الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | قراءة في رواية: لعبة المرايا

قراءة في رواية: لعبة المرايا

الدكتور عبدالله المعقول

“جراء” مؤلف للكاتب المغربي المصطفى غزلاني (ط1،منشورات عكاظ،2015). يفهم من وجه الغلاف أن الكاتب أراد لعمله أن يكون رواية،أو جنسه ضمن ذلك؛ ولا شك في كون الرواية كائنة ما كانت تتضمن قصة. وهو ما يدفع إلى التفكير في كيفية حكيها،وعليه نتساءل:كيف يحكي السارد القصة؟. من دون الدخول في تفاصيل نظرية حول “العنونة” نستطيع القول إن الرواية موسومة بعنوان مستفزأو مشوش: جراء. ومعنى ذلك أنه يحث التأويل على ممارسة عمله. العنوان لعبة،إذ يقبل إمكانات متعددة لتدخل فعل القراءة، فقد يصحف القارئ الكلمة ويقرأ “جراب” (جمع أجربة وجرب) “وهو وعاء يحفظ فيه الزاد ونحوه”، أو هو،في الطب، كيس غشائي (كما نقرأ في مادة جرب في المعجم العربي الأساسي). وجراء جمع يحيل على حيوان، المفرد جرو(بفتح الجيم أو بكسرها أو بضمها)، مؤنثه جروة. وقد ورد العنوان نكرة،أي يدل على غير معين أو على ما لا يحدده المتلقي، اللهم إلا إذا فهم منه أنه اسم علم، فيكون معرفة؛يقول يوسف في الرواية،وهو يلعب بأسماء أويختارها،: “فليكن اسمها جراء”(جراء،ص14). الشخصية المركزية(يوسف أو سي يوسف أو لمهف) تنقلنا من حال التنكير إلى حال التعريف، لكن داخل سطور الرواية.

يدرك القارئ بيسر أننا حكمنا على الرواية،منذ البدء، بكونها لعبة. ولا غرابة في ذلك، فالفن في عمقه لعبة باللغة، أو باللون،أو بالصورة…الخ.لكن اللافت للنظر أن لعبة “جراء” من نوع خاص: لعبة جادة وفية،حتى النخاع، لوعد قوة رئيسة، وعد المتخيل. يقول يوسف: “لا أريد الوفاء للواقع كجرو أعمى” (ص14). الرواية متوسطة الحجم(104 ص )؛ يشتغل فيها الحكي،عموما، بحدث مركزي يتشعب ويتمطط ويتوالد عبر المقاطع الحكائية المكثفة في الغالب؛ حدث نواته رغبة يوسف في تشييد (فني)لمشروع/قصة حب طرفاها جراء من جهة (الأنثى) وشخص آخر تمثل (في الرواية) في صؤاب (الذكر)…لكن كل ذلك محكوم بلعبة مركبه. كيف، وبأي معنى؟.

أـ الكتابة لعبة: تبدو الروايةكتابة عن الكتابة أحيانا. وهو ما يقترب من هاجس التجريب. ملفوظات كثيرة تجعل من الكتابة صيرورة :

يقول السارد:”أخذ يشحذ نفسه ..أن الكتابة هي حقيقة، أن الكتابة هي حرية، هي الخلاص، هي الإنسان…هي أنا حين يصير لي سرا” (ص4). يبدو أن الكتابة حقيقة (وليست الحقيقة)، والكتابة حذف (لاحظ نقط الحذف)، وهي صيرورة من الظاهر إلى الباطن (= السر). أيعني ذلك أن الكتابة، في العمق، تأويل، وأنها حركة نحو السر؟ ألا يقودنا ذلك إلى فعل الضحك الساخر، إلى كشف الفضيحة؟ ربما.

ويقول يوسف (لمهف): “أكتب ما لا أريده أن يكون في واقعي لأرفع ما أريد له أن يسود العالم ويعم”(ص19)، ومعناه أن الكتابة رغبة في عالم ممكن، وهو ما يجسد التعالق بين المشروع المتخيل وفعل الكتابة، بين رغبة/حلم يوسف وعالم الحب.

الكتابة، إذن، صيرورة مفتوحة على الممكن الهارب: المحبة أو الحب لا فرق هنا. ولأمر ما لا تنخرط المرأة في هذه الرغبة، أو على الأصح لا تعيها؛ تقول شامة: “أنا لا أفهم الكتاب، لا ما يكتبون، ولا لماذا يكتبون، ولا حتى لمن” (ص33). وربما يفسر ذلك بكون الكتابة تيها (ص49)، أو بكونها فضحا للابتذال ولعالم يظل في جانب كبير منه ذكوريا. عالم لم يكن من الممكن أن يحتضن فعل شهرزاد وسحرها الكامن في سلطة الحكي؟.

نعم، تبدأ الرواية باستهلال دال: “لا يريد من أحد أن يثنيه عن عزمه بالقول إن الحب صار فائضا في الشوارع وممرات الحدائق، أو أن يقول لنا إننا أصبحنا نمارس الحب بدون طقوس كجياع نهمين” (ص4). هنا انتقاذ ضمني للابتذال، وللعري؛ كل شيء يتعرى إلى درجة الابتذال، وصار الحب سلعة مكشوفة في الفضاء العمومي، من هنا الهروب إلى الكتابة في “عالم كله صقيع” بتعبير أحمد بوزفور، وآنذاك يمكن الكتابة بالتجربة وليس عنها (ص80).

الكتابة لا تستقيم، وفق مسار الرواية، خارج الجسد الذي يشيد كيمياء اللغة، أي عبر الجسد وتجاربنا (كما هو معروف مع الطرح المعرفي عند لايكوف  وجونسون …)نعي الأشياء ونعطيها معنى. ولما كانت الكتابة هنا تتقوم بمقوم التحول أو الصيرورة، فإننا نستطيع أن نفهم البناء الاستعاري الذي يؤثث على نحو بارز جسد الحكي. وعليه يجوز الحديث عن الاستعارة المائية. استعارة تتأسس على صورة: الجسد ماء. من هنا نستطيع النفاذ إلى عمق التشاكلا ت الحسية، وهي كثيرة في الحكي:

ـ”شد يوسف على يدها (=فايدة) يريد سحبها إلى دارة القول”(ص9)، ” كانت اليد تبكي”(ص10)،

ـ”وإذا بعينيها (=فايدة) غارقتين في بلل تام” (ص11)،

ـ”ما تزال رائحة التراب المبلل تملأ رحبة كرسي يوسف” (ص13)…

أثناء ذلك تنهض الحسية في النسق التصوري:

ـ”أمام الباب الثامن شعت تينة تشاكس حجر الحيطان” (ص5) ـ “طأطأت رأسها وهي تميل بوجهها”

“ثم عض على قطعة شهد وغاب يتمطق مذاق العسل” (ص9) ـ “أشار إليها بأن تجلس..”(ص10)..الخ.

لا شك في أن للعين،بوصفها عضوالبصر،حضورا بارزا في الحكي والوصف، وهو ما يعكس دورها البالغ في الإدراك، وانسجام ذلك مع النزعة الحسية التي تعني،من بعض الوجوه، حضور رؤية حسية إلى العالم، رؤية الطفل التي تحملها لغة “بريئة” “مدهشة لا تعبأ بسلطة المواضعات” كما عبرنا في سياق آخر(المعقول،طوق الكتابة،ص122،ط1،دار القلم،2014). بهذا المعنى ينهض التخيل “بالطفولة” في الرواية، وهو ما يحتاج إلى دراسة مفصلة.

ب ـ لعبة المرايا: نقصد بها تجليات الصور وأصداءها في المسار الحكائي من خلال آلية التقابل، إن تباينا أو تماثلا، على نحو نوجزه في ما يأتي:

ـ الشخصية مرآة: لمهف يرى في أصحاب القرية يقينه، ويرى في نفسه خلافات العامة وتصوراتهم (ص8)../ وهو جالس في الحانة مع شامة ” كباحث عن وجهه في مرآة، أخذ يعيد طلبه”(ص32)/ هو في مرآة صؤاب لا يميز الجمال الأنثوي عن جمال الوطن والأرض(ص63)…

ـ الفضاء مرآة: تبدأ الرواية بوصف “هندسي للمكان”: “للقرية زقاق وحيد يخترقها من الشمال إلى الجنوب” (ص5). فضاء القرية هنا مشحون بطاقة دلالية تجسد التجاور؛ فالأشياء تتجاور مع بعضها البعض، وهو ما يجعل من المشابهة أساس التخيل. مشابهة تقوم في العمق على عالم “كأن”، عالم الانفصال وليس الاتصال، التجاور وليس التفاعل؛ نقرأ في الرواية: “يبدو دوار أولاد غلام خلال نهارات الصيف كأنه قد خلا من الآدميين، أو كأن المكان راح يغمس نفسه في نفسه خشية شيء ما. لا يعرف اللغط طريقا إلى الحياة إلا عند المغارب..” (ص5). هكذا نكون أمام عالم تبدو فيه الحياة في غاية الرتابة؛ حياة مقلوبة: نهارها ميت وليلها (مؤشر المغارب) لا يخلو من لغط في أوله. واللافت للنظر أن اللغة تحكي هنا بالرتابة والتكرار. نمثل لذلك بقول السارد: “إنه (يوسف) هنا كأنه ليس هنا بالمرة، كأنهم أطياف تغدو وتروح بلا ضلال..” و “كذلك صار منطقه وفعله معهم…وكذلك تتسع الهوة” (ص8) . فضاء على هذا النحو لم يكن من الممكن أن يقبل انبثاق الطاقة الأنثوية الخصبة؛ إنها الأعراف والتقاليد التي لها سلطتها، وبموجب ذلك يتم استدعاء الفعل الآثم أو فعل العصيان الذي لا يستطيع الجهر برغبته، من هنا نفهم علاقة “فايدة” السرية بالشاب الحداد، وما نتج عن ذلك (الحمل الذي لم يحرص الحكي على بناء خاتمته..).

من جهة أخرى يشكل فضاء القرية،في العمق، مرآة لمهف. إذ بدافع الوعي بعمق المكان تشتغل المخيلة منفتحة على فضاء آخر، فضاء واقعي أو متخيل (لا فرق) يحتضن حياة القصة ، وأثناء ذلك يبدو الشخص البدوي (يوسف) مشدودا إلى عالم الفن حيث الرمز والشوق والحلم، حيث العالم الممكن، وبذلك يكون الانفتاح على المستقبل من الداخل وعبر جيوب الذاكرة (حيث القرية وفايدة..)، وعليه نتبين علاقة ضدية عميقة تحكم مسار يوسف قوامها الاتصال والانفصال: الاتصال بفايدة، تذكرا أو تخيلا..، والانفصال عن الحياة الرتيبة وشرائطها في الآن نفسه (الحكم على حياة فايدة بالرتابة ص72). ولا نبالغ إذا قلنا إن العلاقة الضدية تحكم مسار البطل وحيز الأحداث أو المكان. بالمقابل يجسد فضاء المدينة مرآة التحرر وتصعيد المكبوت. في ضوء ذلك نفهم علاقة جراء بصؤاب وبظافر، كما نفهم ذهاب فايدة وهي حبلى (بطريقة غير شرعية) إلى هذا الفضاء..دون أن ننسى حضور المرقص والحانة وما شابه.

تنهض الأحداث محكومة بثنائية الاتصال والانفصال. بذلك نفسر حضور محكيات كثيرة لم تتعرف فيها الأحداث على نهايتها، وكأن الحبكة تعكس واقعا ممزقا لا مجال فيه للتناغم والتفاعل المنتج. يوسف ذو الأصل البدوي يمتلك نصيبا من المعرفة سمح له بإدراك الأشياء خلافا لفهم العامة. لكنه أحيانا لا يستطيع مجاراة واقع بدأت قيمه تنهار أمام أعيننا، علم محكوم بالآلة والعري والثرثرة (عالم رقمي تم في الإفراج عن الجسم بتعبير ميشيل سير)، وفي ممارسة جراء شيء من هذه الملامح، فهي ترثارة متحررة متنطعة متمردة على الوصايا والنصائح (وضمنها وصايا لمهف)، وعليه فهي شاهدة على عالم مسطح تحول فيه الإنسان (لذلك لا نستغرب عدم اهتمامها بالكتابة ص19)، حيث صار الحديث عن السرعة والربح والحركة واللغط والحسية مقابل الحديث عن الروية والوعي والتأمل والحكمة والمحبة، بعبارة واحدة إننا أمام تحول من الطبيعي إلى الاصطناعي ومشتقاته (الحديث عن مظهر تقني عجيب ص56 )، وعليه لا غرابة إذا لم يعد هنا مجال للحديث عن رمزية الحب (الوطن/الارض/المحبة) بالمعنى التقليدي، وإذا اتهمت جراء يوسف بكونه كائنا بالسماع (ص26)، أو فضلت التعرف على زوج المستقبل في “حانة أو رحلة قنص” ((ص22).

كل ذلك يجعلنا نرى في الواقع المحكي مرآة بالألوان. ولا شك في أن الرواية تضع الواقع العربي موضع سؤال. فعلاوة عن الكشف عن ثنائية القرية/المدينة (في المغرب المعاصر) بالشكل الذي رأينا، وبالإضافة إلى إبراز أحداث تعين حقيقة هذا الواقع المركب الذي يقوم على ازدواجية صميمة، يستحضر الحكي صورة للواقع العربي تجسدها شخصية “ظافر”. شخصية تعكس تجربة الرجل المشرقي الذي فقد رجولته أو فحولته إثر انفجار لغم. وإذا نظرنا إلى المعجم نجد أن الوصف “ظافر” يعد في الحكي اسم علم مشبع، وفق مقصدية الخطاب، بالنقيض: اللاظافر؛ ذلك أن ظافرا ليس له من الظفر والفوز والنجاح إلا الاسم، أما في واقع الأعيان فهو فاشل فاقد للفحولة (ص 89) ، إنه رجل وغير رجل في الآن نفسه، هنا يبلغ الهجاء الساخر ذروته. وربما يفترض القارئ، في ضوء هذه المفارقة، مقارنة بين مشرق فقد فحولته على نحو لم يعد معه من الممكن أن يكون أبا، وبين مغرب يعيش ازدواجية عميقة يؤسسها التقليد والحداثة (وضمن ذلك القرية والمدينة وأعطابهما). بالمناسبة يسعى ظافر(حسب الحكي) إلى تعويض فحولته المفقودة في المغرب (علاقة ظافر بجراء وبصؤاب). تجسد صورة ظافر حالة العالم العربي الذي يعد موضوع حروب وصراعات لا يستطيع العرب التحكم فيها، ولا يعملون على الوعي بها من أجل إعادة البناء، بل إن العمل هنا لا يخرج عن اللهو وتمثيل أدوار باذخة لا تليق بالوضع القائم. وعليه تكون الرواية في عمق هجاء الواقع العربي بطريقة فنية أبعد عن التدخل المباشر. ويظل اللعب قائما مثلما يظل الإخفاق مرآة يتعرف فيها الواقع العربي على نفسه.    (الدكتورعبدالله المعقول)

                                                                   

 

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الإنسان المتدين: التحليل الديني عند إيريك فروم

بقلم: حسين جبار يعتبر “الدين” من أقدم الظواهر التي عرفتها الإنسانية، و كذلك من أكثرها …

تعليق واحد

  1. عبدالله المعقول

    تحياتي ومزيدالاستاذ من التألق والتقدم للمجلة المحترمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *