الموقع

روبرت فيسك يكتب:البقاء بعيداً عن المشاكل من خلال الامتناع عن الحديث إلى الجواسيس الغربيين!؟

ترجمة: محمد عثمان محمود*

 

دعتني دبلوماسية بريطانية، منذ ثلاثين سنة تقريباً، لتناول الغداء في بيروت، وعلى الرغم من الشائعات، بل وعلى العكس من ذلك، قالت لي عبر الهاتف إنها لم تكن جاسوسة، إنما مجرد ملحق في سفارة بلادها، وإنها تريد الدردشة حول مستقبل لبنان فحسب، وقد كانت تلك أيام ازدياد الاختطاف في العاصمة اللبنانية، فمشاهدتك مع (“الرفيق الخطأ”أي مع الجواسيس “المترجم”) قد تنتهي بك إلى قبو في جنوب بيروت. لقد كنت مخطئاً عندما وثقت بهذه المرأة، حيث وصلت مع اثنين من حراسها البريطانيين المسلحين اللذين  جلسا على أقرب طاولة… وفي غضون دقائق من الجلوس في مطعم للسمك في منطقة الروشة بدأت تخوض في تساؤلات حول تسلح حزب الله في جنوب لبنان، فوقفت وخرجت من المكان، وفي صباح اليوم التالي اتصل بي رجلان من حزب الله كانا يجلسان في طاولة مجاورة في نفس المطعم وأخبراني أنهما شاهدا خروجي، ونصحاني بالاحتراس والحذر، ومنذ أن كذبت علي المرأة (أخبرني قريب لها بعد أكثر من عامين بأنها  كانت خائفة من خطها في العمل كعميل للمخابرات) وأنا أتجنب السفارات الغربية في جميع أنحاء العالم، باستثناء الدبلوماسيين الأيرلنديين والسويديين والنرويجيين الذين أعرفهم، وصحيح أنني لم أُختطف ولكن في الوقت نفسه فإن هذا الخداع مورس علي من قبل السفارة البريطانية.

 

وقد نشر الإيرانيون على شكل كتاب كميات ضخمة ولا تصدق من الملفات السرية من السفارة الأمريكية في إيران، وكان الطلاب(اللذين سيطروا على السفارة “المترجم”) قد أمضوا سنوات منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 في إلصاق وترميم قطع البرقيات الدبلوماسية المرسلة إلى واشنطن من بعثة الولايات المتحدة الدبلوماسية في طهران، وقد حجز الأميركيون كل نسخة أخذت إلى الولايات المتحدة، ولكني كنت قد اشتريت مجموعة لا يزال لدي الكثير منها في بيروت، وكانت واحدة منها استنتاجاً للملحق في السفارة بروس ليجين في (13 آب 1979 تتحدث فيه عن الشخصية الإيرانية وسماتها العامة”المترجم”)، ولقد قرأت ذلك ووضعته في تقرير للتايمز قبل 30 عاماً تقريباً، وبعد ذلك تأتي برقية مشابه جداً من ويكيليكس، لتبرز بتلهف من قبل نيويورك تايمز و هيرالدتريبيون الدولية، وكأنها سبق صحفي غير عادي؟!، و كالعادة لا توجد ذاكرة بشرية في صحيفة نيويورك تايمز، وهذا الأسبوع عُلم أن الوثائق قد تحتوي على أسماء الصحفيين التعساء الذين أفشوا بما يعرفون  لملحقي “الدفاع” في سفارات غربية في الشرق الأوسط، وكنت سعيداً لمعرفة أني بالتأكيد لا يمكن أن أكون بينهم.
لقد كان شيئاً مثيراً أن نشاهد هيلاري كلينتون في البداية وهي تندد بطوفان ويكيليكس بوصفه “هجوماً على المجتمع الدولي”، وقد حذرت الصحفيين مرتين من أنهم قد يجدوا أيضاً أسماءهم في برقيات السفارة المسربة (لذا لا داعي لمزيد من الهذر حول حرية الصحافة عندما يخون ويكيليكس “مقاتلي” وسائل الإعلام)، وكان أكثر إثارة للاهتمام متابعة تأثير ذلك، حيث لم تكد كلينتون ترفض تأكيد أن 250000 وثيقة أصلية تماماً كانت حقيقية (وصفتها ب”الوثائق المزعومة”)، كانت هيئة الإذاعة البريطانية والجزيرة قد انجرتا إلى هذه الرواية وكأن الأمر قد يكون خدعة، والمشكلة  بالطبع، هي في أنه ليس خدعة، وفي الطريقة الفخمة التي رأت كلينتون أنه من الضروري أن توضح لنا بها الفرق بين برقيات السفارة ووثاثق السياسة العامة التي تصدر من مكتبها الخاص، وفي هذه السيدة “كلينتون” (التي لم تقدر على كتابة سيرتها الذاتية الخاصة)، والتي أمرت خادميها وإمعاتها  للتجسس على الأمم المتحدة، فكلينتون تريد من عبيد وزارة الخارجية لعب دور العملاء السريين على عجوز الأمم المتحدة المسكين للعب دور في التخلص من السياسات الأميركية الفاشلة في الشرق الأوسط، وهذا في الحالة التي هي فيها الآن من كارثة البيروقراطية وأمينها العام، ولقد كان من المفترض أن يتجسسوا على تفاصيل التشفير للمندوبين، ومعاملات بطاقات الائتمان وغيرها، ولكن من يريد قراءة هراء كهذا: كتابة موظفي المم المتحدة الزائدة، أو مقدار ما ينفقونه على الغداء في نوبو مع قنصل نيكاراغوا، أو من الذي دفع (رشا) لتسافر عشيقته إلى هافانا على حافلات الأمم المتحدة؟، ومنذ وقت طويل، وافقت شركة ايرفرانس على تسليم تفاصيل (بيانات) المسافرين الدائمين لأشباح أميركا، ولماذا يريدون هذه الاشياء مرة أخرى؟ ولماذا التجسس على الأمم المتحدة وهي المنظمة الأكثر عرضة للتسريب على الكرة الأرضية؟ فقد تلقيت مرة نسخ متطابقة من التقارير السرية من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان (الأيرلندي الجنرال المتقاعد وليام كالاهان هو الشاهد على ما أقول).

ولنظل في الشرق الأوسط،، حيث نعرف الآن أن الرئيس المصري “يكره حماس ويعدها كجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي يعدها التهديد السياسي، الأكثر خطورة”، ولم تكن مفاجأة قوية مشاهدة “قطاعي طرق” حزب”العم حسني”الوطني الديمقراطي! وهم يقمعون الإخوان قبل أسبوعين (ناهيك عن وضع ألف من أعضاء الجماعة في السجن)، ولا عجب بالمناسبة في أن الصحافة المصرية الموالية كانت تقرع الطبول بعد الانتخابات لأن الحزب الوطني “حفظ الأمة” مع الفوز الساحق!؟ (كل هذا، بالطبع، قبل أن تعلن نتيجة انتخابات واحدة)، ووفقاً لبرقيات ويكيليكس فإن مبارك عندما يسمع باسم الخصم الرئاسي أيمن نور (الرجل الجذاب الذي التقيته في بيروت قبل الانتخابات) فإنه يشعر بالإعياء الذي كان نور يشعر به عندما زج به مبارك في السجن بعد انتخابات عام 2005، وما زلنا ننتظر بطبيعة الحال، لنرى ما هي التقارير الدبلوماسية الأمريكية حول ياسر عرفات، والأهم حول الاستعمار الإسرائيلي في الضفة الغربية، ولكن لا تخافوا، فأي حقيقة واردة فيه لن تكون انعكاساً لما في وثائق السياسة المتعجرفة لكلينتون وأسلافها… إن وثائق ويكيليكس ما هي إلا فضح للطبيعة اليائسة للسياسة الخارجية الأميركية ، ول”حلفائها” المفترضين.

*من موقع ال”إنديبندنت”

* كاتب وصحفي فلسطيني – دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق