ثقافة السرد

ابن القمامة

عبد المجيد صلبي

لا صوت يعلوا فوق صوتي. حظي التعيس أنى لم أتعلم قط على يد معلمة، هل انا شيطان أعمى، أو ان ملامح وجهي جعلت من كل مدراء المدارس التي تعلمت فيها بإبعادي من الاقسام التي تدرس فيها “معلمة_استاذة”، خوفا عليهم من ترك مهنتهم النبيلة. لماذا أصدقائي يدخلون أقسام فيها معلمات جميلات وانا لا. هل انا وقح لتلك الدرجة، نعم انا كذالك اخبرتني به صورتي التي استطعت تحليل ملامحها في سن العاشرة. لم يكن أحد يتجرأ في قول ان ملامح وجهي تثير الاشمئزاز، لكن علمت بالصدفة عندما منعت من دخول قسم المعلمة الحامل، خلسة سمعت المدير يتحدث مع أحد الاساتذة يقول له بالحرف “المعلمة حامل، وهذا التلميذ لا يجب ان يدرس عندها ملامحه لا يجب ان تنظر للنساء، خصوصا وان المعلمة في شهرها السادس “, سيدرس في قسمك كما العادة.
لماذا، ألا يحق لي ان اتعلم على يد معلمة!!!!!
سؤال ظل معي طوال فترة دراستي التعليمة، لم يتحقق للأسف. ولدت هكذا. لم الد نفسي، هل انا انسان أظن ذالك.
معاناتي مع شكلي الوقح استمرت لسنوات وسنوات، كنت وحيدا لم يكن لدي أصدقاء الكل يتجنبني الكل…..
استسمح لم أستطيع وصف ملامحي، فقط لأني لا أعرف ما هو الوصف شيء واحد اعرفه انا بشع الشكل.
كم هي صعبة وأغلب الناس يشفقون على حالك كأنك ضحية نكازاكي او طفل شوارع مأكله قمامة ومسكنه ثياب متلاشية…. نعم أنا طفل شوارع لم يجد من يهتم لأمره، أتذكر قول المارة بجانبي رائحته أقوى من رائحة القمامة، بالفعل فقد كنت اقضى معظم وقتي في مطارح النفايات أبحث لنفسي عن لقمة عيش أسد بها رمقي، واقع مرير كنت اعيشه دون وعي.
أذكر لا الحصر كلما وجدت لحما نتأ أو دجاجة ميتة ظهرت كل اسناني الصدئة فرحا، وجبة غنية بالبروتين، أخذها دون كلل وأغسلها جيدا في نظري. اقوم بطيها.. وسط إناء حديدي نصفه صدى…. المهم أن أكل أنا مجرد طفل شوارع لم يتحملني لا المجتمع ولا المدرسة التي كنت أتوق بشغف أن أتعلم على يد معلمة جميلة.
هو حظي التعيس بين بضع سنوات في المدرسة، مهمش كالكلب المسعور، وسنوات بين أحضان الشوارع ومطارح النفايات. أجمل ما فيها شراب رخيص ببضع دراهم أو استنشاق مخدر السيلسيون ، حينها أمتلك الثروة والحياة كل شيء ، أتصور نفسي في القمة أنا كل شيء ولا شيء يمنعني من فعل ما أريد سوى أن أقف أما معلمة.
هي عقدة طفل الشوارع البائس، التي لن تتحقق.
أتسكع بين المقاهي منتشي بالمخدر غير أبه ممن حولي أدخن بعض من بقايا سجائر البشر، أشفق على حالي خصوصا بعد هروبي من الجمعية التي تبنتي بعدما عثر عليا في أحد الازقة وانا لم أتجاوز بعد شهر من عمري. من أنا!!! سؤال لم تستطيع حتى الشرطة الاجابة عنه …أنا ضحية ليلة حمراء أبطالها يرتدون قناع العفة ومن يعلم، حيوان ويجد من يأويه …. لم أجد حتى من يتبناني وينسيني بعض من قسوة الحياة، لا لشيء سوى شكلي المخيف، الذي يصلح فقط ليكون بطل فيلم رعب دون مكياج، أقولها في نفسي لأني أعرف أنها مستحيلة.
أعيش لنفسي، أنتظر ساعة أودع الدنيا ويكتبون على قبري إن وجد من يقوم بتلك المهمة، (طفل الشوارع)، فقدت الأمل في التمدرس على يد معلمة يعنى لي فقدان الأمل في الحياة السعيدة التي يعيشها -غيري من البشر- .
قرب مطرح النفايات كانت هناك مجموعة من الكلاب المتشردة مثلي، تنبح على غير عادتها، تنبهت لأمرها ظننتها تسألني عن سبب ترك للمدرسة العمومية، اجبتها بحسرة، أه منكم يا كلاب لو كنتم تعرفون قصتي لما تجرأتم، لكن سأجيبكم بصدق الصادقين، أذكر أنه كان يوم خميس شبه غائم، كنا ندرس عند أستاذ كما يلقبونه، أستاذ العربية، اقترب مني وسألني لماذا لم تحضر واجباتك المنزلية، أجبته أن التيار الكهربائي انقطع ليلة البارحة في الجمعية ولم نستطع اتمام واجباتنا …
قال بنبرة شيطانية، أنت السبب لأنك جني وفألك فأل شؤم على الجمعية.
قلت له: أنا جني.
قال: نعم.
قلت: سامحك الله.
تلك اللحظة انهار التلاميذ بالضحك، احمر وجهي وسالت دموعي وانتظرت انتهاء حصته بمضض، لم أعد منذ تلك اللحظة لا للمدرسة ولا للجمعية، أنا مجرد طفل دون هوية. من يدافع عنى من، أطر الجمعية أو من تركتني في الشارع فور ولادتي أم المعلمة الحلم المستحيل، ربما لو كنت أعرف حينها ” البطاش ” لأدافع عن كرامتي أمام ذالك الاستاذ العديم النفع.
نعم هو معروف” بالبطاش”اسم على مسمى، هو حاكم مملكة مطرح النفايات التي كنت أعيش فيها، له النصيب الأوفر من كل شيء له قيمة نجده وسط القمامة من مخلفات البشر، عاشق للخمر نصف أسنانه مبثوره جراء الإهمال، يمتلك دراجة نارية تشبه الخردة لكنها تفي بالغرض كلما دعت الضرورة.
كنت كغيري من المتشردين وحتى من بعض الناس الذين حكمت عليهم ظروف العيش القاهرة ، نجمع ماتيسر من قارورات زجاجية أو بلاستيكية …وكل شيء يمكننا بيعه ،حديد ،كارطون ،…إلخ ثم نبيعه بثمن بخس “للبطاش” الذي بدوره كان يبيعه بثمن مناسب لسماسرة المتلاشيات .هذا هو مصدر رزقنا الذي يدر علينا مدخول يومي يفي بالغرض ،خبز ، بعض السجائر الرخيصة وبطبيعة الحال قنينة خمر .لكن هذا لايعنى أننا كنا نعيش عيشة كريمة بل هي عيشة “الكلاب” نعيش من أجل البقاء وأي بقاء ….تشرد جوع ، نظرة البشر الدونية لنا كمتشردين كلها عوامل تجعل من البحث عن الموت سبيل النجاة .
بين يوم وليلة قتل” البطاش « ، كان مخمورا كعادته سمعنا انه قتل جراء حادثة سير ….لم يصل حتى للمستشفى كان حادث مؤلم .ذهب لدار الفناء هو الأخر تركنا لغطرسة الطبيعة ….من سيحل محلة ، بطبيعة الحال “سعيد” الملقب “بكرواصة” ، سعيد الشمكار العاشق للكرواصة لم تكن علاقتي به جيدة ، كان متغطرس طاغية يحب الاستحواذ على كل الغنائم ،يحرض على السرقة ،لديه نقطة ضعف واحد ة هي “نجلاء” .لم أكن أتحمل طريقة تعامله معي. على الأقل “البطاش”رحمة الله عليه كان يناديني بولدي. ما لعمل أأعيش كالعبد أم ألتجأ للشارع بحثا عن مكان يأويني ما لعمل!!!
لن أنساق وراء “كرواصة ” سأعيش لنفسي بل سأحاول شق طريق يجعلني أدر دخلا متواضعا كيف لا وقد وصلت سن الخامسة عشر حسب وثيقة أحتفظ بها لنفسي مصدرها الجمعية التي كنت أعيش فيها.
مرت حوالي نصف شهر تقريبا على مغادرتي مملكة “كرواصة ” لعنة الله عليه، كنت تائه فيها بين الازقة والشوارع أدخل وأخرج للمقاهى كالباحث عن الكنز المفقود أفترش الكارطون وأنام أينما جفت عيوني غير مبالي بمخاطر مفترسي الشوارع بني جلدتي. أين هي الجنة أين هو الله أين هو الحاكم والرئيس أين هم باقي البشر، الكل نيام إلا الله يراقبني ويراقب تحركاتي دعوته رغم أنى لا أصلي ولا أصوم، أن يجد لي مخرجا لكن إلى متى!!!! سأنتظر.
حياة الشارع حياة اللهو (الحرية)، غطرسة الأقوياء، التمرد، الجوع، الكلام النابي بين حثالة المتشردين أبناء عمومتي، التسول، السرقة. هل سأصبح مجرم بحكم الطبيعة وأدخل منزل السجن غير مبالي بعواقبه، لا أحبذ فكرة العيش بين أربع حيطان إسمنتية تتخللها رائحة عرق قوية. اللهم الشارع بقسوته، لن أصبح مجرما لن أخطئ كما أخطأت من تركتني للشارع، أو كمن فعل بها ببضع دراهم مقابل شهوة لحظية. لست بمفترس للنساء، لست بلص، أنا إنسان حكمت عليه الطبيعة الإنسانية بالتشرد.
وأنا أدخن سيجارة كالمعتوه، وقف أمامي ثلاث شبان برفقتهم شابة جميلة في مقتبل العمر، قال أحدهم ; لا تخف نحن أعضاء جمعية هدفها مساعدة أطفال الشوارع، كان بحوزتهم ملابس بعض من الأكل …بعد حوار مطول قالت الشابة ; مجيد، حدثني عن أحلامك. قلت ; أن أجد من يساعدني في إجراء عملية تجميلية بعدها سأتحدث عما في جعبتي. دون تردد ابتسم الشباب …نعم نعم سنحاول مساعدتك..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق