الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | فارس بلا جو اد

فارس بلا جو اد

مع الاعتزاز بالمسلسل العربي “فارس بلا جواد”

قصة:أسعد العزوني

ذات يوم تناهى إلى مسامع “محمود الحاج علي” أن عدة أسراب من الجراد حطت على مزرعته، وأن هذه المزرعة باتت مهددة إن لم يتم تدارك الموقف والعمل على إنقاذ المزرعة.
وما ان سمع بذلك حتى توجه إلى إمام المسجد طالباً منه اخبار أهل القرية بالأمر، وأن يطلب منهم عبر مكبرات الصوت ان يهبوا لنجدة أخيهم وطرد الجراد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مزرعته.
بسمل الإمام وحوقل وقلب كفيه ومسح لحيته، مراراً بكلتا يديه وقال لصاحب المزرعة:
– يا بني هداك الله، هل أخرجت الزكاة المفروضة عليك لهذا العام والأعوام الماضية؟
وأجابه صاحب المزرعة:
– مولانا، أنت تعلم جيداً أنني كنت أسلمك الزكاة كل عام، لتقوم بتسليمها إلى مستحقيها من الفقراء والمحتاجين.
فسأله الإمام:
– وهل تعتقد ان هذه الأموال وصلت مستحقيها.
فرد عليه صاحب المزرعة:
– علم ذلك عند الله ثم عندك يا شيخ!
أخذ الشيخ يتمتم بكلمات لم يسمعها صاحب المزرعة الذي كان مثل حبة السمسم في المقلاة، الأمر الذي دفعه لمخاطبة الشيخ:
– يا شيخنا لقد قضى الجراد ليلة في المزرعة وأظن انه من المفيد أن نتحرك الآن لطرد ه.
فقال الشيخ:
– يا بني لقد اكتشفت السر.
– وما هو يا شيخنا؟ سأله صاحب المزرعة.
– الفقراء لا يستحقون الصدقات! رد عليه الشيخ.
– لماذا يا مولانا، والله سبحانه فرضها علينا نحن القادرين ان ندفعها لهم؟ سأله صاحب المزرعة.
– لأنهم لم يدعوا الله أن يحمي مزرعتك ويبارك فيها، ولكن اطمئن يا بني فالله سيعوضك بمزرعة أكبر من مزرعتك في الجنة! قال الشيخ.
لم يعد صاحب المزرعة قادراً على تحمل هذه الترهات، وألح على الشيخ ان يطلب من أهل القرية عبر مكبرات الصوت ان يهبوا لإنقاذ المزرعة، لكن الشيخ رفض ذلك، وطلب منه الذهاب إلى المختار وإحضار ورقة مختومة تسمح للإمام باستخدام مكبرات الصوت لإخبار أهل القرية بما يجري في المزرعة.
أسرع صاحب المزرعة إلى المختار وأخبره بالأمر، وطلب منه ورقة مختومة لإمام المسجد، لكن المختار صرخ في وجهه وقال:
– أتريدنا أن نطرد الجراد من مزرعتك ليحط في مزارعنا؟ هل هذا معقول يا رجل، هل ترانا مجانين؟ اذهب بنفسك إلى مزرعتك وتدبر أمرك، ولكن إياك أن تقوم بعمل يغضب الجراد ويضطره لزيارة مزارعنا.
أيقن صاحب المزرعة، أنه لا حياة لمن تنادي، وأن جهوده ضاعت سدى، وان في الأمر سر كبير لا يعلمه إلا الله والإمام والمختار، وقرر الذهاب إلى مزرعته لتفقد أحوالها.
ولكي يكسب الوقت، فكر في الذهاب إلى أحد إخوته لكي يعيره حصاناً يمتطيه إلى المزرعة، لكن أخاه الأول تحجج بأن حصانه مريض وأنه بانتظار الطبيب البيطري لعلاجه، الأمر الذي دفعه لطلب الشيء ذاته من أخيه الثاني الذي اعتذر له بأدب جم وأن حصانه بحاجة إلى حذوة.
فقال صاحب المزرعة أن الأمر بسيط وسيذهب به بنفسه إلى الحذّاء، بيد أن أخاه رفض ذلك خوفاً على حصانه.
توجه صاحب المزرعة إلى أخيه الثالث وطلب منه حصانه، لزيارة مزرعته التي حط فيها الجراد، لكن أخاه رفض أن يعيره حصانه لأنه مدلل، ولا يأكل إلا الحنطة مع السكر، فما كان من صاحب المزرعة إلا أن أخبره بأنه سيطعمه الحنطة مع السكر، غير أن أخاه قال: يا أخي أنت رجل مصاب فهل يعقل أن أثقل عليك بإطعام حصاني الحنطة مع السكر؟
دار صاحب المزرعة على جميع إخوته، الفقير منهم والغني شارحاً لهم الأمر وطالباً حصانا، لكنهم تعذروا بأعذار أوهى من خيوط العنكبوت.
لم يدر الرجل ماذا سيفعل، فالطريق وعرة وبعيدة، والأهل قلوبهم قاسية، ولم ينجدوه، فجلس على ربوة وفكر كثيرا، وبدأ شريط سينمائي يغزو مخيلته سريعاً، كم من الولائم أقامها لإخوته وغيرهم في مزرعته، وأنه لم يتأخر يوماً عن نجدة أحد سواء في مواسم الحصاد أو قطاف الزيتون.
– آه، يا زمن! قالها وقارب الدمع من الانهمار من عينيه ليس حزناً على مزرعته بل حزناً على إخوته وأهل قريته الذين عزوا عنه نجدة وحصاناً.
كان لصاحب المزرعة أخاً بعيداً يكن له إخوته العداء وهداه تفكيره إلى زيارته عل وعسى أن يعيره حصاناً، وعلى الفور توجه إليه، وشرح له الأمر، وكيف امتنع اخوته عن نجدته، فقال له أخوه:
– اسمع يا أخي، لقد جئت طالباً حصاناً واحداً وانا سأعطيك مئة حصان، وستجد أولادي كلهم أمامك لإنقاذ مزرعتك، وسوف لن يعودوا إلا بعد حرق الجراد وإعادة المزرعة إلى أفضل مما كنت عليه، وسيحملون معهم اشجار النخيل لزراعتها في مزرعتك، ولكن هل تضمن لي بأن يسمح إخوتك لأولادي والأحصنة المئة بالوصول إلى مزرعتك!
– لا يا أخي، لا أضمن ذلك، ولو كان في قلوبهم رحمة، لهبوا لإنقاذ مزرعتي، رد عليه صاحب المزرعة وانصرف عائداً وقرر الذهاب إلى مزرعته على قدميه.
وقال في نفسه: لن أدعو الله بخراب بيوتكم، لكن أطلب منه أن ينصفني منكم.
توجه صاحب المزرعة إلى مزرعته وفي نفسه غصة كبيرة، وبينما هو في الطريق وبعد أن حط عليه الليل بظلاله أوقفه شيخ جليل، وطلب منه الجلوس بالقرب منه.
جلس صاحب المزرعة بالقرب من ذلك الشيخ وهو شارد الذهن لا يدر ما يقول.
فقال الشيخ الجليل: اسمع يا ولدي، لقد قام إخوتك برش مزارعهم بالدواء، وتركوا مزرعتك، ولم يخبروك، وسوف يرد الله كيدهم إلى نحورهم، والآن اذهب إلى مزرعتك وستجد أن الجراد لم يلمس ورقة واحدة من مزرعتك، وأنه انتشر في مزارعهم لأن رائحة الدواء استهوته، واختفى الشيخ كما ظهر فجأة.
تابع صاحب المزرعة السير إلى مزرعته، وصدى كلمات الشيخ يتردد على مسامعه.
وقبيل الفجر، وصل إلى المزرعة، فوجدها يانعة لم يمسها سوء، لكن مزارع إخوته كانت حطباً، فصلى ركعتين لله، وقال، اللهم عوض اخوتي خيراً واهدهم سواء السبيل!

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

يحكى أن

محمود الرحبي* يحكى أن دجاجتين هبطتا من جبال ظفار إلى السوق لشراء مؤونة. (حين كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *