الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | أعود إليكِ.. ولن أغادركِ للأبد

أعود إليكِ.. ولن أغادركِ للأبد

إِينَاسْ السَلاَّمِي

…والآن ، هاقد عدتُ إليكِ من جديد
لقد مضت الثّورة لتُلقي جنينها في نهر الحياة الملوّث بالفقر و الأوجاع
و عدت أدراجي أحمل سلاحي المكسور و أجرّ حصاني الجريح و على ظهرهِ رميت أكياس الخيبة و الخذلان .. فلقد خسرنا المعركة يا حبيبتي ، و عبر الجبال الشامخات و من بين الغابات و المنحدرات الخطرة شققت طريقي .. لأعود إليكِ
أعود جريحا و باكيا ، أجرّ أقدامي كمحكومٍ بالإعدام فعلى طول الطريق رأيت الكثير من الجثث لفقراء في عزّ الشّباب كانوا يحلمون بالأزهار و الحبيبات و أمسيات على ضوء الشموع آآآه يا ملاكي لو تعلمين رعب أن يموت الفقير في ملابس رثّة و دون أن يعرف طعم الحبّ أو طعم العناق .. و دون أن يشبع يوما من الطعام و يركض في البراري سعيدا كالأولاد
فآفهميني إذن لأنّي مضيت للثورة و لم أسمع توسّلاتك عند الباب بأن لا … و أن لا .. فإنّي أحبّك حدّ العتهِ و حدّ الشّطط و لأنّي أحبّكِ أحببتُ الفقراء و المساكين و المظلومين ، فلا يمكنني مطلقا أن أرقص معك على تنويعات البيانو لشوبان أو موزارت دون أن أبالي بصراخ الأطفال و آستغاثات النسوة خلف الوديان و الجبال
فمن أجل أن أحبّك كأعمق ما يكون الحبّ كان عليّ أن أحبّ فيكِ و من أجلك كلّ البشر
و الآن … أعبر الجبال الشامخات منهكا و حزينا .. لأعود إليكِ
سأحدّثك في ليالينا القادمة و نحن متكوّمين كقطّين بريئين بجانب موقد النّار عن المعارك الخاسرة الّتي خضتها من أجل تحرير الإنسان من الشرور و الأوهام .. سأخبركِ عن الرصاص الّذي لا يرحم ، عن الرّضيع الّذي تكلّم قهرا حين ترنّحت أمّه و آستشهدت بقذيفة طائشة و هي بصدد إرضاعهِ فآختلط حليب الحياة بدماء العدم .. فخرج في الشوارع يكلّم البشر: أن أوقفوا الخراب .. أعيدوا أمّي و أوقفوا الخراب ..
لقد كان عمره بضع شهور .. و لقد رأيته يبكي كعجوز في الثمانين ، و من أجله يا حبيبتي قرّرت أن أواصل الحرب حدّ النّهاية .. كنت واثقا أنّها ستكون حربا خاسرة ككلّ الحروب التي خضتها سابقا ، فأنت تعلمين جيّدا أنّ كلّ القضايا العادلة في عالمنا تنتهي بنا غالبا إلى حروب خاسرة .
و في الليالي الموحشة حيث رعب الإنتظار .. فكّرت بكِ
و في الخنادق المكتظّة بالخوف و الدّماء .. فكّرت بكِ
و عندما دفنت رفاق السّلاح و مسحت عن جبينهم عرق الأمل بالنّصر و عن شفاههم أغاني المجد و عن قلوبهم أسماء الحبيبات المنتظرات خلف التلال .. ساعتها أيضا فكّرت بكِ
و لذلك كلّه .. أشقّ الآن الجبال الشّامخات باكيا و نازفا كلّ دمي .. لأعود إليكِ
فأرجوكِ أن تفهميني : إنني أحبّك من عيناك و حتى أظافر أقدامك ، و لكن كان لابدّ لي و أن أمضي لأحارب ، فالحبّ يا ملاكي لا يكون حقيقيّا إلّا إذا علّمنا حبّ كل المساكين و الحيارى و المستغيثين ، و هناك في هيجاء المعارك و بين الأشلاء و الدّماء كانت أصابعي على الزّناد و كان قلبي يمرح في ربيعكِ العامر بالفراشات و الأزهار .. و عندما مرّت بخيالي إبتسامتك البريئة أدركت أنّ هذه الحرب لا بدّ و أن تنتهي فورا .. و أنّ الأبرياء الّذين تهاطلوا كالشّهد و السمسم و الياقوت من بين أسنانك الرائعة .. أولئك الأبرياء يجب أن يعيشوا في سلام و يمرحوا في الأرض التي خلقها الله للجميع .. للأغنياء و الفقراء ، للمؤمنين و الملحدين .. عليهم جميعا أن يعيشوا في أمان يا ذات الإبتسامة الّتي يقطر منها الورد و الأحلام و الأبرياء
و لذلك كلّه .. قبلنا بآتفاق الهدنة المذلّ … و أخذت حصاني الجريح و عبر الجبال الشامخات عدت إليكِ
سأحدّثك في الليالي الباردة .. عن المشرّدين الذين عرفتهم ، عن الحيارى الذين قابلتهم ، عن الجياع للحنان و العطشاوات للحبّ و الرعاية .. فقد أدركت بعد كل تلك المعارك و الخسائر أنّ البشر لا يتقاتلون من أجل الغذاء و الثروات و الأديان كما كنت أتصوّر .. إنّما هم يا حبيبتي يستَجْدُون الحنان بالرصاص و الحبّ بالمفخّخات و الكرامة بالقنابل و التفجيرات
لو أحبّوا و تمتّعوا بحبّ الآخرين لهم
لو فهموا الحبّ .. لو أوغلوا في شعابه و تنسّموا نسائمه
لو عرفوه حقّا .. لو تعلّموه منذ نعومة الأظافر لما آمتدّت أيديهم يوما للسلاح
صرت يا حبيبتي متشردا في عرض هذه البلاد ، أحمل حزني و أمضي نحو الغاب و نحو التلال
هربت من الليل و عتمته
هربت من النور و نشوته و جبت الشوارع و المدن و وقفت عند عازف الكمنجة
عازف يرتل حزنه بلحن سرمدي و الناس حوله ينشدون و يصفقون و لا يلمحون الدمع بعينيه و لا يلمحون البؤس المخيم فوق تفاصيله .بين تراتيل اللحن عادت ذاكرتي تمشي أحيانا و تركض أحيانا و تسقط مرات و مرات كالحزن القادم من ثنايا الحنين ، حنيني لشيء ما
تركت عازف الكمنجة و رحلت ، رحلت لأني أريد الرحيل من حزني ، أريد الرحيل لأي شيء
و من أجل هذا كلّه .. أنا الآن مازلت خلف الجبال الشّامخات أجرّ حصاني الجريح عائدا إليكِ .. فآفتحي ذراعاك على بعد آلاف الأميال فإنّي سأراهما من هنا فأنزع المسافات و الآفاق و أدخل في روحكِ لأعيش فيكِ ما تبقّى من العمر
آفتحي ذراعاك .. و آنتظريني في السهول و الحقول .. فسأغادر المرتفعات و التلال .. و أعتزل الحروب و القتال .. لأتسلّل إليك و فيكِ .. كالرّضيع .. كالحلم .. كالقصيد .. و لن أغادركِ للأبد

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

يحكى أن

محمود الرحبي* يحكى أن دجاجتين هبطتا من جبال ظفار إلى السوق لشراء مؤونة. (حين كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *