ثقافة المجتمع

المحافظون السياسيون

د. غربي محمد

مقدمــــة : أسندت مهمة تعبئة وتوعية السكان في الجبال والقرى بادئ الأمر إلى جيش التحرير الوطني الذي كان يتحمل مسؤولية خوض حرب تحريرية من جهة، وينظم ويوجه ويساهم في توعية الجماهير من جهة أخرى. خاصة وأن الثورة عند انطلاقها لم تكن تملك من الإمكانيات سوى قوى بشرية مشردة ومقهورة ومنهكة بالجهل والفقر والأمراض، وإمكانيات مادية تكاد تكون منعدمة، يستحيل الاعتماد عليها في مواجهة جيش نظامي، يسانده مليون مستوطن جلّهم يحمل أسلحة حربية حديثة لكن جبهة التحرير الوطني انطلقت عند تفجير ثورتها على رجال، آمنوا بمبادئها وقضية عدالتها المتمثلة في طرد الاستعمار الأوربي، واستقلال الجزائر. مما جعلهم يعبئون الجماهير الشعبية، ويدركون حاجتها إلى حسن التوجيه. وهم يعلمون كما قال “العربي بن مهيدي”: ” إننا سندخل مرحلة جد خطيرة وشاقة طالما نادى بها المناضلون، إنها ليست بالأمر السهل، فعليها يتوقف مصير الوطن …. فإن صمدنا وقاومنا، وحسنت تصرفاتنا وعملنا على احتضان الشعب لثورته في الأرياف والقرى والمدن، نكون قد بلغنا الأمانة، وأدينا الرسالة، والنصر حليفنا مهما كانت الأحوال”.
هذا الصمود هو الذي جعل الجنرال “بوجو” يصرخ يوما فيقول:” أه …لو لم يكن هناك عرب في الجزائر، أو لو كانوا …. يشبهون تلك الشعوب الهندية المخنثة… لكنت قد نصحت بلدي بأن تحول هذا البلد إلى قـاعدة للاستعمار…إن وجود أمة قوية ومهيأة للحرب، ومتفـوقة إلى هذا الحد على الأوروبيين، يحتم علينا أن نقيم أمـامنا، وإلى جـانبنا، وداخلها، السكان الأكثـر قوة ممكنة “.

دور المحافظين السياسيين في تعبئة المجتمع الجزائري:
من أجل التمكين للثورة، وتحقيق أهدافها الاستراتيجية المسطرة في الفاتح نوفمبر، وإمدادها بالإمكانيات المادية والمعنوية من أسلحة وأدوية وأموال ومأكل وملبس، ومعلومات…، وتمكين الجماهير من المساهمة الفعالة في العمل والانضباط الثوري. اعتمدت جبهة التحريـر الوطني على تنظيم محكم ساهم في إنشاء المراكز وتنظيم اللجـان الشعبية… ومن الذين أسندت إليهـم مهمة الاتصال المباشر بالمواطنين لترسيخ مبادئ جبهة التحرير الوطني، وتوجيه وتطوير أفكار ومفاهيم الجزائريين، المرشدون السياسيون الذين اعتمدوا في سياستهم على شحن الهمم وتقوية النفوس وربط الثقة بين الشعب وثـورته، ودحض وتفـنيد المزاعم الفرنسية، ورفع شعـار أن الجبهة هي الثورة، والثورة شعبية، والشعب في خدمة الوطن.
حاول الاستعمار الفرنسي بمختلف الوسائل، أن يفصل الشعب عن المجاهدين،
واستخدم لهـذه الغاية أحط الأساليب وأبخسها وأندلها. منها وصف المجاهدين بالخارجين عن القـانون وقطـاع الطرق وغيرها من الأوصاف الذميمة. وفي إطار الحرب النفسية، سلط أنواعا من الظلم والقهر على الأهالي ليرغمهم عن التخلي جبهة وجيش التحريـر الوطني. إلا أن الثورة أنشأت بوجـدة سنة 1957 مدرسة لتكوين المحافظين السياسيين، يؤطرها طلبة أمثال بلعيد عبد السلام، لتجنيد إطارات مدربة… ومحنكة… ومستيقظة وقادرة على الابتكار تعمل على ربط عرى الأخوة بين الشعب وتسهر على تنظيم المجتمع الجزائري عن طريق:
1 ـ ضبط الأحوال الشخصية للمواطنين وتتمثل في تسجيل عقود الزواج والطلاق والميراث والمواليد والوفيات.
2 ـ تسوية الخلافات والنزاعات بين المواطنين، ومنعهم من التقاضي أمام محاكم
العدّو لمقاطعة الإدارة الفرنسية.
3 ـ الإشراف على التربية والتعليم من حيث البرامج والإطارات، لتثقيف الشعب والقضاء على الأمية المتفشية بين عموم الشعب الجزائري وأعضاء جيش التحرير الوطني، لأنه كان يضطلع بمهمة إعداد البرامج، وتوفير المدرسين والدارس والمخيمات لتعليم الأطفال.
4 ـ جمع الاشتراكات والتبرعات والزكاة بصفة منتظمة.
5 ـ التوعية والإرشاد ومحاربة الآفات الاجتماعية المنتشرة في الأوساط العسكرية والمدنية.
6 ـ تقديم المساعدات والإعانات لعائلات الشهداء والمجاهدين والمعتقلين، دون استثناء العائلات التي نفذت الثورة حكم الإعدام في أحد الأفراد المسؤولين عنها ـ الخونة ـ حتى لا يتمكن الاستعمار من تجنيدها.
7 ـ الإشراف على تنظيم القرية والدوار والعرش وتكوين الخلايا الثورية في القرى والمدن وفي جميع الأحياء، إضافة إلى أنه كان المربي والمنشط والموجه الأساسي للجماهير.
8 ـ محاربة احتقار النفس والشعور بالتخاذل أمام قوة العدو، لخلق مجتمع جزائري قوي.
9 ـ تسوية النزاعات والخلافات بين المواطنين، ومحاربة النعرات القبلية والجهوية، والتخفيف من حدّتها في إطار سياسة “وحّد تسد”. وقد نجح المحافظون السياسيون في جعل المواطنين سواء كانوا مسؤولين أو غير مسؤولين، يدركون معنى توطيد وترسيخ دعامة الأخوة وجعلها عروة وثقي بين الجميع.
10 ـ الإشادة بتضامن وشجاعة الجماهير بهدف رفـع معنوياتها. فكان يستخـدم الذكـور والإناث والأطفال في مراقبة العدو، وتشغيل المواطنين في بناء الأكواخ والمخابئ والمستشفيات.
11 ـ الدعوة إلى العمل الجماعي وفقا لما جاء في بيان الفاتح نوفمبر بأن:” تحرير الجزائر هو عمل كل الجزائريين، وليس من عمل شخص أو فئة دون غيرها. “.
لتفادي التجربة المرّة لأخطاء الماضي، وتجنيب الشعب الجزائري الأخطار التي قد تضرّ بالثورة الجزائرية. وهكذا كان المحافظون السياسيون يسهرون على تربية المجتمع تربية ثورية تعتمد على مبادئ الفاتح نوفمبر بعيدة عن الأنانية وحب الذات وتقديس الزعامة. لأن من فجّر الثورة هم من أبناء الشعب البسطاء الذين لا يمثلون طبقة اجتماعية، أو طائفة دينية معينة، بل” قيادة جماعية شعبية تضم تيارات مختلفة، يجمع بينها برنامج الكفاح العملي من أجل غاية واحدة وفي صالح الشعب الجزائري بأكمله”، أتاحت الفرصة ” لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية، أن تنضم إلى الكفاح التحريري دون أدنى اعتبار” وبذلك تكون جبهة التحرير الوطني قد أضفت على إيديولوجيتها – في جميع مواثيقها – صفة الوطنية والقومية، وفتحت أبوابها على مصراعيه للأحزاب الوطنية للانضواء تحت لوائها دون أي اعتبار للبنية الاجتماعية أو الأيديولوجية. لأن تحرير الجزائر سيكون عمل جميع الجزائريين لا عمل جزء من الشعب الجزائري مهما كان كبيرا.
ترافق الكفاح السياسي والعسكري للثورة مع النضال الاجتماعي، حيث كان المرشدون السياسيون يسعون جاهدين إلى رفع معنويات الجماهير، والدفع بهم للمشاركة الفعلية في الثورة. وإقناعهم بأن الثورة شعبية قامت من أجلهم لتحريرهم من العبودية والقهر. وهي منبثقة من الشعب وإلى الشعب، ولا تعمل لصالح فئة دون غيرها.
نجح المحافظون السياسيون في بذر روح التآخي بين المواطنين بعيدا عن النعرات القبلية والجهوية. لجعل الاستقلال الوطني حقيقة يلمسها الجميع بدون استثناء، خاصة الذين يتمعّنون في الانتصارات التي باتت تحققها جبهة التحرير الوطني على كل المستويات. فأصبح المجاهدون يتنقلون من منطقة إلى أخرى ليجدوا سكانها يستقبلونهم و” ويؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة”.

أ ـ اللجان الشرعية:
أعطت جبهة التحرير الوطني أهمية كبرى لجهاز العدالة، لمنع المواطنين من التقاضي والتخاصم أمام المحاكم الفرنسية، لذا أنشأت اللجان الشرعية التي تتكون من خمسة أعضاء يختارون من المواطنين الذين يتصفون بالكفاءة والأخلاق الحسنة. وكانت هذه اللجان تنقسم إلى فرعين: أحدهما يبث في القضايا الشعبية، والثاني خاص بجيش التحرير الوطني.
اعتبرت الشريعة الإسلامية المرجع الأساسي للجان الشعبية التي كانت تصبوا إلى تشجيع المواطنين على الالتحاق بالثورة، وحرمان المستوطن الفرنسي من الاتصال بالمواطنين ورفع ظلم العدالة الفرنسية عن الجزائريين وتعزيز تواجد الجبهة في كل الميادين. فأصبح المواطن يلجأ في حل مشاكله إلى التراضي والمصالحة عن طريق اللجان الشعبية المحلية مستغنيا في ذلك عن الإدارة الاستعمارية وعملائها.
تمكّن المحافظون السياسيون بفضل سياستهم الحكيمة، وتجنيدهم كافة الطرق والوسائل، وزياراتهم المستمرة للمشاتي والقرى والأرياف، واختلاطهم بكل طبقات الشعب الجزائـري من تدعيم قـواعد التنظيم في الأرياف والقرى وصهر الشعب الجـزائري في بوتقة واحدة. فـارتقى الوعي لدى المواطن البسيط الأمي إلى مستوى الثورة التحررية الكبرى. وانتقل من حالة يأس، إلى حالة المجاهد الرافض لكل أنواع الظلم والهوان الفرنسي. ويقف في مخططات الاستعمار الفرنسي الذي لم يأل جهدا في محو مقومات الشخصية الجزائرية.

ب ـ إحباط مخططات ضباط الشؤون الاجتماعية:
ما فتئ الاستعمار الفرنسي يسعى بمختلف الأساليب والوسائل لتجنيد الجزائريين واستمالتهم وكسبهم إلى جانبه، قصد تمتين علاقته بهم، والتجسس عليهم خاصة العائلات التي كان أحد أفرادها مجند في صفوف الجيش الفرنسي. أو التي كانت تمر بظروف صعبة. فتم إنشاء مكاتب متخصصة في إدارة وتسيير شؤون الجزائريين بالأرياف الجزائرية، يتولى إدارتها ضبط فرنسيون اكتسبوا خبرة كبرى في المغرب الاقصى، حيث العادات والتقاليد واللغة شبيهة بالجزائر. ومن أهم الأساليب التي انتهجها الاستعمار الفرنسي في ذلك:
1 ـ تقديم خدمات اجتماعية للفقراء، تتمثل في الملابس والأموال، وبعض الضروريات للأطفال.
2 ـ التوسط بين الإدارة والجزائريين لحل بعض المشاكل خاصة الإدارية.
3 ـ نقل المرضى في الحالات المستعصيات إلى المستشفيات.
4 ـ بناء أقسام لتعليم الأطفال، وتوجيه الكبار، وتجميع النساء.
لمواجهة هذه المخططات وإحباطها، والحيلولة دون المعمّر والجماهير الشعبية، اعتمد المرشدون السياسيون على أساليب متعددة منها:
أ ـ حث المواطنين على مقاطعة الإدارة الاستعمارية، وعدم التردد على مكاتبها المدنية والعسكرية.
ب ـ القيام بحملات تهدف إلى توعية الجماهير، وتعرّف بالأهداف الحقيقية لمصلحة ضباط الشؤون الاجتماعية والتي من بينها تحطيم معنويات الشعب الجزائري، والنيل من الثورة التحريرية، ومبادئها واهدفها النبيلة.
ج ـ التكفل بالاحتياجات المختلفة للمواطنين وتقديم المساعدات للمرضى، وتعليم الأطفال في حدود ما تسمح به الإمكانات المتاحة والمتوفرة.

ج ـ المجالس الشعبية:
لم تعتمد جبهة التحرير الوطني في ثورتها على الميادين العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية فقط بل وتعدتها إلى تنظيم المواطنين وتسيير جميع شؤونهم بما فيها المجال الاجتماعي المتمثل في توفير المؤونة لمن يحتاجها من المجاهدين وعائلات الشهداء والفقراء. وانتقال جيش التحرير الوطني بين المشاتي والقرى والأرياف لعلاج المرضى ولو بالوسائل والطرق البسيطة، ومنع المواطنين من التقاضي أمام المحاكم الفرنسية.
إلى جانب المجلس الوطني للثورة ولجنة التنسيق والتنفيذ، أنشأ مؤتمر الصومام المجالس الشعبية التي كانت تساعد المرشد السياسي في مهامه المختلفة والمتعددة. فحدد مهامها العديدة والمتنوعة، وجعلها شبيهة بالمهام التي تضطلع بها البلدية. تتكون هذه المجالس من طرف سكان القرى والدواوير والمشاتي والأحياء عن طريق الانتخابات، تنبثق عنها هيئات فرعية وأقسام. يراعى في اختيار أعضائها الذين يبلغ عددهم خمسة، الانتماء السياسي والوضع الاجتماعي من عادات وتقاليد، لكل منهم مسؤولية خاصة به:
1 ـ مسؤول عام، وهو رئيس المجلس.
2 ـ مسؤول التنظيم.
3 ـ مسؤول المال، يشرف على جمع الاشتراكات والتبرعات والزكاة والحبوب والمواشي.
4 ـ مسؤول التموين والشؤون الاجتماعية، خصصت له جبهة التحرير الوطني اعتمادات هامة للقيام بالمهام المنوطة به. وهو ” المسؤول عن التموين …حتى يتمكن السكان المدنيون من التموين…ويسجل العائلات التي تكون في حاجة شديدة، ويشجع تبادل النجدات والإعانات بين السكان…” كما خصته بصلاحية تعيين ومراقبة أعضاء اللجان التابعة له، المتمثلة في لجنة الشراء، والتوزيع، والنقل والتخزين.
5 ـ مسؤول الأخبار.
كان رئيس الخلية يضطلع بمهمة تقديم تقارير عن بعض العائلات المعوزة التي تحتاج إلى المساعدة بسبب نهب خيراتها من طرف العدو الفرنسي.
لعبت الخلايا الشعبية دورا هاما في إدارة الشؤون العامة للمواطنين وحل مشاكلهم المستعجلة، وتموين الثورة بكل ما تحتاج إليه من الألبسة والأحذية والأدوية والمواد الغذائية والأموال التي كانت تدفع بمحض الإرادة، ويحصّل عليها عن طريق:
1 ـ الاشتراكات: مبلغ مالي تدفع شهريا وبانتظام وموزعة بطريقة متفاوتة حسب المناطق والولايات، يراعى فيه دخل المواطنين. فالموظف يدفع 10% من راتبه الشهري، والتاجر يدفع اشتراكاته الشهرية بانتظام حسب دخله التجاري. وكان الاشتراك يدفع مقابل وصل مختوم بختم جبهة التحرير الوطني
2 ـ الغرامات: كانت تفرض على المجرمين والمخالفين لنظام الثورة، والمدخنين ورواد الحانات والمقاهي الفرنسية، وبيوت الدعارة، ومنتهكي حرمة رمضان. وكانت المجالس والمحاكم الشعبية التي تحدد قيمة الغرامة المالية.
3 ـ الزكاة: وفق ما تنص عليه الشريعة الإسلامية. تقدم في شكل نقود على الأموال، كما كانت تفرض على المحاصيل الزراعية والماشية والعقار.
4 ـ الضرائب: إلزامية على الجزائريين داخل وخارج الوطن، لكن عائداتها قليلة لشدة فقر المجتمع الجزائري. كانت تفرض على عقود الملكية والزواج وأصحاب المقاهي والمبادلات التجارية، وأصحاب السيارات والشكاوى التي ترفع أمام محاكم جبهة التحرير الوطني.
5 ـ التبرعات والهبات: يقدمها التجار والحرفيون والأغنياء وبعض شركات النفط ونقل المسافرين، والمعمرين الأوروبيين ” طائعين أو كارهين دفعا للضرر الذي يتعرضون له، وحفاظا منهم على نفوسهم وأرزاقهم.”.
6 ـ الغنائم: التي يغنمها المجاهدون خلال معاركهم مع الفرنسيين، وغالبا ما تكون في شكل أسلحة أو ألبسة أو نقود أو مواشي وحبوب. تقيّد في سجلّ خاص.
حتى ينصهر الشعب في جيش وجبهة التحرير الوطني، فقد تم تنظيم الدوار ليكون همزة وصل بين المواطنين والثورة التحريرية، ليقوم بالتكفل السريع بمتطلبات الجيش والمواطنين من مأكل ومأوى وعلاج..
احتضن الشعب الجزائري الثورة منذ انطلاقتها لأنها نابعة من تراثه الروحي والثقافي، ومن واقعه الجزائري العربي الإسلامي وفق الآية الكريمة:” وأمرهم شورى بينهم” فاستطاعت جبهة التحرير الوطني بمعية المرشد السياسي أن تحدث انقلابا نفسيا لدى الجماهير، التي أصبحت تشارك بمختلف شرائحها الاجتماعية، وتضحي برجالها ونسائها وشبابها وأطفالها بكل إيمان وإخلاص. وأضحت جبهة التحرير الوطني، مدرسة ثورية تعتمد على المقومات الحضارية للمجتمع الجزائري من قيم وعروبة وأخلاق رفيعة. فاعتمد المحافظ السياسي على الخطاب الديني والآية الكريمة: “لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. فضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما” والعقيدة المتينة، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وسيرة الأبطال التاريخيين الجزائريين، لتعبئة وتوعية وتحصين الجماهير من أي اختراق فرنسي. وكان قادة الثورة -منهم المحافظ السياسي-النموذج والأسوة الحسنة في الصبر على شدائد العدو، والحفاظ على الفرائض الدينية مثل الصلاة والصوم والإفطار في شهر رمضان والمسح على الخفين عند الصلاة. إذا دخل قرية بدأ أهلها بتحية الإسلام: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته”: ويفتتح جلساته ب “اسم الله والحمد لله” و”باسم جبهة التحرير الوطني وجيش التحرير الوطني”، ويختتمها ب “المجد والخلود للشهداء”. وأصبحت كلمات مثل: “المجاهد”، “الشهيد”، “حب الوطن من الإيمان”، “ربنا ينصر الدين”، «الله أكبر”، «تحيي الجزائر” و”الجهاد في سبيل الله” وكلمات الاتصال مثل: “خالد”، “عقبة”، “السيف والقلم”… تسود شعارات الثورة التحريرية، وتلهب حماس المواطنين.
بما أن سكان الأرياف كان لهم الدور الفعال في إنجاح الثورة، وكانوا يمثلون سندها الحقيقي، فقد عمل المحافظون السياسيون على غرس الإيثار في نفوسهم لخدمة الأهداف الوطنية الكبيرة. فكان المجاهدون يدفعون الموت عن بعضهم البعض، والمواطنون يؤوون المجاهدين ويتقاسمون معهم أرزاقهم دون أدنى تدمر، ويؤوون العائلات التي دمر الاستعمار ممتلكاتها، ويتنافسون في إعالة الفقير والفدائي والمسبل… بل واعتبروا بعض المواد الاستهلاكية مثل الزبدة والسميد كمالية، لا يستهلكها إلا المريض.

خاتمــــــة
من أهم عوامل نجاح الثورة، حرصها على الأخلاق الحميدة، وتطهير المجتمع من المفاسد. فقد فرضت الولاية الثانية “100 سنتيم” غرامة مالية للحاضر الذي يتخلف عن صلاة الصبح، و25 سنتيم للمتخلف عن الصلوات الأخرى، “فاضطر الذين لم يكونوا يصلون طوال حياتهم إلى الخضوع والحضور إلى المسجد للصلاة، وتم منع الناس من التدخين والنّفة” ولم يفت الثورة أن توظف الزوايا لتعبئة أتباعها لمواجهة الاستعمار الغاشم. منها على سبيل المثال لا الحصر، الزاوية التيجانية. التي كانت تقدم مبلغا هاما سنويا نقدا وغلّة النخيل للقيادة السادسة للجبهة في تونس. وكانت دار الشيخ سيدي “أحمد التجاني التمانيسي” مقرا للاجتماعات التي ترأسها العقيدان سي الحواس وعميروش وغيرهما من القادة بتونس. كما فتح محمد العيد بن الشيخ الصغير، بيته في حيّ داندان على طريق باردو للطلبة الذين يدرسون هناك ولا ننسى دور الشاعر الجزائري “محمد العيد آل خليفة، أحد الرجال البارزين في الطريقة التجانية، الذي سجن بـ”باتنة”، ولما أفرج عنه بقي تحت الإقامة الجبرية ب”بسكرة” إلى حين استقلال الوطن.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق