الرئيسية | الموقع | ثقافة المقال | مقاصد الشريعة الإسلامية

مقاصد الشريعة الإسلامية

د. محمد عبد الحليم غنيم

الشريعة الإسلامية في أوسع معانيها تعنى الدين الذي جاء من عند الله ، يؤكد ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم ” شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ” ( الشورى : 13 ) . أي أنها باختصار ما سنه الله لعباده وافترضه عليهم ، وهي تأسيا على ذلك عبارة عما جاءت به الرسل من عند الله ، بقصد هداية البشر إلى الحق في الاعتقاد و إلى الخير في السلوك والمعاملات ، وبهذا المعنى يشمل مفهوم العبادة الجوانب الاعتقادية والأخلاقية والعملية . وقد تميزت الشريعة الإسلامية بخصائص عديدة ، غير أن أبرز هذه الخصائص تبدو لنا فيما يلي :
1 ـ أنها ربانية المصدر ، فمصدرها القرآن الكريم الذي أنزل من عند الله على نبيه محمد (ص) .
2 ـ صلاحيتها لكل زمان ومكان .
3 ـ التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم .
4 ـ الجزاء فيها لا يقتصر على الدنيا فقط أو الآخرة فقط ، وإنما الجزاء فيها دنيوي وأخروي .
وقد جاءت الشريعة لصالح العبادة ، يقول الإمام نجم الدين الطوفي ت 716 هـ : ” حيثما توجد المصلحة فثم شرع الله ” والمصلحة المقصودة هنا ليست المصلحة الشخصية وليست الهوى والغرض وإنما هي المصلحة الحقيقية التي تحقق الخير للعباد الذين نزل من أجلهم الدين ، بوصفه رحمة لهم , قال تعالى ” وما أرسلناك إلا رجمة للعالمين ” (الأنبياء: 107) فلا يوجد حكم شرعي إلا وفيه مصلحة حقيقة للعباد وإن خفي ذلك على بعض الناس ، فالله غني عنا وعن عباداتنا . ولم يرد بما افترضه على الناس من فرائض تعذيبهم أو إذلالهم ، وإنما أراد مصلحتهم وما يعود عليهم بالخير والفلاح في دينهم ودنياهم .
ومن هنا كان لابد أن تكون المصلحة المقصودة مطابقة لمقاصد الشريعة حتى تكون مصلحة حقيقية وفي ذلك يقول الإمام حجة الإسلام الغزالي في كتابه المستصفى في علم الأصول : ” نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع , ومقصود الشرع من الخلق خمسة ، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم ، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة ، وكل ما يفوت هذه الأصول مفسدة ودفعه مصلحة” (جـ1 , ص 286) . وهذه المقاصد الخمسة ضرورية لا يستغني عنها البشر في رأي الإمام الشاطبي ، فحياة الإنسان في هذه الدنيا تقوم على هذه الأمور الخمسة ( حفظ النفس والعقل والدين والمال والنسل ) التى تعد ضروريات للإنسان من حيث هو إنسان ، كما تعد أصولا لحقوق الإنسان العامة التي ينادي بها المجتمع الإنساني في عصرنا الحالي على اختلاف أنواعه ودياناته ، ونقف وقفات قصيرة عند هذه المقاصد الخمسة :

أولا : حفظ النفس :
إن الحق في الحياة أصل لكل الحقوق والمقاصد الإنسانية ، ولا مجال لحقوق أخرى إذا أنكرنا على الإنسان هذا الحق ، قال تعالى ” ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ” (الإسراء : 33) .

ثانيا : حفظ العقل :
وإذا كان الإنسان في حاجة إلى حفظ نفسه وحمايتها فإنه في حاجة إلى حفظ العقل الذي به الفهم والإيمان والرشاد إلى الطريق السليم ، والعقل هو الذي يميز الإنسان على الحيوان ، بل الذي يميز المؤمن على الكافر والمشرك , يحكي القرآن الكريم عن الكفار قولهم يوم القيامة ” وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير , فاعترفوا بذنبهم ” (الملك : 10,11).
ثالثا : حفظ الدين :
يعد الدين في ذاته حاجة فطرية للإنسان من حيث هو إنسان، ومن هنا عرف علماء الأديان الإنسان بأنه حيوان متدين ، أو كائن متدين ، لأنه الكائن الوحيد من بين الكائنات الذي يميل إلى التدين بطبعه ، فالتدين خاصة من خواص الإنسان ، فإذا تحدثت الشريعة الإسلامية عن ضرورة حفظ الدين وحمايته فإنها لا تنطلق من فراغ ، بل تركز على نزعة فطرية أصيلة في نفس الإنسان ، وهي نزعة لا تستقيم حياة الإنسان بدونها ، وقد احترم الإسلام هذه النزعة ,فأقر بوضوح مبدأ حرية العقيدة ، قال تعالى ” لا إكراه في الدين ” (البقرة : 256) وقال أيضا ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” (الكهف : 29) . أما دعوة الآخر إلى هذا الدين فيجب أن تكون بالحسنى والموعظة القائمة على تقدير الآخر واحترامه , قال تعالى ” وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ” (النحل : 125) .
رابعا : حفظ النسل :
وحفظ النسل بوصفه أحد المقاصد الضرورية للشريعة الإسلامية يهدف إلى المحافظة على النوع الإنساني من ناحية، وإلى المحافظة على الأسرة التي تعد الخلية الأولى في تكوين المجتمع من ناحية أخرى،كما أن الحفاظ على النسل يعد حفاظا لكرامة الإنسان أيضا، قال تعالى” ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ” (الإسراء : 7) ومن هنا اهتم الإسلام بحفظ الأنساب وحمايتها من الاختلاط وحرم زواج المحارم و وصى بعدم زواج الأقارب لما في ذلك من أضرار على النوع الإنساني .

خامسا : حفظ المال :
المال في الإسلام هو في الحقيقة مال الله ، والإنسان مستخلف فيه بوصفه خليفة الله في الأرض ، ومن هنا يأمرنا القرآن الكريم بالإنفاق ، قال تعالى ” وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ” (الحديد : 7) , فالملكية الأصلية لكل شيء هي لله ، وملكية الإنسان للمال لا تعدو أن تكون تفويضا من الله ، و لأهمية المال حرصت الشريعة الإسلامية على جعل حفظه أحد مقاصدها الضرورية لأنه الثروة التي خلالها يستطيع الإنسان أن يحقق الكثير من الخير لنفسه ولمجتمعه ، ومن هنا كان وجوب الحفاظ عليه والذود عنه فعن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في مسنده ” من قتل دون ماله فهو شهيد ” وهو أي المال إذا كانت ملكيته خاصة فإن منفعته عامة ، فالمجتمع له حق فيه والفقراء والمساكين لهم حق فيه أيضا , قال تعالى ” والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ” (المعارج : 24, 25 ) . وهذا الحق يتمثل في الزكاة التي تعد حقا لمستحقيها وواجبا على الأغنياء نحوهم .
وبعد ، فبتحقيق هذه المقاصد الخمسة للشريعة ، يكون الدين وتكون العبادة ، التي من أجلها خلق الإنسان ، قال تعالى في محكم التنزيل ” وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ” ( الذاريات : 56) .

 

المصدر: من إرسال الكاتب

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الثورة الجزائرية…ذكرى وموعظة

أسعد العزوني نحتفل هذه الأيام بذكرى إنتصار الثورة الجزارية الذي تصادف التاسع عشرمن شهر مارس/آذار …

تعليق واحد

  1. عزت عبد الفتاح

    جهد مشكور من رب غفور
    فكر منظم لرجل مستنير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *