ثقافة السرد

كأشجار البلوط

بقلم: محمّد وليد قرين

يتحتم على سكان القرى الأربعة، للتداوي، قطع مسافة معتبرة للوصول إلى أول طريق يقود إلى عيادة تاغويْت. طريق غير معبّد. التغطية الصحية منعدمة في منطقتهم! لا وجود لأي مركز استشفائي أو مصحة جوارية!
في أحد أيام الخريف، وجب على عمر، الساكن بقرية أولاد عيّاش الجبلية، نقل زوجته الحامل إلى مستشفى تاغويْت لتلد هناك. تاغويت بعيدة بـ15 كيلومترا والطريق المؤدي إليها يتميّز بانعراجات كثيرة. في ذلك اليوم إذًا كانت الشمس على وشك الغروب والمطر يهطل بغزارة والريح تهب بشدة. ابن عمه هو من نقلهم هو وزوجته وأختها وخالتها على متن شاحنة صغيرة. كان الطريق قد تحول إلى وحل كبير. كانت الشاحنة تتقدم ببطء على الطريق الموحل المليء ببرك ماء المطر، وسط صراخ حليمة، زوجة عمر، من شدة الألم. كان من الصعب على عمر وعلى أخت وخالة زوجته سماع ذلك الصراخ الرهيب. كان عمر يلعن سرا وجهرا السلطات المحلية التي لم تأمر بتعبيد الطريق ولم تنشأ إلى حد الساعة مصحّة جوارية قريبة.
في نهاية المطاف، وبعد انقضاء أربعين دقيقة لم تصبر حليمة أكثر وتحتم عليها الولادة على متن الشاحنة. لو كان الطريق معبدا لوصلوا في الوقت إلى المستشفى. ولكن الطريق لم يعبّد وأنجبت حليمة بنتا في ظروف مزرية. ثم لو أنشأت السلطات المحلية مركز صحة جوارية على مقربة من القرية لما وجب على عمر نقل زوجته إلى تاغويت. سمّى عمر وحليمة بنتهما صفيّة.
حدث ذلك قبل عامين، ولكن عمر لا يزال يتذكر جيدا معاناة ذلك اليوم. وماذا عن معاناة ابنه زكي ابن الثمانية أعوام وبنته البالغة ستة أعوام؟ إن المسكينان محتمان على قطع كل صباح كيلومترات مشيا على أقدامهما الصغيرة للوصول إلى مدرستهما. لا وجود لأي حافلة نقل مدرسي تنقل صغار القرية إلى المدرسة البعيدة. قبل عامين، كان زكي يدخل مبلّلا كل مرة يسقط فيها المطر. كان منظره يثير الحزن في نفس والديه. كان يدخل مرهقا، وكان مجبرا على السهر ليلا للقيام بواجباته المنزلية فوق مائدة حجرة الاستقبال. ولكن هذا العام قرر أباه أن لا يرسله إلى المدرسة عندما يسقط المطر. كانت معاناة ابنه وابنته تثير الحزن في نفسه. وكل أطفال قرية أولاد عيّاش يعيشون نفس “الميزيرية” على حد تعبيرهم، نفس البؤس! ضف إلى ذلك انعدام التدفئة في الأقسام فيرتعد التلامذة بردا ولا يمكنهم متابعة الدرس كما يلزم.
هناك أولياء تحتم عليهم الأمر بإيقاف دراسة أبنائهم، وبعد ترك الأطفال مقاعد الدراسة، يساعد الابن أباه في الحقل أو يرعى الغنم وتساعد البنت أمها في أشغال المنزل والاعتناء بالدواجن.
أحيانا يفكر عمر هو أيضا في ايقاف دراسة ابنه وبنته.
عمر أب لأربعة أطفال. تزوج قبل عشرة سنين. وهو يبلغ الآن 44 سنة. يمتهن في تابلاط، شمال شرق ولاية المدية، بيع النعناع والبقدونس اللذان يزرعهما. يقطع، ثلاثة مرات في الأسبوع، كيلومترات وغابة أشجار البلوط مشيا على الأقدام في طريق موحلة شتاء ومغبّرة صيفا، لكي يركب في الحافلة الذاهبة إلى تاغويْت. أشجار البلوط كثيفة في شمال شرق الولاية. يمشي عمر وعلى ظهره كيس كبير. يستغرق له هذا المشي المرهق ساعة من الزمن. في أيام ذهابه إلى سوق تابلاط، ينهض عمر صباحا على الساعة الخامسة وربع ويغادر المنزل على تمام السادسة. ينهض بشكل آلي. تنهض زوجته معه لتحضر له القهوة، ثم تعود إلى الفراش بعد خروجه.
عمر وجيرانه ورجال القرى الأربعة عازمون اليوم على إسماع صوتهم. صوت رجل واحد. لقد أرسلوا في الماضي رسائل كثيرة إلى مسؤولي السلطات المحلية، فسكان القرى لا يطالبون سوى بحقهم الأساسي والمشروع في العيش حياة كريمة، على حد تعبيرهم. ولكنهم لم يتلقوا أبدا جوابا ولم يلقوا استجابة من عند المسئولين الذين رفضوا استقبال بعثة لهم للاستماع إلى انشغالاتهم… لذلك غادر رجال القرى الأربعة في الصباح الباكر منازلهم واجتمعوا، شبانا كهولا وشيوخا، أمام بناية المجلس الشعبي البلدي فحاصروها وأغلقوا مدخلها ومخرجها. أيديهم ترفع لافتات مكتوب عليها “نرفض التهميش!” ،”الحصول على الكهرباء والغاز حقنا الأساسي كمواطنين”، “نريد مدرسة ابتدائية لأبنائنا”، “نريد مصحات جوارية”، “نرفض العزلة!”.
عدد المحتجين حوالي 200 شخص. جزء كبير منهم فلاح في حقول أشجار الزيتون. وجوه عابسة وصارمة. يرتدي العديد منهم قشاشب. الجو بارد. الشيوخ الحاضرون مجاهدون قدامى والعديد من الكهول، من بينهم عمر، خدم في صفوف الحرس البلدي وفي قوات الدفاع الذاتي بالمنطقة، أثناء الحرب على المجموعات الإرهابية في تسعينات القرن الماضي. دفاعا عن أبنائهم وزوجاتهم. دفاعا عن أقاربهم، عن منازلهم، عن حقولهم. دفاعا عن الأرض.
متّحدون هم رجال القرى الأربعة في وقفتهم الاحتجاجية. كأصابع اليد الخمسة. احتجاجهم لا رجعة فيه. عيونهم تعبر عن العزيمة.
في البعيد يُسْمَعْ دوي صفارات الانذار. دويها يشبه العويل. البوليس قادم…

ملاحظة: أسماء الأماكن من وحي خيال الكاتب، باستثناء تابلاط.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “كأشجار البلوط”

  1. كلمات بسيطة وتفاصيل صغيرة أوصلت وبقوة جزء من معاناة سكان الريف. بالرغم من أن معظمهم يتعايش ويتقبل النقائص التي ذكرت والتي لم تذكر ربما لبساطتهم أو لزهدهم في الحياة.
    كأشجار البلوط عليهم الاتحاد بقوة وحزامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق