قراءات ودراسات

تفاعل المتخيل مع الراهن الجزائري في رواية “راس المحنة” لعزالدين جلاوجي

د. وليد بوعديلة*

في سياق نظرية الأدب تتفق القراءات على أن النص لا يمكن أن يتجاوز مرجعياته كما لا يمكن أن تنفي القراءة الخصوصيات الحضارية المؤثرة في الإبداع الأدبي. لأن الجمالي يتداخل مع السوسيو ومع الاقتصادي والسياسي، وغير ذلك من جوانب الواقع. ومن هنا تأتي هذه الوقفة النقدية عند رواية ” راس المحنة”. العنوان الكامل للرواية هو “راس المحنة1+1=0” ويأتي هذا التركيب (مضاف ومضاف إليه) في أسفل صفحة الغلاف بلون أسود يحيط به اللون الأحمر.. بالإضافة إلى لوحة فنية يختلط فيها الأسود مع الأحمر والأبيض لمشهد غير واضح هو أقرب إلى التجريد منه إلى التجسيد. وفي ذلك إحالة على الغرابة والغموض، عدم وضوح المعنى/ الجواب. وهنا تحضر الأسئلة المنطلقة من تشكيل العنوان إلى تشكيل اللوحة الفنية إلى تشكيل الفضاء النصي إجمالا..فهل أخطأ عزالدين جلاوجي في لغة الحساب، وجعل عملية واحد زائد واحد تساوي صفر بدل اثنين؟ أم يمكن للكتابة الأدبية أو التجليات السياقية أن تقدما نتيجة صفرية سلبية؟ هل توجد تعالقات جمالية دلالية بين اللوحة الفنية الموجودة في غلاف الصفحة الأولى بين العنوان والحكاية والخطاب؟

قد تكون القراءة محصورة في فضاء إعلامي ضيق، لكن سنحاول أن نكاشف بعض المعلومات التي وجدناها في الرواية. وأهم علامة خرجنا بها أو (نفتح) عليها هي أن (1+1=0) عملية صحيحة في الزمن الجزائري أو في المنظور الجزائري؛ حيث أن هذه العملية ذات النتيجة الصفرية تخفي علامات غياب القيم وتداخلها في الراهن، ويتحول الصالح إلى الفاسد، ويتخذ الشرف الجهادي مكان الانحطاط والسقوط، ويتخذ الدنس الخياني مكان القيادة والسيادة. وهنا تتوالى الدلالات السوسيولوجية في الرواية انطلاقا من أمجاد الماضي الثوري وصولا إلى الراهن المأساوي الإرهابي ويبنهما يقدم عزالدين جلاوجي مسارا سرديا يحاور المدينة والريف وأسئلة التاريخ والوطن وصراع الإيديولوجيات والبحث عن هوية ثقافية مفقودة مغتالة، لكن أبرز منظور سوسيو-ثقافي (نستعين هنا برؤى وإجراءات المنهج السوسيو نقدي) يرتفع صوته من داخل النص الروائي هو منظور البحث الجمالي في زمن الشهادة وزمن الخيانة من خلال حكاية وخطاب عمي صالح أحد شخصيات الرواية. وقد انتقل اسمه من صالح الرصاصة في الجزائر التحرير والوطنية إلى صالح المغبون في جزائر الاستقلال والبناء الاقتصادي- الاجتماعي- السياسي.لسنا ندري هل هو بناء أم خراب في ظل ضبابية مشروع (المجتمع).

ونحن نقرأ في رواية “راس المحنة” تفاعلا مع راهن جزائري محاصر بملامح الفساد والإرهاب ولم يجد المواطن الجزائري نفسه في عوالم المجد والكرامة بقدر ما وجد نفسه مغبونا مجنونا مقتولا..وهذه علامات تحضر بعنف في الرواية، يقول عمي صالح المجاهد الذي وجد نفسه بعد سنوات البطولة الثورية في حارة شعبية حقيرة “لعنة الله على حرية يذل فيها صانعوها ويعز فيها أعداؤها” (ص99). هي حرية تعطي الشرف والقداسة للخونة الحركي وتدوس على صناع النضال أو الفروسية المعاصرة. لذلك تنفتح القراءة على دلائلية الرفض لكل ما هو تاريخي أو وطني، وهي دلالة تتحرك في وعي الشباب في النص وفي السياق وليس النص الأدبي (هذه الرواية) إلا حوارا فنيا أو محاكاة لراهن الزمن المافياوي والإرهابي. وهو راهن ذابت فيه القيم واغتيلت فيه الضمائر وارتفعت فيه أصوات الرشاش بدل الفكر والإقصاء بدل الحوار. إن “منير” صاحب المكتبة هو المثقف الذي يقدم عبره الكاتب رؤاه ومواقفه من تفاعلات الثقافي مع السياسي أو أسئلة الحاضر والماضي، وفي كثير من البنى السردية نقرأ علامات أدبية تنبض بالدلالات السوسيولوجية “فمنير” يحاول أن يدافع عن أحقية الثقافي في السير بالاجتماعي والسياسي، لكنه يعيش في ظل غربة واغتراب. وفي ظل قيود وممارسات سلطوية استبدادية فاسدة من رجال النظام.

الرواية…علامات الراهن: من الإحالات الراهنية الجزائرية في النص ملاحقات الكتابة (الصحافة) من طرف السلطة والإرهاب، وخطابات الأفكار الشاذة/المغالاة التي تأسست من مفاهيم الأصولية (السلفية). ليس ذلك وحسب، بل إن الرواية تدخل في مسألة الاختلاف والصراع المذهبي في المساجد وفي الأزقة. وهي دلالات سياقية مازالت تتكرر في ظل غياب المرجع الفقهي والإعلام الدعوي (…) وهذه رؤية يمكن أن ينفتح حولها النقاش وليس ذلك في الأفق الأدبي أو الجمالي فقط وإنما يسهم في هذا النقاش القانوني الشرعي النفسي الاجتماعي في محاولة لتوقيف نتائجه (الاختلاف الفقهي) الوخيمة فردا وجماعة.

وحاور عزالدين جلاوجي الراهن الاجتماعي المأساوي لمختلف الطبقات الاجتماعية لذلك تعددت الأصوات السردية واختلف المنظور السردي في “راس المحنة” كل ذلك ضمن بنية سردية تنتقل من شخصية إلى أخرى ومن موقف إلى آخر دون إشعار المتلقي وإبلاغه. وهو ما يصعب عملية القراءة من جهة، ويصنع الأدبية من جهة أخرى.

ومن أبرز الدلالات التي خرجنا بها بعد قراءة الرواية أن التفاهات السياسية والعبث الاجتماعي ليس إلا نتيجة لما هو أكثر تفاهة وعبثا.

ومن خلال تتبع شخصية المثقف في هذه الرواية وفي كثير من رويات المحنة (المأساة، الفتنة، الأزمة…) يمكن أن نذهب إلى أن “الشيفون الفكري” “أنتج” الشيفون السياسي-والاجتماعي “كما أن العنف الفكري- الرمزي أنتج العنف المادي. وكانت النتيجة هذا الخراب والضياع، وهذه الأسئلة المتلاحقة عن الجمالي والاجتماعي وكأنها (أسئلة أخرى عن الرواية الجزائرية) كما عبر عن ذلك الروائي بشير مفتي في الملحق الثقافي للخبر(06 جانفي 2005) وكما قالت الرواية:” متى يستريح هذا الوطن من غيلان الأحقاد؟ متى تلبسين فستان فرحك أيتها البيضاء؟ (ص231) بعد أن كاشفت الأغنيات البشعة والتحولات المتتالية وتجليات الإقصاء. ويتحول الوطن في رواية راس المحنة إلى أرض للجدب والجفاف وذاكرة لخنق الإنسانية وبيع الضمير ووأد الأخلاق (…) وكل علامات الهباء والفراغ قيما ورؤى.. إنه وطن يحضر في مجتمع مسلوب، مقهور، مفجوع.. لا يمكن قراءة جذور الإرهاب فيه إلا عبر مكاشفات أدبية جريئة وصريحة

–وهو ما يكشف النصوص الأخرى- البدائل النقدية لجورج لوكاش وغولدمان في مواقفهما الاجتماعية والتاريخية وتعجز عنه المواقف الشكلانية والبنوية، لكن ستقدم أهم الخصوصيات التي تميز التقنية السردية في “راس المحنة” انطلاقا من أن اختيار شكل ما ينطلق من موقف وتوجه. وهو إحالة على رؤية فالميل إلى أدوات فنية معينة كلاسيكية أو تجريبية “هو في حد ذاته إحالة على آفاق دلالية. ويبقى الفصل بين البنية والرؤية فصلا إجرائيا فقط، لأنه من الصعب الوقوف عند الداخل نصي وإهمال الخارج نصي، كما أنه من الصعب أن يظل المبدع بعيد عن فجائع أمته.

من جماليات الرواية:

إذا كان عنوان هاته القراءة يبحث في المتخيل وتفاعله مع السياق، وإذا كانت السطور السابقة كاشفت الحضور “الاجتماعي في الجمالي”، فالسطور اللاحقة رحلة في تقنيات السرد وأهم ملامح المتخيل “راس المحنة”.

إنها رواية تنوع الأصوات السردية وتتفاعل جماليا ودلاليا مع الذاكرة الشعبية بكل تجلياتها، كما توظف الشعر العربي (مفدي زكرياء- نزار القباني) وتستحضر العوالم الصوفية وتتألق في بنى شاعرية كما يتجلى ذلك في فصل “الخروج من التابوت” عندما يتحدث الروائي في سردية شعرية عن جمال وجلال عاطفة الحب وتضاريس المكان، كما نجد الفضاء الشعري الصوفي  في الصفحات الأخيرة للرواية وكأن السارد يدخل بالملتقي في مقامات صوفية بكل جلالاتها وإشراقاتها. أما التعامل السردي مع الزمن فهو لم يكن تجريبيا انقلابيا حيث لا يكثر السارد من المغامرة والتنويع في الأزمة (الزمن بالمفهوم الذاتي الجمالي وليس الزمن التتابعي) وعكس ذلك، فعل مع المكان فهو حمال إيديولوجيا الشخصيات وسيمائياتها- سيميولوجياتها (ألا يرى القارئ صعوبة الفصل بين البنوي والدلالي؟).

إذا رأي الباحث عبد الحميد هيمة في قراءته للرواية أن “أهم ما تتميز به هو نزوعها نحو التجريب وتحطيم الشكل التقليدي للرواية”، فنحن نرى العكس لأن عزالدين لم يرحل بعيدا في التجريب ولم يكتب رواية حداثية بعمق، ولكنه قدم لنا بعض الملامح التجريبية مثل النزوع نحو الشعارية السردية والتناص مع التراث والشعر والقرآن وتنويع البطولة وتوزيع السرد…

إن “راس المحنة” لم تعلن انقلابا مفضوحا نحو عن القيود البنوية والرؤيوية كما لم تنزع نحو الغرائية والعجائبية ولم تستحضر بكثرة اليومي العلمي في اللغة وخضع السرد لبنية التسلسل والتعاقب في بعض الفصول كما لم تكن الرواية منغلقة مستفزة للقارئ (على الأقل  لنا..بسبب ذوقنا ووعينا).

أخيرا هي رواية تؤسس للحوار بين الإبداع والراهن وهو روائي يؤرخ فنيا للحظات الفجيعة الوطنية لكن في كتابة تعلن فرادتها وتدافع عن هويتها بعيدا عن الاستعجال أو السذاجة الفنية.

*(جامعة سكيكدة)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق