ثقافة المقال

الكتاب الورقي على عرشه باقٍ..؟!

بقلم: بشير خلف

ارتفعت تحذيرات من أن الكتاب الورقي في خطر، وقد يتلاشى نهائياً في وقت أقرب ممّا كان متوقعاً، جراء الثورة التقنية، وشيوع الكتب الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر اللوحية،ولفت الخبير في مجال التكنولوجيا، نيكولاس نيغروبونتي، مؤسس «كمبيوتر محمول لكل طفل»، إلى أن أيام الكتاب التقليدي أصبحت معدودة «سيكون ذلك في غضون خمسة أعوام القادمة»..وهو واثق أيضا من أن بلدان العالم الثالث ستكون أسرع، وأكثر تأهيلا في تبنّي الكتاب الإلكتروني..

إن ما يبشر به هذا الرجل المتخصص، والخبير في مجال تكنولوجيا الإعلام والنشر الورقي سابقٌ لأوانه في بلدان العالم النامي التي يراهن عليها في تخصيص كمبيوتر محمول لكل طفل بسعر مقبول، ينطلق من معايشة ميدانية للبلدان الغربية، وبلدان أخرى تنحو منحاها في عالم التكنولوجيا، وصناعة وسائل النشر الإلكتروني كاليابان،والصين، وكوريا الجنوبية، والهند.

بنى مشروعه على أساس أن الكتاب الورقي في طريقه إلى الاختفاء نهائيا أي بحلول 2015 في تقديره بأن العالم كله سيدخل النشر الإلكتروني في هذا التاريخ، وأن الكتاب الورقي ستتخلص منه البشرية كعبءٍ ثقيل، ومادة كانت تشغل مساحات تشارك الإنسان مقرّ إقامته، وترهقه في تصفحها، والبحث عن الفكرة والمعلومة بها، وارتفاع أسعاره، واستنزاف الغابات كمادة أولية لتصنيعه، ممّا يزيد من كارثية الاحتباس الحراري.

إذا انطلقنا من الغرب نفسه الذي في رأيه تجاوز مرحلة الكتاب الورقي، فإن الردّ المُفءحِـم يأتي من المعارض الدولية المشهورة للكتاب الورقي الذي ينتظم سنويا في كبرى عواصم هذه البلدان الغربية بعينها، ولنأخذ على سبيل المثال معرض فرانكفورت الدولي للكتاب الذي انتظم في شهر أكتوبر الماضي 2010 ويُعدّ الأكبر في العالم بمشاركة 111 بلدا، وبمشاركة 7533 دار نشْرٍ، وبلغت العناوين المعروضة 400 ألف عنوان كلها من قبل ناشرين، وليست من دكاكين كتب تتكدس بها عناوين قديمة تتنقل بها من هذا المعرض إلى ذاك كسلعة كاسدة من سوق إلى آخر..أهمية هذا المعرض للكتاب الورقي غطى فعالياته أكثر من عشرة آلاف صحفي، فضلاً عن الندوات الفكرية،وتوقيع العقود، وشراء حقوق الترجمة، وبكل أسفٍ أن حظ الكتاب العربي في هذا المعرض الدولي ضئيلٌ…

معارض دولية سنوية للكتاب دأبت على تنظيمها في تاريخ محدد دول في الشرق والغرب، ومنها الدول العربية بما في ذلك المعرض الدولي للكتاب بالجزائر الذي شاركت فيه 27 دولة و700 ناشر،وحسب الإحصاءات الرسمية، فإن معرض الكتاب الدولي هذا الـ14  سجل 150 ألف زائر كل يوم و250 ألفا في اليوم الأخير، وهو ما اعتُــبر إنجازا مهما. شاركت في المعرض  146 دار نشر جزائرية و165 دار نشر عربية، أغلبها من لبنان، وسوريا،والسعودية، وأبو ظبي و25 دار نشر أجنبية، من بينها 21 فرنسية، وعرف إقبالا كبيرا على الكتب الدينية، والتراثية، والجامعية وكتب الأطفال، مقابل الاهتمام الضعيف بالكتب الفكرية..

كما شهد المعرض أكثر من 50 نشاطا ثقافيا من محاضرات، وندوات وأمسيات شعرية، احتلت القضية الفلسطينية صدارتها، حسب ما قال مسؤول الأنشطة الثقافية بالمعرض.. وبشهادة الجميع من دور نشر خارجية ومحلية وزوّار كان المعرض ناجحًا هذه السنة إلى حدٍّ بعيد، وكان مؤشر الاقتناء خاصة الكتاب العلمي، وكتاب الطفل مرتفعًا. إعلاميون عرب وجزائريون يمتلكون صحفا يومية الصدور ورقيا، كما هي إلكترونيا على الشبكة بعد خبرة معتبرة يُـقـرّون بأن النشر الالكتروني لم يُــزح الكتاب الورقي عن واجهة الصدارة، ولم تحقق تلك التجارب في النشر الالكتروني للكتاب عبر العالم نسبة مبيعات تتجاوز 1٪ مقارنة بما هو عليه الكتاب الورقي،لأن الناشر الغربي مشارك حقيقي في صناعة الكتاب، وفي حفظ حقوق المؤلف، وفي مهمة الترويج، والإعلان، وهو جزء من قانون إنتاج الكتاب المتمثل بثالوث الناشر والمؤلف والقارئ.

النجاح الذي حققته الصحافة الالكترونية لم يكن كفيلاً بإزاحة الصحافة الورقية، إلا أنه أثر عليها حتماً، وإن كان أسهم أيضاً في انتشارها لسهولة الوصول إليها مما رفع نسبة عدد القراء. الكتاب حالة أخرى لم تحقق فيه وسائل النشر الالكتروني الإزاحة المتوقعة، ولكنها ساهمت أيضاً بالعكس عبر مواقعها في انتشار الكتاب الورقي وزيادة الطلب عليه. ما يُستخلص أن الكتاب الورقي في عالمنا النامي لن يتزحزح عن عرشه لاعتبارات موضوعية عديدة،ولن يحلّ محلّه في المدى القريب، ولا حتى في المدى المتوسط  الكتابُ الإلكتروني، والمطبوعة الإلكترونية، من هذه الاعتبارات نسبة الأمية  المرتفعة، والتسرب المدرسي الذي يدفع كل سنة بآلاف المتمدرسين إلى الشارع ، وعودة الأمية إلى الآلاف كل سنة أيضًا..كما أن أغلب الشعوب العربية لا تستعمل الإنترنيت بسبب الفاقة، والكثير يتوجسون خيفة منه بتأثير ما يسمعون عن الاستعمال السلبي له ممّا يؤثر في تربية الأبناء وتوجيههم.

إن العديد من المثقفين، والكُتّاب العرب لا يروْن الحلّ في أن تأخذ المعرفة مكانتها لدى الإنسان العربي من خلال الكتاب الإلكتروني، الحلّ في الالتفات إلى هذا الإنسان البئيس، والاهتمام بيومياته، وانشغالاته، وتحسين الخدمات التي من المفترض أن تكون بين يديه، حتى يشعر بإنسانيته، بما في ذلك جودة التربية والتعليم، كي يرتفع مستواه الفكري والمادي، ممّا يسمح له بالتطلع إلى منتجات الحضارة المعاصرة.

إن الكتاب الورقي في اعتقادي الشخصي باقٍ، ولا أحسب أنه سيتزحزح في المنظور القريب، ولا المتوسط، ولا حتى البعيد طالما حالنا هو هذا من التخلف ليس العلمي والفكري فحسب..تخلف يُحكم قبضته علينا في جميع المجالات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق