قراءات ودراسات

الراحل محمد بن عبد الكريم الجزائري: شذرات من ذاكرة الوجع….( نَظماً ونَثراً)

أ.د شميسة غربي

عاش حياة الهمّ والمرارة؛ بسبب شجاعته الأدبية… وكلّفتْهُ كلمة “الحقّ” – حسب فهْمه لها- ما كلّفتْهُ من الأذى، والحرمان، والآلام…. والنّغص…
محمد بن عبد الكريم الجزائري، الرجل الصبور… كافح من أجل قناعاته، فكان الحرمان؛ ضريبة، دفعها في عزّ تألقه… أو قُلْ هي ضريبة الاِمتياز يؤدّيها المثقف حين تتكاثف الأهوال، وحين تصطدم القناعات…فينشأ الصراع، وتُحاكُ المكائد ويتعكّر الصفوُ بين العباد، ويكون الملاذ، حسب رأي الشاعر العربي:
إذا لمْ أجِدْ في بلدةٍ ما أريدهُ * فعِنْدي؛ لِأُخْرى عزْمةٌ ورِكابُ !
يقول الرجل عن نفسه: « إن محمد بن عبد الكريم؛ لمْ يملكْ في بلاده من أقصاها إلى أقصاها سوى جنسيته، التي حرمته حقوقه المَدَنِية في بلاده ! وسوى فضل ربّه، الذي عليه الاِعتماد في السرّاء والضّرّاء… » كتاب الثقافة ومآسي رجالها، محمد بن عبد الكريم الجزائري، شركة الشهاب، سنة الطبع غير واردة، ص 299.
وأنا أحاول البحث في السيرة الذاتية لهذا الرّاحِل، قرأتُ بعمْق، كتابه الموسوم بـ: “الثقافة ومآسي رجالها” وديوانه الشعري: “كشْفُ الستار” طبعة الهقار للنشر، جنيف / سويسرا، حسب ما هو وارد في الصفحة الأولى ؛ بعد دفّة الديوان. ومن هذيْن المُؤلّفيْنِ؛ انطلقتُ في تدوين شذرات من حياة المؤرخ الأديب الذي أنشد يوماً:
لا تلمْنِي في اْبتلاعي فنُوني * وانْزِوائي تحْتَ سقْفي كئِيباً
خِلْتُ نفسي بين قومي عزيزاً * غيرَ أنّي رُحْتُ نسياً غريبا
المرجع السابق، ص 301.

المولد: يبدو أنّ محمد بن عبد الكريم الجزائري، وُلد عام 1924، حسب تقديري الخاص؛ والذي توصلتُ إليه من خلال قول الرجل : « … ولمّا نفد صبري، وانقطع رجائي، غادرتُ وطني المحبوب؛ متوجّها إلى “باريز”؛ حيث أعيش الآنَ، غريباً عن أهلي وأولادي الصغار، وبعدما بلغتُ أربعاً وخمسين سنة، كادتْ تكون – كلها- آلاماً وأحزاناً…» المرجع السابق، ص 328 . وقد وقّعَ الصفحة الأخيرة من كتابه كالتالي: ( باريز، 14/12/1978.)
مسقط رأسه: مدينة “برج بوعريريج”، بلدة “زمورة” مقرُّ أجداده… يقول الراحل في ديوانه كشف السّتار: « وفي صباح الغد؛ امتطى القطارَ؛ قاصِداً مسقط رأسهِ: مدينة برج بوعريريج، ومن هناك استأجرَ سيارة لِتنقلَهُ إلى بلدة زمّورة، مقرّ الأجْداد ومسكن الأحفاد، حيثُ ألْفى حليلته وولديْهِ: الطاهر وعنترة صابرين مصطبرين… » ديوان كشف السِّتار، ص 57.
جاء هذا البوح في معرض حديثه عن عودته من فرنسا سنة 1963، وُيتابِع فيقول: «…أقلعتِ الطائرةُ؛ وبِإِقْلاعِها، غادر الرّجلُ دار الغربة بعدما قضى فيها سبع سنواتٍ ويزيد…شطرُها همٌّ وغمٌّ ممدود، وشطرها اعتقالٌ وسِجْنٌ مسدود..» الديوان، ص 18. وعلى ذكر السجن؛ يروي محمد بن عبد الكريم، مِحْنته، موظفاً ضمير الغائب: « … ثمّ قُيِّدتْ يداهُ بقيدٍ معْدِنِيّ، وقِيدَ جسمُه إلى ظلماتِ السجْن المحتوم؛ بعد الاِسْتنْطاق المشؤوم؛ إلى وقتٍ غير معلوم. وهناكَ قد سجّل الرجل المسجون ما حدث نثْراً، وأنشد ما شعُرَ به، فقال –على بركة الله – :
يؤنسني ديني؛ رجائي مُنادِمي * وصبري طوال العمر؛ زادي ومَغْنَمي
أينتقم الأعداء منّي بِصَفْدِهم * لِزنْدي، وإيداعي بِسِجْنٍ مُــــــــــــرقّم
ألمْ يعلموا؛ أَنّي بهذا مُفاخرٌ * وأنّ وِثاق الصّفْدِ؛ قوَّى عزائمـــــــــي
وأنّ ظلام السّجْنِ نورُ بصيرتي * وإنْ ضاق عن جسمي؛ فرُوحي بِمَنْعَمِ!
ديوان كشْفُ السِّتار ، ص 19.
وقد تضمنتْ هذه القصيدة عشرين بيْتاً؛ ووقّعَها بمكان وتاريخ: باريز، 1960.
الشهادات: – دبلوم الدراسات العليا في التاريخ الحديث

– الدكتوراه في الأدب العربي.

المناصب: مارس محمد بن عبد الكريم الجزائري مهنة التعليم منذ 1948، لمدة عشرين سنة، يروي في كتابه: « …. فاتفقوا جميعاً أن يمنعوني من الاِنخراط في سلك الأقدمية، رغم أنّي بدأتُ أمارس مهنة التعليم الحرّ؛ منذ سنة ثمانٍ وأربعين وتسعمائة وألف للميلاد، ومازلتُ أحتفظ بوثائق تشهد لي بذلك. » الثقافة ومآسي رجالها، ص 198.
وقد أَثَّر موضوع “الأقدمية” في هذا النابغة تأثيراً بالِغاً، مما جعله يحكي ضمن أسجاعه العفوية: « … قلتُ، وفي الحال أجبْتُ: إن روايتي للمسيء جرّاحة، وهي للمسحن فرّاحة، بل هي أسجاع عفوية، قد أوحتْ بها “الأقدمية”. قال: هيّا! هاتها، ولا تضن بها.. فنحنُ لِسماعها مشتاقون، وعلى أسرارها مُحافظون. قلتُ؛ وعلى الحقيقة اعتمدتُ: حدّثني شاهد عيان؛ عمّا جرى في هذا الزمان، أنّ “لجنة الأقدمية”؛ قدْ أحْدَثَتْ بلبلة في الصفوف الثقافية، بلْ قد وضعت الأشياءَ في غير مواضعها… وأسندت الأمور إلى غيرها! قال: أعوذ بالله؛ من هذه الرواية؛ فإنها شؤمٌ وغِواية. قلتُ، وعلى منهاج الصدقِ سِرْتُ: هذا أمْرٌ- لاريب- ذو بالٍ؛ وليس لدى “اللجنة” ما هو محال. فقد أصبح الغبي أستاذاً في الثانويات، وأضحى البوّابُ مُدَرّساً للبنين والبنات…» الثقافة ومآسي رجالها، ص 301.
كانت رحلته التعليمية في كلٍّ منْ: مدرسة “أميرا” بحيّ بيلكور، (سيدي محمد )، مدرسة “أشبال الثورة”؛ بـ: القليعة، ثانوية “النخيل” بوهران، مدرسة “الخروبة” للبنات، كما عُيِّنَ بالثانوية التقنية في سبتمبر 1977، بحيّ العناصر؛ ولكنه فوجئ برفض السيد المدير الذي منعه من توقيع محضر التنصيب، وكانت النتيجة أنْ أُصيب الرجل بانهيار عصبي، وتدهور صحّي، يصوره بقوله: « وقد سبّب لي هذا التصرّف المشؤوم انهياراً في أعصابي وتدهوراً في صحتي، فعرضتُ نفسي على طبيب اختصاصي في الأمراض العقلية ( يونس بوشاك ) فأعطاني دواءً وكتب لي شهادة طبية، مضمونها أنّ حالتي الصحية؛ تستوجب لزوم راحةٍ؛ مُدّتها لا تقلُّ عن ستة أشهرٍ متوالية…وأمرني أنْ أدفع هذه الشهادة- حالاً- إلى مصلحة التوظيف بوزارة التعليم الابتدائي والثانوي، فنفّذْتُ أمرهُ عن طواعية…وكان ذلك صبيحةَ يوم الإثنين؛ 10/10/1977. المرجع السابق، ص 327.
في سنة 1969، عُيّنَ محمد بن عبد الكريم الجزائري، في قسم المخطوطات بالمكتبة الوطنية؛ غيرَ أنّه لم يلبثْ أن فوجئَ بإقالته من هذا المنصب، وقد أبْلَغَه الخبرَ السيد جعفر بن شنب أمين المكتبة آنذاكَ…
تنتهي مراحل التعليم بروايتِهِ عنها موظفاً دائماً ضمير الغائب:«.. ودام يُقاسي عشرين سنة مشؤومة، في مهنة التعليم؛ إلى أنْ طلّقها طلاقاً غير رجعي؛ حينما فارقها غير آسفٍ على فراقها، وقال:
أيا مهنة التعليمِ إنّكِ طالِقُ * وإنّي لِحُسءنِ الحظّ قلبي مفارقُ
وإنّي لِحُسنِ الحظ فيكِ لزاهدٌ * وكيف يرومُ الزُّهْدَ إلْفٌ وعاشقُ!
ظننتكِ بستاناً حوى كل زهرة * تفوحُ بعُرْفِ الطيبِ والطيرُ ناطقُ
ولكنني؛ أدْركتُ أنك غابـــــة * تضُمُّ شِراكَ الشّوكِ والبومُ ناعِقُ!
ظننتكِ حِصْناً للكرامة حامياً * ومصدر إشعاعٍ بهِ؛ الفِكْرُ شارقُ
كفاني من التعليم أنّ حليفَهُ * غدا سُلّماً للناسِ؛ إذ هو زالِقُ!
ديوان كشف الستار، صص 60-61.

محمد بن عبد الكريم الجزائري في بيروت:
قرّر الرجل أن يُلازم بيروت؛ حتى يطبع كتبه… غير أن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع؛ تدخّلتْ فأوقفت الطبع…! وأُصيب الكاتب بداء تشنج الأعصاب… وبعد جدال مع صاحب “دار مكتبة الحياة” استأنفت المطبعة عملها من جديد…فتمّ طبع الكتب الستة في ظرْفِ شهر ونصف! وأمر محمد بن عبد الكريم؛ بتسليم عشرين نسخة من كلّ كتاب إلىالمركز الثقافي الجزائري الموجود بمدينة بيروت… ليُوزّعها على جميع الوزارات بالجزائر، كهدية من مؤلّفِها… وكانت النتيجة أن هذه الكتب مرفوضة إلى أجَلٍ غير مُسَمّى….! يقول متألّماً: «..ومنذ ذلك الحين؛ انقطع رجائي نهائياً من إدخال كتبي إلى القطر الجزائري، وأنها ستبقى في المنفى إلى يومٍ غير معلومر…» الثقافة ومآسي رجالها، ص 233.

محمد بن عبد الكريم الجزائري في تركيا:
في 1968، دخل الرجل إلى تركيا… باقتراحٍ من مدير الشؤون الثقافية بوزارة التربية الوطنية من أجل تحضير دبلوم في علم الوثائق وفنّ المكتبات؛ ليكون بعْدها مُحافظاً بقسم المخطوطات في المكتبة الوطنية، يشير إلى ذلك بقوله: « وقد جمعتُ قائمة هذه المخطوطات مع المقدّمة في كتاب: “مخطوطات جزائرية في مكتبات إسطنبول”، ثمّ طبعهُ سنة 1972، بمطابع “دار مكتبة الحياة” في بيروت/ لبنان، وعندما عُدْتُ من تركيا إلى الجزائر؛ وجدْتُ منصبي بمصلحة الوثائق الوطنية الموجودة في “دار الولاية” مشْغولاً بأحد المتفرنسين… فطلبْتُ من مدير المصلحة أنْ يُبَيّن لي سبب وضْعِ هذا المتفرْنِس؛ في منْصِبي؛ بصفةٍ دائمة، مع أنّي فارقتهُ على أملِ الرّجوعِ إليه… ! ولمّا طال انتظاري بدون جدوى، كتبْتُ ثلاث شكاوى إلى مدير الشؤون الثقافية، إحداها تلوَ الأخرى… » المرجع السابق، صص 309، 310.
أمام هذا اليأس، نظم الرجل على وزن الكامل؛ مقطوعته الحارقة:
عجباً ! لِقوْمٍ قدْ رَمَوْا بالسُّؤددِ * وتحالَفوا؛ ضدَّ الغريب الأوْحَدِ
زعموا النِّضالَ؛ وبِاسْمهِ قد حارَبوا * أهلَ النِّضالِ وكلَّ شخصٍ مُهْتدِ
وتوهّموا أنّ المناصبَ حصْنُهُمْ * مِنْ كلِّ نائبةِ الزمان الأنْكدِ
وتكبّروا وتجبّروا وتحجّبوا * عنْ كلِّ ذي أَرَبٍ وصاحبِ موعدِ
لكنّ ربَّ العَرْشِ ليس بغافلٍ * عن ظلْمِهِمْ؛ أَبَداً، لهمْ بالمِرْصَدِ
كمْ ظالِمٍ قدْ غرّهُ اسْتِدْراجهُ * فعَثا فسَاداً واحْتمى بالمَقْعدِ !
حتّى إذا ما حان وقتُ عقابهِ * فَقَدَ المقاعدَ.. وارْتمى في المِذْوَذِ !
وتتصاعد حُرْقة الرّجل، فيترجمها نثْراً؛ في نفس السياق: « … إنّ الذين شكوتُهمْ إلى السلطة؛ قدْ رَقَّتْهُمْ تلك السلطة، ورفعتْهمْ إلى مناصبَ أرْقى وأعْلى من المناصب التي كانوا يشغلونها، قبل أنْ أشكوَهمْ…!! ولمّا نفد صبري وانقطع رجائي؛ غادرتُ وطني المحبوب، متوجّهاً إلى “باريز”…. » المرجع السابق، ص 328.
بلغ نتاج التركة الأدبية والفكرية للراحل؛ حواليْ 50 نِتاجاً حسب ماهو مُدَوّنٌ على فهرس ديوان كشْف الستار، عِلْماً بأن هناك من الكتب؛ ما أحرقه الاستدمار؛ ككتاب: “دمعة الجزائر” والذي يقول عنه صاحبه: « يحتوي على قصائد شعرية ثورية، وروايات تمثيلية وقصص أدبية… وكتابٌ أسْمَيْتُهُ الإلهامات الرّبانية إلى معاني الآجرومية وهو شرْحٌ لمقدّمة ابن آجروم في النحو، سلكْتُ فيه نهج التصوّف من حيث التفسير الباطني لمدلول الألفاظ الوضعية. وقد تمّ إحراق هذيْن الكتابين؛ بمركز “لافيلات” بعدما أُلْقِي عليّ القبضُ وتمّ استنطاقي هناكَ، وذلك في اليوم الحادي عشر من شهر “فيفري” (شباط) سنة 1959، بـ “باريز”، وعند الله تجتمعُ الخصوم….» ديوان كشف الستار، ص 21.
الرّحيل الأخير… توُفي “محمد بن عبد الكريم الجزائري” –رحمه الله- يوم الجمعة 09/11/2012، بعد صلاة الظهر، في بلده، في بيْته، وعلى فراشه.
ما على الباحث الجزائري؛ إلا أنْ يُشمّرَ عن ساعد الجد؛ فسيجد في هذا الرّجل عبقرية، لمْ تُنْصِفْها الأيام… ويجد فيه تألُّقاً يعُزُّ عليّ أن يبقى مجهولاص… ويكون حالُه من حال القائل:
حسْبي؛ وحسْبُ أُناسي، أنْ غَدوْتُ لهمْ * عوداً؛ يُعَطِّرُهمْ ذِكْرِي.. وأحْتَرِقُ!!
شكراً…. “مفدي زكريا”… صاحب هذا البيت….

*ناقدة أكاديمية وأستاذة جامعية وشاعرة جزائرية

 

*** (الصورة للراحل محمد بن عبد الكريم الجزائري)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الراحل محمد بن عبد الكريم الجزائري: شذرات من ذاكرة الوجع….( نَظماً ونَثراً)”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق