عباد الشمس

بقلم: سماح الشريف

انتظرته في زاوية مطعم صغير، لا شيء واضحًا من حولها، فالضوء خافت على نحو يدفع إلى الملل والضيق، غير أنّ ثمّة شعاع نور ينسلّ كلّما أقبل أحد الزبائن أو رحل من الباب المقابل لطاولتها، فتتعلّق عيناها السمراوان بمن يدلف ثمّ لا تلبث أنْ تشعر بالخيبة والإحباط.

إنّها قمحيّة اللون في أواخر العقد الثاني من العمر، مليحة الوجه تكسو ملامحها أمارات حزن عميق تبرق آثاره في مقلتيها، لا فكرة تستوقفها غير تأخّره كعادته، يخبرها أن سنلتقي، فلا أحبّ الانتظار، وتسبقه فيأتي متعلّلًا بسببٍ ما، ويعدُ بعدم التكرار، هو كما هو، هذا لقاؤهما الثاني بعد قطيعة استمرّت نحو خمسة أعوام، لا سبب واضحًا لهجره لها استطاعت أن تصوغه لعقلها فيقبله، ربّما رجوعه كان أمرًا جيّدًا بعد تعدّد الخيبات وتسرّب العمر، ووجدت في نصائح الأهل والأصدقاء عذرًا له.

– كثرة القراءة أفسدت حياتك، وجعلَت منك إنسانًا لا يتنازل ولا يفرّط، على نحو تبغين فيه الكمال، والكمال لله وحده.

لم تكن الأسئلة التي عبثت بصبرها نتاج تأخّره اليوم، بل اختزلت تلك الأعوام بين طيّاتها، أكان عليها انتظاره؟ أم حقّ عليه كنوع من الاعتذار وإبداء الندم أن ينتظرها؟ حتى فكرة كونها امرأة تنتظر رجلًا، شيء شائن لأنوثتها.

ترحل؟ لكن قولهم أنّكِ تبغين الكمال برق في مخيّلتها فأجلسها وجعلها تهاتفه، فرصة أخيرة لن تضرّ، هو الذي عاد، وليست هي من استجدته، أليس رجوعه يحمل نوعًا من الاعتذار وردًّا للاعتبار؟ أشعَرَها ذلك بشيء من الارتياح ولم تجد غضاضة في أن تخرج هاتفها المحمول، وتتحدّث إليه، لكن باب المطعم جاء بالضوء وبه، ومنحها موقعُ طاولتها فرصةً لتأمّله… طويل القامة بهيّ الطلعة متّسق الملامح، حتّى إنّك تشعر بالزهو إن رافقته إلى مكان ما، تعلو ملامحه علامات دهشة كطفل يكتشف عالمًا جديدًا ولمّا وقعت عيناه المتردّدتان عليها، احمرّت وجنتاها وراحت تتصنّع العبث بالهاتف، وكأنّها لم ترَه.

أقبل نحوها، وخفقات قلبها تعلو على أنفاسها ممّا أربكها، وصار من الواضح أنّها تخفي أنّها رأته، نظرت إليه بلا تركيز نظرة خاطفة، استجمعت فيها شجاعتها وفشلت أن تشعر بالتماسك فعادت تعبث بحقيبتها.

– لماذا تجلسين هنا حيث الظلام، بالكاد رأيتك؟

– أنا في الظلّ منذ وقت طويل، ثمّ صمتت هنيهة سحب هو خلالها مقعد الطاولة المقابل لمقعدها وجلس، قالت بنبرة كالعائد من جولة في الماضي:

– منذ وقت طويل فعلًا.

نظر إليها وقد زادت علامات الدهشة فوق ملامحه:

– لا ضوء ولا حياة، لا شيء هنا يا عزيزتي لا شيء.

اعتدلت في جلستها على نحو مهاجم، وكأنّه عبث بشيء ثمين ما كان له العبث به قائلةً:

– كلّ شيء هنا، ما زلت ترى ولا ترى، ولا يستوقفك ما وراء الأشياء.

ابتسم ابتسامة، بدا منها أنّه لم يفهم ما تعنيه:

– لا تغضبي؛ كنت أمازحك.

لم تبتسم ممّا زاد إحساسه بالحرج، وصار عليه أن يقول شيئًا قويًّا يحفظ كبرياءه:

– وأنتِ أيضًا ما زلتِ سريعة الغضب، رمقته بنظرة أقرب إلى التعالي فألقى عليها التحيّة وبدا من البلاهة لكليهما أن يتبادلا التحيّة الآن، لكن لا بأس إن كان ذلك سيغيّر مسار الحديث، سألها:

– ماذا ستأكلين؟

– لماذا تأخّرت؟

– الزحام.

التقطت نفسًا عميقًا ثمّ زفرته دفعة واحدة: والمرّة السابقة كان صاحب العمل… لا عليك.

وهمَّ يسرد تفاصيل طريقه إليها، إلا أنّها قاطعته:

– ماذا سنأكل؟

صمت قليلًا ثمّ قال: اختاري أنتِ، ويبدو أنها انتظرت منه أن يكمل حديثه، رغم فظاظة مقاطعتها، وراح كلٌّ منهما يلقي إلى الآخر مهمّة اختيار الطعام، هو إرضاءً لها وهي رغبة في الشعور بطفولتها في كنفه، وبين هذا وذاك، انسلَّ هو فاضطرّت هي للاختيار، وفي انتظار الطعام باغتها بسؤال كان أحرى به أن يسأله في لقائهما الأوّل:

– أين كتاباتك؟! انتظرت طيلة قطيعتنا أن أجد اسمك على إحدى الروايات؟

أجابته على عجل: لكنّ الأمر لم يعد ذا قيمة، أما زلت تذكر؟

– نعم كنتِ رائعة.

همهمت بصوت خافت: لهذا تركتني.

حرَّك رأسه أنّه لم يسمع!

– لا شيء…

عاود حديثه: كان لكِ أسلوب رائع، ما زلت أذكر ذلك.

قاطعته في حدّة، رغم أنّها حرصت ألّا تبدو كذلك:

– وماذا تذكر أيضًا؟

– قصصك القصيرة، كان هناك…

قاطعته مرّة أخرى بنبرة يائسة:

– نعم… نعم، كان… كان.

– كيف كان؟! أتمزحين.

– لا أمزح، لم أعد أكتب.

– لماذا؟ أسلوبك رائع، كنتِ حقًّا متميّزة!

ارتخت في جلستها بارتياح، واعتلى ملامحها الهدوء، وهي تقول: كنت أحبّ الكتابة حقًّا، واكتفيت بها عن الأصدقاء وعن العالم، ولكن مضى عامان أو أكثر لم أكتب ولم أقرأ شيئًا.

واستكملت حديثها كمن أفرج عنه توًّا من أسرٍ طويل، فاشتمّ نسيم الحرّيّة والراحة وقالت: كنت وحيدة، أنا وقلمي وأوراقي وكتبي، لهذا لم أختبر العالم، ولم يختبرني إلّا على استحياء وأشعر…

فجأة أمسك بهاتفه المحمول الذى يضعه أمامه على الطاولة فتوقّفت عن الكلام وراح يقلب فيه قليلًا ثمّ أعطاها إيّاه قائلًا: انظري إلى صوري في المصيف.

تصنّعت ابتسامة ونظرت إلى الصور دون أن تُدقّق فيها وأعادته إليه قائلة:

– ما شاء الله.

فابتسم منتشيًا: هيّا نلتقط “سيلفي” معًا.

– لا.

وذهبت به نشوته إلى التقاط صورة لنفسه فاتَّكأ برأسه على ذراعه اليسرى، وابتسم والتقط صورة، ولمّا نظر إلى هاتفه انكمشت ملامحه فقد اكتشف ممرًّا يمتدّ إلى يساره يفضي إلى عدد من الطاولات الخالية وراءها حائط زجاجيّ يكشف مقعده للمارّة، فقال مُشيرًا برأسه والدهشة المعهودة تعلو ملامحه:

– إنْ مرّ أحد من هنا قد يراني؟ ربما لو غيرنا الطاولة كان أفضل.

ثمّ عاد ينظر إليها فإذا هي محتقنة الوجه كأنّها أوشكت أن تقول شيئًا حادًّا قاسيًا غاضبًا، إلّا أنّها رجعت بظهرها إلى الوراء واكتفت بإطلاق زفيرٍ تجمع فيه جمّ غضبها…

فشعر أنّه فعل شيئًا يستحقّ الاعتذار ودون أن يفسّر ما هو، قال:

– أنا آسف، هيّا أكملي حديثك، رمقته بنظرة حادّة.

– لا عليك.

– هيّا أخبريني لماذا توقّفتِ؟

تأفّفت ضيقًا:

– لا عليك.

فرجع بظهره إلى الوراء مرّة أخرى يراقب المارة عن يساره بحذر متمنّيًا ألّا يراه أحد بينما انحسر الضوء عن وجهها من جراء رجوعه إلى الخلف فأخفى وضوح ملامحها.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ابن القمامة

عبد المجيد صلبي لا صوت يعلوا فوق صوتي. حظي التعيس أنى لم أتعلم قط على يد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *