ثقافة السرد

“عذبة” رواية المأساة الفلسطينية- الجزء- 8-

صبحي فحماوي

كنا يا عذبة بسيرة الحاج عبد القادر. لم يفهم مجند عصابة غولاني أن الواقف أمامه رجلٌ ذو هيبة ووقار، ولم يُكبِر ذلك الموقف الخاشع العظيم أمام ثرى وطنه! كبير البلد، الذي بقي صامداً يقاوم، هو وأشجار البلوط والصبّار، والتين والزيتون.. صوّب الغولاني بندقيته أمام عيني العجوز المقاوم اقتلاعه من بيته، وكان أفراد العصابة يراقبون الحدث، ويتفرجون عليه، كنوع من الثقافة والمعرفة، ومعايشة الإثارة، والترقُّب والمتعة! راقبوه وهو يستعد ويُحذِّر، ويعطي العجوز فرصة للهرب، ولكن الحاج العنيد بقي واقفاً كالطود، لا يسمع ولا يقنع! سحب المجند أقسام البندقية، فانزلقت الرصاصة إلى بيت النار، ووقف وقفة استعداد وتهيؤ لإطلاق النار عليه، وبقي الحاج واقفاً، ويده تمسك بخشب حلق الباب، ويستعد للموقف، وكأنه يستعد لأخذ صورة تذكارية، ولكن من هو المصور! في تلك اللحظات، قد يكون مرّ بمخيلة الحاج تاريخ القرية كلها منذ ولد، وبشّرت الولاّدة أمَّه وأباه، بأن ولدهم سيكون ذا شأن هام! ومنذ صغره كان يرعى الغنم بين أشجار البلوط، ويعمل في الأرض مع أبيه، وفي الليل يتعلم في الكتاتيب، عند الشيخ علي الزعفران، ببيضة ورغيف، كان الشيخ زعفران يأكل البيضة والرغيف، والولد عبدالقادر يأكل ضرباً ليتعلم القرآن، ويحفظ آياته عن ظهر قلب، كل يوم صفحة. وخلال سنتين من الخبز والبيض، والحفظ، استطاع عبد القادر أن يختتم حفظ القرآن الكريم، فعمل له أبوه وأهل قريته عرساً لم يسبق له مثيل، وبعدها اشتغل بالتجارة، وصار يوفر كل قرش ليشتري قطعة أرض، وصار يقرأ قصص الكتب الصفراء، ويتابع حكايات الحكواتي، الذي كان أبوه وحضوره يحتفلون بسهراته الشيقة، ويقيمون له الولائم. وبعدها يتنطّع الحكواتي فوق مصطبة مرتفعة في صدر المكان، ويبدأ بالصلاة على النبي العدنان، وتابعيه بإحسان، والموعودين بالجنان، في سائر الأزمان،ومنهم صاحب هذه الوليمة؛ أبو عبد القادر النعمان، وبعدها يحكي لهم حكاية من الحكايات:
” مر الزير في غربته على أم الزينات،
ونزل عن حصان سابح فوق الغيمات،
وربطه بساق شجرة جنب بير الناطف ،
وراح يشرب من ميّته الحلوة وهوِّ واقف!
ومد ايده على حبِّات تينة خرطمانية ،
طعمهن عسل، وأكلتهن هنيِّة ،
وبعدها غفا له غفوة تحت شجرة التين !
تعبان وجايي من بلاد بعيدة، الحزين !
لكنه صحا ملخوم، على اصوات غريبة بتحوم !
وسمع معركة حيوانية ، وشم ريحة شيطانية!
فدقق النظر، واستجلى البصر،
فشاف معركة دايرة، بين حصانه والوحوش الكاسرة،
الحصان يصهل صهيل مخنوق، والسباع ضاربة عليه الطوق،
ونهشوا لحم الحصان، وصار كل شبل بطنه مليان !
فاستل الزير سالم سيفه في الحال ،وانقض على اللبوة والأشبال ،
فقتلهم عند النبع … ولم يرغب بقتل السبع ،
بدُّه يخلِّيه درس للآخرين ، وعبرة للمعتبرين ،
فشهر السيف على هامه ، وأمره يركع قدامه،
فركع السبع ذليل مهان، مثل الأرنب الجبان ،
فحمّل على ظهره قِرَب الميّ، وكانت كبيرة ووزنها ما هوِّ شويّ !
وركب فوق القربتين الكبار ، ونهر السبع فمشى تحته مثل الحمار!
وطلع بيه لقرية أم الزينات، وهو يغني ويقول غنيات:
اللي بوكل خيل العرب بده يتأوه تحت القرب “!
كان الحكواتي يقوم ويقعد، ويتحرك يميناً ويساراً، ويضحك ويبكي، ويرفع وينزل يديه، ويصرخ ويتأوه، وهو يمثل فوق مسرح صغير، لا يتجاوز الساحة السماوية التي تتوسط بيت أبو عبد القادر، بينما يشاهده وينفعل بحكاياته جمع غفير من وجهاء أهالي القرية، وأولادهم على ضوء اللوكس المشع، ومن بعيد، ومن خلف شبابيك وطاقات العلِّية المعتمة، تتنصت عليه حريم الحضور مندهشات، وبعد ذلك الزجل الشعبي، غيّر الحكواتي نغمة حكايته، فتحوّل إلى السرد غير المنغّم قائلاً:
” وعندما شاهد أهالي أم الزينات أبو ليلى المهلهل، استبشروا بالضيف، وأكرموا وفادته، وتشجعوا بعده، فنظفوا الغابات المحيطة بهم من الأسود، وكانوا يجمعون جثثها حول بئر الناطف، لتكون عبرة لمن يعتبر، وتخليداً لذكرى مرور صعلوك من صعاليك العرب، بقريتهم البكر”.
وها هو الحاج عبد القادر، يقف الآن أمام مجند غولاني، الذي وضع البندقية أمام عينيه، ثم بصق اللبان على الأرض، استعداداً للرماية، وأعاد التصويب مرة أخرى، ليخيف العجوز الهرم، ولكن الحاج تمسمرَ أمام بيته، وجحظت عيناهُ في وجوه الجنود، بتحدٍّ غريب، وكأنه يرسم لوحة مأساوية للعلاقات الإنسانية! صار يعرف أنه سيُقتَل بيد هذا الجبان الواقف أمامه، ولكن عقله كان يدور ألف دورة في الثانية، متسائلاً:
“لماذا يوجد معتد، ومعتدى عليه؟ ولماذا يوجد قاتل ومقتول؟ ولماذا لا يعيش الناس بعرقهم وجهدهم، فيشعرون بالراحة بعد التعب، والشبع بعد الجوع، والقناعة بدل الجشع؟ ولماذا يسطو إنسان على ممتلكات أخيه الانسان، وعلى أرضه وعرضه وروحه، ويتلذذ بالعودة إلى رجل الغاب؟ لماذا يأتون من بلاد الغرب ليقتلونا، ثم يقعدون في بلادنا، بدلاً منا، هم وحدهم؟ ألا يمكن لهم أن يعيشوا، ونعيش نحن أيضاً؟ لماذا يحب الإنسان أن يأكل لحم أخيه الإنسان؟ وحتى السباع والضباع والذئاب، والله لا تقتل مثيلتها، ولا تأكل لحم بعضها! لماذا يشتغلون بالقتل، بدل أن يكونوا صانعي جواهر ولؤلؤ، أو نجارين أو حدادين، أو صانعي سيارات وطائرات؟وكيف يعودون بعد القتل إلى بيوتهم، فيلاعبون أطفالهم، وقد صُبغت أيديهم بدماء القتل، كريهة الرائحة، ثم يتحسسون دفء ولذة ممارسة الحب داخل بيوتهم؟ كيف يكون الإنسان قاتلاً وحنوناً؟ يسفك الدماء، ويحب زرقة مياه البحر! يُخلِّف أطفالاً رائعي الجمال، يتلذذ بهم، ويقتل أطفال الآخرين! يصنع الجثث المنتنة، ثم يتعطر بروائح البخور”!
مضت فترة كافية للتفكير واتخاذ القرار. ولكن يبدو أن كلاً منهما قد اتخذ قراره، مما أنضج العلاقة بينهما، فأنطلقت الرصاصة داخل بيت النار، ثم خرجت مدوية لتعلن مقتل عجوز هرم! فهتف المجنّدون المحيطون به يُحيّونه، وقال له أحدهم: ” أنت الآن يا زئيف، تستحق أن تكون قائد وحدتنا المهاجمة بجدارة “! قلت لنفسي: “إذن كيف قال لينين: إن البرجوازي أقلُّ وطنية من البرولتياري الكادح؟ أَوَ ليس من يملك عقارات أكثر مثل الحاج عبد القادر، يدافع عنها أكثر ضد المحتلين؟ القضية نسبية وليست قطعية.” كانت حادثة استشهاد الحاج عبد القادر مرعبة أمام باقي الشيوخ والأطفال الهاربين من بيوتهم، والمحتمين عند أطراف القرية، تحت أشجار الزيتون الحنونة، كانت الأفرع تتهدّل عليهم، ويصدر منها أنين يقول: “إننا لا نستطيع حمايتكم، فالقساة قد تجاوزوا كل حدود الإنسانية! فلم يكن أمامهم سوى الانصياع مؤقتاً أمام نار لا تعرف الرحمة “!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق