إلى (النقاهة)، أستريح من الكتابة بالقراءة وبالسفر وبأسرار أخرى، وأبدأ مراودة مشروع جديد.

المجلة الثقافية الجزائرية: أرغب في سؤالك الآن عن مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟

نبيل سليمان: أنا على صلة حارة مع الأدب في الجزائر، منذ عهدي بالجامعة وقراءتي روايات الجامعة وكاتب ياسين ومحمد ديب. ولم تزد السنون هذه الصلة إلا حرارة حتى هذا اليوم. وقد كتبت عن كثير من روايات الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة وواسيني الأعرج وبشير مفتي وأمين الزاوي و..

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا يقودني إلى السؤال لماذا عجزت الرواية الجزائرية برأيك في المنافسة على جائزة البوكر؟

نبيل سليمان: لا أعزو الأمر إلى الرواية الجزائرية، ثمة نصوص جزائرية تتجاوز الكثير من الروايات التي فازت بالبوكر العربية. لكن الأمر يتعلق بالنصوص المتنافسة، وبالمشاركة الجزائرية، وبلجان التحكيم من دورة إلى دورة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

نبيل سليمان: أقرأ كتاب كورت رافلوب (مغامرة العقل البشري)، وكتاب (التفكير النقدي: مدخل إلى الجدالات الكبرى) لمجموعة من المؤلفين.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتب؟

نبيل سليمان: عندما يُرى عندنا مثلي يكتب، ويسأل أحدهم آخر عما يكتب هذا الأهبل، يكون الجواب (يكتب ذنوبه) وأنا أكتب ذنوبي، أي أحاول أن أكتب رواية جديدة.

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

المفكّر والأكاديمي العراقي د.عبد الله إبراهيم للمجلة الثقافية الجزائرية: الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية تستغرق في الإنشاء، والإطناب..

الإنشاء شحم ينبغي نزعه عن السرد وإلا أجهز على الرواية.. والمؤسف أن سوق الرواية ما …

تعليق واحد

  1. حوار راائع ..استطاع المحاور ان يستخرج من الكاتب لواعجه النفسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *