ثقافة السرد

عصف الأثير

بقلم: بسمة الشوالي

تركت غيابها يفاجئ نشرة الأخبار الصّباحيّة تُذيعها الأبواب المشرعة على الأبواب أسرارا وجه أسرار، وأفْجرت تخرج من مسكن ضيّق بنهج ضيّق من حيّ مكتظّ. كانت على بساطة مترفة الأناقة، وقوام حسن يميس في بنطال وسترة ناعميْ الزّرقة، يباهيان سماء عينيها الرّائقة بدقّة التّفاصيل المنحوتة على مدى الجسد وصِفر الخصر المستدقّ. عمّ مسافة حصباء وزمن نعسان، تدرك القطار الأوّل نحو العاصمة يأتي مهركلا على هزيز يرجّ السّكينة ويقضّ ضجعة الحيّ الغافي لحينه على صقيع الحديد فينهض أهلهُ على الصّفير الصامّ متأفّفين تتطاير أفواههم أخْلافا وسُبابا وأوجاعا. تسافر إليه من شعور كفيف يتلمّس الوجوهَ المتفرّقة بحثا عن إطار عاطفيّ يلائم الصّورة الرّاسخة بالخيال ، ولهفةٍ معصوبة الرّأس لا تفكّر إلاّ بصوته الثريّ يسري فيها خريرا كجرعة النّور تشْهَقُها العتمة اليائسة فتحيى ، ويزهر ليل الضّجر ببساتين فيحاء ذات ثمر وريحان وظُلل من أفياء الحلم الوثير. نثار الظّلمة يغطش صُبحا رطبا بطيء النّفس ، غير أنّ النّهار يتلهّف للبزوغ ويرفّ مسفوعا بالبرودة كالمرِح يمشي خفيفا بين أرض وسماء. اِنقطعت أقدام السّكارى يقطّعون اللّيل حتى أواخره على وَضم الشّغب عراكا وهرهرة وحناجر موحلة تهزم بالأغاني الحزينة، أو تهزج بالشّتائم المقذعة تنعتق في فسحة الوعي المتراخي من وقار النّهار العاقل. خمدت آهات العجائز والشّيوخ المهملين على نواصي الوحدة، يهزّعون غفوات الأجوار عويلا وأنّات واستغاثات لم تعد تؤتي بالتّكرار شفقة. عفست قدم على حين زلّة نُقْرة ماء فأصاب الطّشيش لمعة الحذاء الجلديّ بكدر التّربة المنقّعة فتشوّه فخجلت العاشقة الأنيقة من صديقها المرفّه كما لو كان برفقتها الآن يحضر حادثة التّلوّث المريعة وينظر بشده إلى مشهد لا واقعيّ فينزجر مبهوتا.. أوشك الدّمع أن يُغْرِق الأشفار في كحلها.. لكنّها تداركت الدّمع بالحزم. نهرت شفتين تهيّأتا للتّأتأة . خللّت شعرها بأصابع متوتّرة ونفضت رأسها بانفعال. تفقّدت زينتها في المرآة. رأت وجهه الغامض يقطّب سادّا أنفه عن رائحة العطن في مجاري الماء الدّائمة في الأزقّة الضّيّقة للحيّ.. اِرتبكت. اِضطرمت. غطست القدم الثّانية في نقرة أخرى .. فَرْدَتا الحذاء شائهتان ورذاذ الوحل يبلغ الأطراف من البنطال.. خرجت حينئذ عن صواب الرقّة فعنفت حركاتها وعبس وجهها الوديع يرجم الأشياء الرّاكدة من حوله في برك الظّلام بنظرات زوراء كريهة. نبَتْ ألفاظها. سَلط لسانها وحرشت عباراته.. لكن.. كانت قلّمت هذا اللّسان وشذّبت ألفاظه منذ عرفته.. وكانت مسحت عن قسماتها جهمة اليأس .. وكانت ..

– ماذا ..؟ تربّصي بصبرك أمينة فأنت تتهدّمين في زلّة واحدة.. هو لم يحضر بَعْدُ هذا المشهد وأنت لن تستقدميه إلى الحيّ حتى يعلق في العنق الضيّق لقِنِّينة الحبّ فيجْمُل له حينها كلّ ما ترينه ويقبُح ما سواه.

– أترى يعلق .. فينقاد .. فلا يسأل عن النّسب ولا رحم المنشأ..؟

– عندما يعصف به الهوى عصف شوق أهوج ، يسقط المترفِّع عن ترب الأيّام العاديّة ثمِلا في مزالق العشّاق المُهلكة ويتمرّغ نشوان في هزائمهم. وحده الحبّ يغيّر عاداتنا في الحياة بأنجع من آلاف الوصايا الصّارمة ويقلّم سيّئاتنا بأسرع من حروف النّهي والنّفي في اللّغات العابسة..

– أترى ..؟ ولن يخرج ..؟

– سترين ..

تأسّت قليلا. هدأت كثيرا . رسخت الثّقة المهزوزة. عذُبت من جديد. شفّت. رقّ الطّبع. تقلّص لسانها السّليط إلى حجم مغزل صغير مرن يفتِل الكلمات النّاعمة. جَمُل وجهها واستضاء بطيبة القلب الدّفينة. نظرت ناحية محطّة اللّقاء البعيدة.. لكن لمَ كلّ تلك العلامات المضحكة ليتعارفا..؟ ستهتدي الأذن إلى وجهه من دفّ القدم وخشخشة الأنفاس، فلا حاجة بها إلى أمارات مضافة : لباس موصوف ، وجريدة مقلوبة الصّفحات ، ومقعد مُنزَوٍ. ضحكت أمينة منه ومن نفسها فنضرت بشائر الصّباح الضّحوك. وعلى مسافة قليلة من محطّة القطار أشرقت تماما ومَزَنَتْ نظراتها.

لا أسف على اللّمعة الشّوهاء. في حقيبة اليد المستعارة قطعة من قماش تعيد جلد الحذاء إلى بريقه، وفي القلب غرام مستعر يكفي لتبرير الكذب الصّغير من دنس الكذب الكبير توسّلت به لعبة التعارف بين رجل وامرأة التقيا خطأ بديعا على خطّ الهاتف فأخذ كلاهما الآخر من أذنه مأخذ أسر..

أفل يوم القلق.

هزهز القطار الأخير ليل الحيّ الجاثي على مفارش شظِفة. تدافع الهابطون فجُرفت بالتّدافع وأُهبطت بتفرّق الأبدان. لم يحفل أحد بالعائدة على عوج المسافة من هناك إلى الضّيق من مسكنها. ترمي خطاها على عواهن التّيه فتقع في بركة ماء أو كومة وسخ أو رصيف مجدور بلا انفعال. يلتاث الحذاء النّظيف. يتّسخ البنطال حتى الرّكب فلا تعبأ ولا يحفل أحد. لكلٍّ حزن يُغنيه. حدثها مهمل لا يُجزي بطن الفراغ المنتفخ.

سافرت شروقا. عادت غروبا. أهرق الزّمن يوما جديدا من العمر وأحلاما جُددا. رثّ العالم وبلِيَت كلّ الصّور. نضت النّفس وداعتها وعادت ترتع مع الذّئاب. طُرح منها بعض. جُمع إليها بعض. سقطت واقفة في مغبّ الحساب تعابثها الرّموز وتنحو بها وجهة السّلب في اتّجاه الأعداد.. نقص فرد آخر من حياتها..  نقص الفرد الوحيد .. لم يبق لها حتى صِفر البدايات. من يعيد القلب إلى ما قبل رجفة الحبّ الأولى؟ لماذا أتى فسبقها إلى الموعد بعذاب..؟

لو غاب.. لو أنّه غاب.. لتبرّر فعل الغياب. وحده عدم الحضور يمتلك شرعيّة إعادة إخراج الحدث بما يناسب إحساس المنتظر.

جاء. ذهب. ولم يلتقيا. صرّفت اللّغة أفعالها في زمن واقعيّ: لا يرى المرء غير ما يريد رؤيته. وما خرج عن رغبة الإبصار متروك للرّواية.

– كذب صوته الجميل .

– لا أمينة. لا يكذب من يرسل الحقيقة على المجاز. كان قال لك:

” أمينة أنت طريقي بلا عثر وليلي بلا دَجَن .”

– وهل يُعتب على سامع في فهم ..؟ لكلّ معجمه الخاصّ في الشّرح والتّأويل .

كان اللّيل يأتي فيسكن أهل البيت للرّقاد وتفتح اللّغة وطنا على سطح الأثير مبسطه من كلمات وسقفه مرفوع بلا أعمدة.

يتلاشى الحيّ والضّجيج ونُقَر الوحل والجدران المهذار. ينصرف الانتباه عن الصّراخ والشّجار وارتطام الأثاث بالحيطان .

لا أثر للعالم الخارج عن خطّ الهاتف في سكون اللّيل . تفرغ الحنايا من كلّ شيء إلاّ ثلاثا: صوتان ودرب شفيفة من أثير تصل الهمس بالهمس..                                                                                                        تخمد الحناجر غير هسهسة الحروف تسري من أُذن إلى أُذن بشوق عليل كحفيف النّسائم في رَمَض الأيّام . تضمحلّ الشّراسة في رقّة الكلمات. يصفو كدرها . تعقل. تسذج. تفور أنوثتها. تقنع بالتّمنّي.. يصفّر قطار الخامسة صباحا فينسخ النّهار المقبل أشعار اللّيل ونِثاره ..

–  لمَ حضرَ..؟

الإعراب يربك أواخر المفردات الحالمة ويحدّد للمعاني المنطلقة الأزمنة والوظائف.. لا شيء يردؤ في خيال العاشق ..لا موت هناك إلاّ بالفرح..  السّقوف المعمودة بوهم متين لا تخرّ على رأس حاملها فترديه . إنّها تختفي تماما ودفعة واحدة، فلا يظلّ لها من أثر سوى ما يبقى من السّراب: وَهْم النّهايات السّعيدة ونبأ عن فقيد ما غرق مبتسما.. عَبَر المساءُ بَهْوَ محطّة القطار بالعاصمة كسيحا يزحف بِكَبَد فيكنّس أعقاب السّجائر، وآثار الأقدام، وشَرَرَ المواعيد الحميمة تبرق خلال الأتربة الرّاسبة وبعثرة الأوساخ. كان مساء كئيبا يلتحف بفصل كئيب.

من هنا، ومدّة يوم منذور للتّرقّب، مرّ الوطن، كامل الوطن محمولا على أحقاب الوجوه الغزيرة تفرغها القطارات متنوّعة التّضاريس والألوان وحقبات التّاريخ المتعاقبة ..

لم يتخلّف سوى وجهه .

في فضاء المكان المحدود بين بابين خروجا ودخولا، في فسحة ضئيلة من الزّمن بين وصول وانطلاق نشرت الخريطة كلّ رقاعها على مرأى الواقفة في مهبّ الأسى ، سهلا ووعورة ، خصبا وقحولة، حضرا وبداوة ، ترفا ودقعا..

صوته الوحيد الذي لم يمرق بسمعها المستنفر..

– لم يأت يا أمينة .

– بل أقسى. أمرّ . سكت . اِبتعد . سحب رنينه وغناءه. غيّر خطّ سيره . أسْكَن وطن المجاز حقيقة أبلغ. نجّد اللّيل بترَف جديد. يعرف أنّي معقولة بالمسافة لا أعرف من أين يؤخذ الاتجاه إليه.

ذهبت تجلس على أحد المقاعد الشّاغرة لتستهلك النّصف الأخير من موعد انطلاق القطار العائد إلى الضّيق من سكنها.

لم تقدر أن تبرح النّهار قبل الرّمق الأخير للصّبر. القلب هو آخر من يسقط في معارك الحياة. يتشبّث بقشّة الأمل حتى تنقصم. يحوك الأعذار من فتات الأعذار المستهلكة ويجدّد دمه الفاتر إلى النّهاية من كلّ طريق.

تهالكت ثقيلة على المقعد. أحسّت بوزنها يزداد فخصرها يكتنز، وردفاها يتكدّسان، وبطنها يتهدّل، وملابسها تضيق وتتفتّق.. ويلاه.. الثّياب مستلفة من جارة لم ترض إعارتها إيّاها حتى أفشت لها السّرّ.. كأنّها استعادت لتوّها وزنا دسما ضنكت أشهرا عسيرة في تخفيفه لأجل مديحه. نزعت عدسات السّماء الزّرقاء من عينيها وضربت عليهما خيام السّواد الكدر فازورّ حسنها عن ألق الشّوق. لم تمسح الحذاء الأغبر. لم تنفض غبار الانتظار عن سترتها. لم تنظر في المرآة طيلة السّاعة الأخيرة من موعد انطلاق القطار..

لم يأت. زهق الصّدق. زهق الكذب. ما بال كليهما فاشلا لا يدقّ قدم رجل في حياتها..؟ كانت ترفع عنها بُرْقع القسوة وتفتح ملجأ الحضن الشّفيق للباكين وعندما تنشف الدّموع يرحلون عنها مخلّفين لها شكرا ولَوَاعِج. كانت تسخو بما لديها من مال يسير وتقيم ولائم المسرّة فيَقيل عندها عابرو الأحزان والمُعْوَزون آمنين طاعمين ثمّ يبيتون خِفَافًا مرحين حيث لا تعلم. تُرَبّي الأخ المُسْتَلَف بدوره من أب آخر وابن الأخ وابنة الجار. تنتحل صفات النّساء جميعها وتستهلك مشاعرها حتى نهايات العطاء، فإذا جنّ البرد الْتفّ الغصن بالغصن ونُبذت بالوحدة كخريف الورقة تُلقى بلا أسف على الرّصيف من كلّ قلب تتسوّل إحسان الذّكريات وبعض الإطراء..

– لن يعاود الاتّصال يا أمينة. ستُتْرَكين وحيدة بلا أنيس يقوت فقر القلب ويسند عرج العمر الهزيل..

بهو الانتظار شبه مقفر. قطارات المساء تشحن حقائب الصّباح وتغور في الغروب. أقدام عجلة تمرق. كهل ربع القامة، أشيب الرّأس يلزم مكانه المنزوي في الصفّ المقابل لها. يفتح جريدة الأسبوع المنقضي مقلوبة على صفحتها الأولى ويدفن فيها وجهه فتثير عصاه البيضاء نكات المسافرين.

نظرت في ساعتها . ربع ساعة أخرى وينطلق القطار. تحسّس الكهل أجزاء ساعته الحدباء . رفع رأسه إلى الأعلى نيْفا. قدّر أنّ الوقت مرتحل . كان يقف بين الوهلة والأخرى . يطوي الجريدة . يتفقّد هيئته. يمشي خطوات يسيرة ، ثمّ يعود إلى مقعده القصيّ ويفتح الجريدة مقلوبة.

– أمغدور هو أيضا بوعد حبيب..؟ سيبيت المسكين على ظلمتين.

قامت وجهة الرّجوع . تركت على المقعد الحُنْق والوزن الثّقيل. قد يتّصل هذه اللّيلة فيعتذر فتعذِر. قام الرّجل الوجهة النّقيض.

وقفت أمام شبّاك التذّاكر. اِلْتفتت. للغائب عذره المقنع. صار الكهل مقربة باب الخروج يقدّم عصاه ويلحق قدميه بحذر.

لن يأتيَ . قطعت تذكرة الخروج من صوته لتعود في وحدة الزّهر المنبتّ يحلم بأرض فقيدة مرّ بعطرها ذات طَلٍّ، لتدخل غرفتها على صمت مزّ بلا غناء يشبع نفسها الفقيرة بالأماني ولا أكواب مترعة بالهوى تُغَيَّب وعي الوحدة عن قلب وحيد.. رفع الكهل صوته الجميل يغنّي غدر النّساء بالرّجال.. ذهلت عن شخير القطار الأخير يستعدّ للانطلاق.. اِنقلب هزل اللّعب على جدّه المغوي يوقع القلبين في حفرة المكر حفرها كلاهما لكليهما على مقاس شخصيّ. لم تبرح مكانها. برح هو بهو المحطّة منسجما مع الظلام المشتمل.. صوته يتلاشى.. ينسحب من واقع الأيّام العاديّة ويعود إلى سكن الأثير.. أيكون ..؟ لكن كيف يميّز الأعمى بين جريدة مقلوبة وأخرى غير مقلوبة وهو أعمى..؟ يطويها ويعيد فتحها بحذق المبصر وإضمار منتظر عنيد..

– أهذا الكهل المتهدّم ، شديد النّحولة ، الذي يجلس على ضجر وهواجس وضحكات ساخرة على مرّ يوم عصيب كان ينتظرك ..؟

– هراء أن يكون هو.

– بلى.. كان يعرض عليك علامات اللّقاء كامل اليوم فلا يثير فيك أكثر من هزء العابرين..

– كلاّ.. لعلّها المصادفة تروي طرفة سخيفة..

– إنّه خطأ الإطار الذي تحملين. لم يكن مَرِنَ الأبعاد فيطول أو يقصر. كان خشبيّا ثابت الحدود وكنت تبحثين له عن صورة تلائمه فلا تقحمين فيه واحدة إلاّ خرجت منكمشة الأطراف.

تسمّرت عيناها تلقاء الباب الذي غادر منه. يبست الشّفتان. اِنحبس الحلق عن ندائه. اِضطرب عقل الاختيار.

– لكن.. هو لم يقل إنّه عجوز.

– لا بأس، السنّ في الحبّ تفصيل مهمل يا أمينة.

– لم أعرفه. لاحَقْتُ بعينيّ كلّ الرّجال الذين عبروا بي ولم أنتبه إليه. العصا البيضاء أربكت الصّورة وضلّلت العين .. هو.. لم  يقل.. إنّه..

تسمّرت أمينة على مفرق الاتّجاهات المتعاكسة مسلوبة القرار. كان صوته يقدِم من ناصية البعاد حزينا فيثير فيها الأسى والحنين ويُرعش الأذن عاشقة الصّوت، وكان القطار يزعق مصفّرا ويزحف ببطء على سكّة الرّجوع ..

*بسمة الشوالي  قاصة من تونس أصدرت مجموعة قصصية بعنوان “مزالق الحنين”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق