حوارات المجلة

الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي للمجلة الثقافية الجزائرية: الثقافة مسؤوليّة، لا وجاهة، أو منبر لتسويق الذات.

شاعر ومثقف من الجزيرة العربية تشعر وأنت معه أنك أمام شخصية فريدة، تعرف ماذا تقول، وتقول ما تؤمن به، بعيدا عن المجاملات، وعن النعرات.. الدكتور عبد الله الفيفي شخصية أثرت الساحة الثقافية السعودية والعربية بنقاشات واعية، مبنية على الحجة في الكثير من الأحيان، فحظيت باحترام صادق.. في هذا الحوار، حاولنا إثارة معه جملة من القضايا التي تهم الإنسان والمثقف والكاتب في الوطن العربي..

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من الدكتور عبد الله الفَيفي أن يقدم نفسه، فماذا سيقول؟

د. عبد الله الفَيفي: شاعر, ناقد، أكاديمي وبرلماني.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعر أن الناقد يتفوق على الشاعر في شخصك؟

د. عبد الله الفَيفي: الحكم في هذا للقارئ المتتبع، وليس لي. أمّا إن كانت الإجابة لي، فإن الشِّعر أقرب إليّ من حبل الوريد. وهو هويتي، ومعرفتي الأولى، وصاحبي قبل أن أتخصّص في النقد.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلها تجربة فريدة تلك التي صادفتها وأنا أقرأ لك، ربما لأنك تبدو حريصا على أن تكون مثقفا في زمن اختلطت فيه المفاهيم.. دعني أسألك عن قراءتك للفضاء الثقافي والمعرفي العربي الراهن؟

د. عبد الله الفَيفي: الثقافة في عرفي مسؤوليّة، لا وجاهة، أو منبر لتسويق الذات. والثقافة العربيّة الراهنة محيطٌ واسع، مليءٌ بالدرّ والمَخْشَلَب، وبالدلافين وأسماك القرش. على أن “كلّ الصيد في جوف الفرا المعرفيّ”! حيث يكمن المشكل الأعظم في ثقافتنا العربيّة في التربية والتعليم؛ لأنهما ما زالا يخرّجان “عاهات إنسانيّة”، تجعل المرء يحمد الله أن نسبة الأُميّة في عالمنا العربي لم تقلّ كثيرًا بعد، كي تبقى للنقاء والإنسانيّة والنور الفطريّ بشاراتها بغدٍ أفضل، فيما لو تغيّرت مناهج التعليم وأساليبه.

المجلة الثقافية الجزائرية: في حوار مع الروائي الكبير”غابرييل خوسيه غارسيا ماركيز” قال أن الكاتب في زمن الاستبداد والضغينة يكاد يكون عبثيا.. هل تشعر أن الكاتب في العالم العربي (الاستبداد والفقر والتهميش) يؤدي دوره؟

د. عبد الله الفَيفي: الكاتب الحقّ، نعم، يؤدّي دوره.. وفي البدء كانت الكلمة.. غير أن ذلك الأداء لا يأتي بالضرورة في مرحلة الكاتب والكتابة نفسيهما؛ فكم من كاتب لم يُقرأ في عصره، وأثمر في سواه!

المجلة الثقافية الجزائرية: في زمن آخر قال الشاعر محمود درويش “القلم أقوى من الرصاص”.. هل القلم قادر على الوقوف في وجه رصاصة عبثية؟

د. عبد الله الفَيفي: نعم، قادر! قوّة القلم ليست في القتل، بل في الحياة. القلم يُحيي أُمّةً، وأجيالاً، وتاريخًا، فيما الرصاصة تقتل فردًا واحدًا، جسديًّا، لا لتفعل شيئًا، سوى تعجيل موعده مع الموت الفسيولوجي.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي يعاني منه الشعب العربي في نظرك؟

د. عبد الله الفَيفي: هذا سؤال تاريخ، لا سؤال حوارٍ ثنائيّ. ولكن باختصار، يعاني من مرض ثلاثي الفيروسات: النظام، التعليم، الحريّة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تفسر أن الشعب العربي يصنف ضمن الشعوب التي لا تقرأ، في الوقت الذي يقرأ مواطن ألماني أربعة كتب في الشهر على سبيل المثال لا الحصر؟

د. عبد الله الفَيفي: قد لا يكون كبيرُ فرقٍ بين أن يقرأ وأن لا يقرأ، فالأهم: ما الذي يقرأ؟ فكم من غير قارئٍ خيرٌ من قارئ! إن الإشكال في عالمنا العربي ليس في كمّ المقروء فحسب، ولكن في نوع المقروء أيضًا. ولذلك تلحظ أن معظم التشوّهات الحضاريّة في شخصيّتنا العربيّة هو بسبب كمٍّ هائلٍ من المستهلك القرائيّ الفاسد.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف يمكن القول أننا لا نملك ثقافة القراءة وكل تراثنا مبني على المرجعية الحكائية، التي تدخل أيضا في سياق السرد/ القراءة بطريقة ما؟

د. عبد الله الفَيفي: في هذا السؤال إجابة عن سؤالك السابق. وهو ما أشرتُ إليه. يجب الانتهاء عن التساؤل حول: عدد ما نقرأ من الكتب؟ لنسأل عن: نوع تلك الكتب التي نقرأ؟ وهل هي تدفعنا إلى الأمام، أم تجرّنا إلى الخلف؟

المجلة الثقافية الجزائرية: سأنتقل بك إلى الشعر.. كيف تنظر إلى واقع الشعر في الوقت الراهن، وكيف تفسر تراجع القصيدة أمام أشكال أدبية أخرى مثل الرواية؟

د. عبد الله الفَيفي: منذ “مجلّة شِعر”، 1957- 1963- وما سبقها من إرهاصات وتبعتها من تداعيات- والقصيدة العربية تتخبط في دمائها؛ لأنها استُدرجت إلى سرداب من التقليديّة الجديدة؛ أي التقليد باسم التجديد، والانسلاخ من الهويّة واستثمار الرصيد العربيّ، باسم الحداثة. ولكن مَن قال إن القصيدة العربيّة- في آخر المطاف- تراجعت أمام الرواية العربيّة؟ فإنْ كان الأمر بحساب الأرقام- مرة أخرى- فربما صحّ هذا الحساب، أمّا بحساب النوع، فقلْ لي: كم رواية عربيّة تستحق القراءة؟!

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل صحيح أنه زمن الرواية (كما يسوّق الناشر العربي حاليا)؟

د. عبد الله الفَيفي: لا، ليس صحيحًا، زمن الشِّعر هو زمن الإنسان، فالشِّعر أوّل الفنون وآخرها، صَحِب الإنسان منذ آدم إلى اليوم، وإلى ما شاء الله. الشِّعر فنٌّ خالد، خَرَجَتْ من عباءته كلّ الفنون القوليّة، من مسرحٍ وقصّةٍ ورواية. أمّا الناشر العربيّ، فتاجر غالبًا، والتاجر يُعلن عن بضاعته بالصدق وبالكذب. إنها تجارة، وبائع “الخيار” قديمًا لم يتورّع عن رواية حديثٍ مكذوبٍ على الله ورسوله، يقول: “الخيار لما أُكِلَ له”! وكذلك يفعل بائعو (الخيار الروائيّ) اليوم!

المجلة الثقافية الجزائرية: ما الذي في رأيك يجعل الناشر يرفض طبع المجموعات الشعرية والقصصية (باعتراف شعراء وقصاصين) ويفضل طباعة الرواية ـــ مما جعل شعراء وقصاصين يذهبون إلى الرواية ـــ أين الخلل في نظرك؟

د. عبد الله الفَيفي: في رأيي أن هذه شهادةٌ للشِّعر لا عليه. ومَن يذهب إلى الرواية لهذا السبب، هو ليس بروائيٍّ، أصلاً، ولا بشاعر، بل هو تاجرٌ هو الآخر. خصوصيّة الشِّعر، وصدقه، واشتراطاته الإنسانيّة واللغويّة والمعرفيّة والفنّيّة، تجعله يستعصي على منطق البيع والشراء. فإذا كان منطق المفاضلة هو مزاد السوق، فيا لسوء المعيار؛ لأنك ستجد حينئذٍ أن أتفه الخطابات، وأحطّ البِنَى الفنّيّة، هي أعلاها صوتا في الشارع والدكان.

المجلة الثقافية الجزائرية: على ذكر الرواية، دعني أسألك عن الرواية السعودية: ظهرت في الأعوام الأخيرة روايات سعودية لفتت الانتباه مضمونا أكثر مما لفتته من الناحية الإبداعية، ولعل أهم كتابها كانوا نساء.. ما هي قراءتك للمتن الروائي في السعودية الراهن؟

د. عبد الله الفَيفي: لا يختلف الأمر في السعودية عنه في أيّ بلدٍ عربيٍّ آخر. سِوَى أن طبيعة الحياة في السعوديّة، ومكانتها العربيّة والإسلاميّة المحافظة، جعلت الزوابع الخارجة عن هذا النسق مثيرةً لشهيّة المتلقّي، الغربيّ أو العربيّ؛ لا لأنها ثارت من خلال رواية، ولكن لأنها ثارت، فقط ثارت. فهذا لا شأن له بالرواية إذن، من حيث هي فنّ، ولكن بقضايا أخرى، متّصلة بالأخلاق، بالمجتمع، بالمقدّس، بمعنى آخر: بالمحرّمات قيميًّا. هذا الواقع، دفع بكثيرين وكثيرات- ممّن لم يكن لبعضهم سابق تجربةٍ ولا خبرةٍ ولا مهارةٍ في أيّ جنسٍ أدبيّ أو كتابيّ- للتقافز لركوب الموجة؛ لأسباب لا علاقة لها بالأدب، ولكن بالفكر الاجتماعيّ المحموم من جهة، وبالمتاجرة بالأدب في سوق النخاسة الإعلاميّة، من جهة أخرى، التي تدر المال والصيت.

المجلة الثقافية الجزائرية: ثمة من يرى أن الرواية “الاستعجالية” ألغت تجارب أدبية جيدة وشجعت على الاستسهال الأدبي لأجل النشر والشهرة.. ما رأيك؟

د. عبد الله الفَيفي: التجارب الأدبيّة الجيّدة لا تُلْغَى، ولكن ربما يشوّش عليها إلى حين. وأمّا تشجيع الاستسهال الأدبيّ، أو الإسهال الروائيّ، الذي يملأ الساحة، فمرض، يظلّ كأيّ وباء تتعرض له البيئة، وسيذهب، وحتى إنْ هو لم يذهب، فلا قيمة له، ولا يُعيق الوعيَ النقديَّ الذي يستحقّ هذا الاسم عن التمييز بين الغث والسمين. وهو بمقدار ما يتمادى في الانتفاخ والتحليق تكون سقطته المدويّة!

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسر أن تصبح رواية “بنات الرياض” أنموذجا إعلاميا للرواية السعودية الحديثة، رغم مستواها العادي جدا، في الوقت الذي لا يذكر الإعلام الثقافي العربي مبدعات أخريات مثل “رجاء العالم” والشاعرة “فوزية أبوخالد” على سبيل المثال؟

د. عبد الله الفَيفي: بغضّ النظر عن الأسماء، فلستُ هنا بصدد عرض أزياء، أو المفاضلة بينها. ما تعنيني هي الظواهر، لا الأسماء. أمّا “النمذجة الإعلاميّة”، فلُعبة لها قوانينها، غير الأدبيّة بالضرورة. وإذا كانت رواية “بنات الرياض” قد اتُّخذت نموذجًا إعلاميًّا للرواية في السعوديّة، فإنها كذلك قد اتُّخذت نموذجًا إعلاميًّا لإدانة الرواية في السعوديّة، من الطرف المضادّ. وفي كلا الطرفين تطرّف، فليست رواية “بنات الرياض” هذا ولا ذاك، أي ليست بمنزلة الأفضل ولا بموقع الأسوأ، وإنما هي عملٌ كغيرها من الأعمال، لها ما لها وعليها ما عليها، حظيتْ بما حظيتْ به لا لأنها خارقة، ولا لنزعة تآمريّة حيكت ضدّ أعمال أخرى أو كَتَبَةٍ آخرين، ولكن لأنها لَبَّتْ فضولاً معرفيًّا أو ثقافيًّا، وناغت أهواء سياسيّة وفكريّة واجتماعيّة.

المجلة الثقافية الجزائرية: طيب دعني أسألك كناقد عن نظرتك في الرواية السعودية الراهنة؟ وهل فوز الروائي ” عبده خال” بجائزة البوكر أعاد الاعتبار إلى المتن الروائي السعودي في نظرك؟

د. عبد الله الفَيفي: عبده خال يستحق الجائزة بجدارة، في رأيي. فهو روائيّ حقيقيّ، وكاتبٌ متمرّس، بصرف النظر عن حيثيّات الفوز، أو مستوى العمل الفائز. خال كاتبٌ مخلصٌ لحرفته.. ولكن يا ليته كان أكثر عناية بسلامة لغته العربيّة، وليته كذاك ينأى عن مزالق الإثارة الإعلاميّة والتجارة، فهما وسيلتا العاجز لا وسيلة المبدع. ولا شك أن فوزه بجائزة البوكر أعاد “الاعتبار” إلى المتن الروائيّ السعوديّ، كما جعل الآخرين يعيدون حساباتهم في ما كانوا يعتقدونه “رواية”.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ ومن هم الكتاب الجزائريين الذين قرأت لهم؟

د. عبد الله الفَيفي: للأسف فإن قطيعة المثاقفة بين أقطار الوطن العربي ما تزال ضاربة بأطنابها، على الرغم من انفتاح الأجواء عبر وسائل الاتصال الحديثة. ومع هذا، فقد كنتُ على اتصالٍ منذ وقت مبكّر بأعمال الروائيّة الفذّة أحلام مستغانمي، على سبيل المثال، وكذلك الروائي الكبير واسيني الأعرج. هذا في مجال الرواية، أمّا على المستوى الفكريّ، فمالك بن نبي قرأته منذ المرحلة الجامعيّة، ومحمّد أركون جاءنا في قسم اللغة العربية جامعة الملك سعود بالرياض، في الثمانينيّات من القرن الماضي، وأنا معيدٌ أيّامها، وألقى فينا محاضرة مدهشة، شغفتني بمتابعته من بعد. أمّا في الحقل الأكاديمي، فـالأسماء كثيرة جدًّا، ممّن قرأت لهم أو التقيت بهم في بعض المؤتمرات العلميّة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا يقرأ د. الفّيفي حاليا؟

د. عبد الله الفَيفي: قد تكون مشكلتي أنني أقرأ أشياء كثيرة دفعة واحدة، وأكتب أشياء كثيرة، وفي وقت واحد كذلك، على نحو تفاعليّ، فلستُ- بطبيعة الحال- ممّن يجعل الكتاب إلى جانب السرير ليقرأ منه قبل النوم؛ ليقول: “أنا أقرأ كتاب كذا هذه الأيّام”. بل في معملي القرائيّ والبحثيّ قائمةٌ طويلةٌ من الكتب العلميّة والأدبيّة. غير أني منشغلٌ حاليًّا، وعلى وجه التحديد، بمراجعات نقديّة ثقافيّة، تقتضي منّي قراءات متنوّعة أدبيّة وفكريّة، وربما إعادة قراءات سابقة.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا يكتب؟

د. عبد الله الفَيفي: ما قيل في سؤال القراءة ينطبق على الكتابة. ولكن إلى جانب الشِّعر، الذي لا وقت محدّدًا له، وكذا التزامي بمقالة أسبوعيّة لصحيفة “الجزيرة” بعنوان “مساقات”، أعمل على مشروع كتاب نقديّ حول “الجنس الأدبيّ”.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة أخيرة…؟

د. عبد الله الفَيفي: كلمتي الأخيرة هي كلمة عبدالقادر الجزائريّ:

لأنك أعطيتَ المفاتيحَ عنوةً *** فزدني، أيا عِزَّ الجزائر، جاها!

*****

وهذه القصيدة التي خص بها الشاعر مجلتنا لنشرها لأول مرة:

سني سيفي يورم !

( إلى: و. ش. )

1

أرجيلةُ التفّاحِ، يا أنتِ،

ضبابٌ..

فاهَ بالأشهى من العطرِ بأنفاسكِ،

يا سيّدةَ المعنَى،

.. وإني والهُ الناياتِ،

سكرَى الروحُ من أنفاسكِ الرَّيَّا بتفّاحِ المقاهي،

تنفثُ الغيمَاتِ دهْرًا من حَنينْ!

/

إلى متى وآدمٌ أرجيلةُ التفّاحِ، يا حوّاءهُ؟

وأنتِ نكهةُ الضُّحَى تلفّ رأسَ راسبوتينْ؟

ككليوباترا تَرْتَقِيْنَ عِطركِ الثريَّ،

ويلَ أنطونيو من الفتونِ،

والجنونِ،

يا أسطورةَ النساءِ،

ويلَهُ..

من الرُّقَى التي نَسَجْتِ في حَكايا الياسمينْ!

2

قلتِ:

تذكّرتُكَ، يا رُوحي، فأينكْ؟

أيني؟

أنا دوامةُ الدخّانِ داختْ فيكِ،

أو جُنَّتْ،

وتعلو الآن في شوقِ الفراديسِ؛

فأنتِ جَنّةُ المأوَى وقد نِلْتُ الشهادةْ! 

3

تقول لي حبيبتي:

ماذا فعلتَ في الغيابِ؟

أين رحتَ؟

أين جئتَ؟

مَن رأيتَ؟ أو عرفتَ؟

لا تخفْ،

تعالَ بُحْ، يا طفلَ قلبيَ اليتيمْ!

فقلتُ، يا حبيبتي:

وهل رأيتِ الشمسَ غابت قَطُّ هاهنا؟

صحراؤكِ أنا،

وأنتِ الشمسُ،

تغزل النهار جنَّتَين عن يمينٍ وشِمالٍ في سبأْ ..

ولا تنام في الليالي الشاميةْ! 

4

“سِنِيْ سِفِيْ يورم!”

تركيّةً، تعني: “أُحِبُّكَ!”..

“أُحِبُّكَ!”.. هنا عرفتُها،

كي أنتشي بهمسها إليكَ، يا حبيبها،

وما عرفتُ غيرَها،

مِن شانكَ اللغاتُ أنبتتْ زيتونَها،

ووردَها،

والياسمينُ فارَ عِطْرُهُ بناهدَيْ! 

5

زرتُ (جزيرةَ الأميراتِ)..

تقول الملِكةْ..

فقلتُ: ضُمِّيها إلى الجزائرِ التي ملكتِ، يا مليكتي؛

لكي تؤسّسي عواصمَ الشذَى،

وجنّةَ النَّدَى،

ودولةَ المحبّةِ الهَتُوْنْ! 

6

(…) يا أنتِ، يا سِفْرَ النساءِ في امرأةْ!

فيكِ الجمالُ يلتقي..

كلُّ الإناثِ تلتقي..

كلُّ البلادِ تلتقي..

تكوّنينَ عالمًا لا يعرفُ الحدودَ؛

عالمًا مداهُ في دمي،

وفي يديكِ- وحدكِ- مفتاحُ بابِ العاصمةْ!

ومَنطِقُ الطَّيْرِ انتهى إليكِ، لا إليّ، عِلْمُهُ،

فليس عندي هُدْهُدٌ،

ولستُ عفريتًا من الجنِّ أنا،

لكنّ عرشَكِ الشهيَّ جاءَ،

صرحُه المعطَّرُ العيونِ والشفاهِ،

والممرَّدُ الحروفِ من شَهْدِ (المُنَى)..

أتى إليَّ هاهنا؛

فأنتِ أنتِ.. لا سواكِ.. في البلادِ الحاكمةْ! 

7

ذهبتُ للتسوّقِ..

تقولُ: ماذا أشتري، هديّةً لحُبِّنا؟

فقلتُ: أنتِ!

إنْ وجدتِكِ، اشتريكِ!

ليس أغلى منكِ.. يا هديّةَ السماءِ للوجودْ! 

8

غدًا مساءً، إذ تدقُّ الثامنةْ..

أكونُ في المطارِ،

هل تجيءُ؟ أمْ…

يا طِيْبَ هذي الأرضِ والسماءِ،

يا نوّارةَ الحَدَقْ!

بعضُ السؤالِ فتنةٌ،

وبعضهُ جمرُ الفراقِ في مجامرِ الأَرَقْ!

أخشى على المطارِ أنْ يطيرَ حينَ نلتقي..

أو في هوانا كُلُّ صالاتِ المطارِ تحترِقْ! 

9

وصلتُ للمطارِ، يا أنا!

هَلَّ الملاكُ..

أشرقتْ كلُّ العيونِ..

ثارَ نَبْعُ النُّوْرِ في شرايينِ الكمانِ،

دارَ الكَوْنُ دَوْرَةَ الفواكهِ المُعَتَّقَةْ!

عِطرٌ سَرَى..

وَجْدٌ جَرَى..

يا هل ترَى..

مَن التي أعادتْ الربيعَ للقُرَى؟

هِيَ..

هِيَ..

حبيبتي، (…)؛

فالكوكبُ الأرضيُّ ليس يستحيلُ جوهرا،

إلاّ إذا تَكَهْرَبَتْ بِمَسِّ رجلِها تَرائبُ الثَّرَى!

أهلاً، حبيبتي!

فكُلُّ ذَرَّةٍ هنا تَـمُدُّ كَفًّا، أو تَرُشُّ عَنْبَرا

عادتْ عُيونُ صبحِنا لشمسِها..

واستيقظتْ على نداكِ في الفؤادِ أنهُرا!

هنا سَبَأْ..

هنا ابتداءُ مملكاتِ الحاكمِ الرَّشَأْ!

فهيّئوا الجيوشَ من ندَى الورودْ..

ولترفعوا البنودَ في السماءِ كوثرا!

 

16/ 7/ 2010

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق