ثقافة المقال

فضيلة السيِّدة فضيلة

فــاروق وادي*

كيف يمكن لمن لا يتقن القراءة، أن يتصدّى لعمليّة الكتابة؟! لقد كان يمكن للتعليق الذي كتبته فضيلة الفاروق تعقيباً على مقالي ‘عن الروائيات الجميلات الفاتنات’ ونشرته في موقع ‘فامو’ الإلكتروني، أن يشكِّل مداخلة مثمرة في حوار الجنس في الكتابة النسويّة العربيّة، خاصّة وأنني جئت في المقال على ذكر الكاتبة وروايتها ‘اكتشاف الشهوة’، واختلفت معها في آرائها حول مهمة تعليم الجنس عبر الرواية!. غير أن ما سطّرته الكاتبة، التي تطمح في كتاباتها إلى تحقيق نوعٍ من الإثارة الحسيّة، جاء هذه المرّة مثيراً.. ولكن للأسى والرثاء. فالكاتبة التي لم تقرأ ما كُتب، وإذا قرأت لم تفهم، انحرفت منذ سطورها الأولى بالقضيّة إلى مسألة لم أطرحها في الأصل: … جمال الروائيات الفلسطينيات؟! ولأن السيدة فضيلة تريد أن تخالف، فقد تصدّت لتفنيد تلك المسألة غير المطروحة، وبلغة لا تعوزها الرّكاكة: ‘الصراحة، الصراحة، لم أر بعد كاتبة فلسطينيّة جميلة فاتنة اشتهرت. كلّهن مسكينات، متوسطات الجمال، لعل بعض من أعرف لهنّ أرواح جميلة’.

أستطيع أن أنساق للمناكفات وحوارات الهامشيّ، فأكذِّب عين من لم تر، بصورٍ لكاتباتنا التي يتوافر لديهن قدر من الجمال، التي لا تريد السيِّدة فضيلة أن تراه، تعامياً أو حسداً أو غيظاً. غير أن تلك ليست هي المسألة، رغم أن من حقي الردّ على تهمة رأي لم أقله، وبنت عليه الكاتبة اتهاماً بأنني أبالغ في جمال كاتبات فلسطين و’هذه المبالغات من نسج خيال الكاتب’ (الذي هو أنا). فكيف ينسج خيالي مبالغات في مسألة لم تكن شاغلي أصلاً؟ لكن الخلل، مرّة أخرى، يكمن في العجز عن القراءة. فكيف بالكتابة؟!

وتغمز السيدة الفاضلة من قناة الرجال الذين فشلوا في تحقيق ‘الشهرة’ (وهي الكلمة السحريّة السّاحرة التي تردِّدها الفاروق في كتاباتها بكثرة)، فتعتقد أن معظم الذين يمارسون نقد النساء المبدعات، ينطلقون في ذلك من عقدة شهرة غير متحقِّقة لهم. فالنقد إذن عمليّة كيديّة، يكيد فيها ذكور فاتهم قطار الشهرة، لنساء اشتهرن بإبداعهن الذي لا تشوبه شائبة. بمعنى أنني لو اقتربت من ‘اكتشاف الشهوة’ نقدياً وسجّلت ملاحظاتي عليها، فإن كلّ ما يقال سيصدر عن عقدة ‘خصاء الشُّهرة’ لدينا، إذا ما اجتهدنا وجمعنا بين نظرية فرويد ونظريّة السيدة الفاروق في واحدة. وتعفي فضيلة الفاروق المرأة من مسؤوليّة الانهيار الأخلاقي ‘لبعض الكاتبات’، اللواتي يصعدن للشهرة بطرق غير مشروعة، فالمسألة بتعبيرها: ‘ليست مشكلتنا، فانهيار الأخلاق الرجاليّة في العالم العربي هي التي قادت بعض الكاتبات أن يتحوّلن إلى عواهر’.

بالتأكيد، أنا لا أعفي الذهنيّة الذكوريّة الانتهازيّة البائسة في عمليّة التصنيع المنحطّة هذه، غير أنني أختلف مع الكاتبة في أن العُهر (كما الحبّ)، لا يمكن أن يتمّ دون وجود شريكين، ذكر وأنثى. ومثلما أن الكاتب العظيم الذي في عمر ‘جدّو’ (كما تُعبِّر الكاتبة) يتهاوى ويسقط وهو يعكف على تصنيع وتشهير كاتبة عديمة الموهبة لأغراض في نفسه، فإن المرأة التي دخلت الأدب بنصّ بائس وبالاتكاء على أوهام ‘جدّو’ الإيروتيكيّة بعد أن رمت عليه غنجها ودلالها، هي أيضاً شريكة أساسيّة في مصنع العهر والتعهير، وغير معفاة من ممارسة دعارة الأدب المقنّعة هذه، وترسيخ بنيان مدرستها المنافية للفضيلة. وهل نعفي فضيلة الفاروق، على سبيل المثال، من ترويج بضاعتها الأدبيّة بالطريقة التي عرضتها، لا في روايتها فحسب، بل أيضاً على (الغلاف الخلفي) لـ ‘اكتشاف الشهوة’، والذي له قيمة الواجهة (الفاترينا) في المحل التجاري. لنقرأ: ‘بين ليلة وضحاها أصبح المطلوب مني أن أكون عاهرة في الفراش، أن أمارس كما يمارس هو، أن أسمعه كل القذارات، أن أمنحه مؤخرتي ليخترقها بعضوه، أن أكون امرأة منسلخة الكيان’.. الخ.. الخ. فهل تقول لنا الكاتبة إن ‘جدّو’ الناشر اقتبس النصّ من وراء ظهرها، وأن أسلوب عرض البضاعة بهذه الطريقة، هي مسؤوليّة ذكوريّة مطلقة لا شأن للأنثى الكاتبة، المبدعة، معلِّمة فنون الجنس من خلال الرواية، فيها؟! لقد كان من المفيد أن تدخل كاتبة جادة، هي عناية جابر، على خطّ مثل هذا الحوار في مقال لها بعنوان ‘أناييس نن وكاتباتنا’ (القدس العربي)، وإن كانت قد فضّلت النأي عن تقديم نماذج من كاتباتنا والتركيز على سيمون ديبوفوار وأناييس نن في تجربة هذا النوع من الكتابة. ومع ذلك، فقد وضعت الكاتبة اصبعها على نقطة جوهريّة في موضوع كتابة المرأة العربيّة للجنس، حين أشارت إلى ظاهرة جديرة بالالتفات، لخّصتها بالقول ‘ثمّة انتهاك أكثر منه كتابة عن الحياة الخاصّة لبعض الكاتبات. انتهاك وليس كشفاً فنياً يفصح عن العلّة، وعن العالم الذي تدور في فلكه’.

انتهاك، قد تكون الكلمة المناسبة كمفتاح للدخول إلى رؤية كتابة الجنس لدى كمّ لا يستهان به من الكتابة الروائيّة النسويّة العربيّة، التي تستدرج رغبة عارمة في تلصص الرجال الذين تدينهم فضيلة الفاروق، وتحمّلهم وحدهم وزر كتابة نسويّة لا تطمح سوى إلى اكتشاف الشهوات واستثارتها، في طموحٍ بورنوغرافي عارٍ من الفنّ والإبداع. نعم، لقد اعتاشت أناييس، في فترة من حياتها، مع رفيقها هنري ميلر، على كتابة قصص جنسيّة لرجل مجهول يدفع لهما على الصفحة، وكان يطلب منهما أن ‘يتجاوزا الشِّعر’ ووصف الأشياء الأخرى، باستثناء الجنس. لكن ما لم تأتِ عناية جابر على ذكره، هي تلك الرسالة المدهشة التي كتبتها نن لذلك الرّجل وانطوت على رؤية جليّة وخلاّقة للجنس في الفنّ والحياة، وصفتها إيزابيل أليندي بأنها ‘تُعرِّف فيها جوهر الإيروسيّة بأستاذيّة’.. ومما قالته نن: ‘إن الجنس يفقد كلّ قوّته حين يصير جليّاً، رتيباً، مبالغاً فيه، وحين يكون هوساً آليّاً يتحوّل إلى إزعاج’!

مثل هذا الوعي يجعلنا نتفهّم بعض تنازلات الكتابة، وهو وعي يسند الروح الأصيلة للكاتب. غير أن كتابة الجنس في غياب الوعي، ودون إتقان القراءة والكتابة، فإن الفضيلة تتطلّب من أصحابه الصّمت. وهو ما كان على السيِّدة فضيلة أن تفعله.. دون تردُّد!

*كاتب فلسطيني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق