قراءات ودراسات

إنشائيّة الواقع والذّوات :في المجموعة القصصيّة “مذكّرات من منفى سحيق” للقصّاص المغربي صخر المهيّف

خيرة خلف الله*

تمهيد : كم تلوذ الذّات بذاتها فتدبّج مراحها بالأخيلة وتنوّعها في شكل عالم مطرّز بما يمكن لهذه الذّات من تحليق في سماء المستحيل وحطّ على ارض الممكن ،كلّ ذلك في محاصرة للذّاكرة تحفر فيها مليّا تراودها على لحظاتها المنفلتة من قيد الزّمن والناّس ،تمعن هذه الأنا في التّحديق …في التّفاصيل وتنبش الزّوايا علّها تتّقي حمم الأسئلة، أوهي في دعابة الهتك للمستور ممّا أغفلته لحظة تسجيلها لمرورها فينا “شمعة رومانسيّة تنير حلكة اللّيل المسيّج … “للوجود على رأي صاحب هذه المجموعة القصصيّة “ذكريات من منفى سحيق ” هذه الذّكريات الّتي تشقّ أزر مجموعته تضرب بنا في جدل الأنا وموضوعها المتربّص بها عند كلّ تيه هذا الفضاء الواسع المستبيح للحرف لا يخلو في تقدير قراءتنا من صدى يشدّنا لقاع عميق فينا هو الذّكرى التي تهرع بنا في أرجاء الذّات الكاتبة لنسلّم بأنّ الكاتب في هذه المجموعة والملقّب بصعلوك الأقصوصة المغربيّة كما ينعته لداته والّتي هي من المنشورات الّتي حملت روح جيل واعد يؤسّس لهمومه الذّاتيّة في عالم سرياليّ مليء بالرّومانسيّة فيغير فصلها ويناضل من أجل الظّفر بتوحّد ممكن بالأحاسيس الصّادقة المانحة للحياة

سنقتصر في تقصّينا على هذه الأقصوصة بيت القصيد من المجموعة والتي تحمل نفس العنوان والمجموعة “ذكريات من منفى سحيق ” ومحور دراستنا إنشائيّة الواقع والذّوات في هذا المنفى لما لكلّ منهما من صدى بليغ في الآخر لذلك سنعتمد المنهج البنيوي الّذي تجاوز حدود البحث اللّغوي وامتدّ إلى كثير من المعارف الاجتماعيّة والإنسانيّة وعملنا سيكون في إطار الأسلوبيّة البنيويّة تحديدا الّتي تعنى بالنّص الأدبي الأدبي وجهازه اللّغوي على حدّ سواء والّذي يرى أنّ المنابع الحقيقيّة للظّاهرة الأسلوبيّة لا تكمن في اللغة ونمطيّتها فقط بل تكمن إلى جانب ذلك في وظائف اللغة ولذلك يعرف هذا الاتّجاه بالأسلوبية الوظيفيّة وقد نتج عن هذه الأسلوبية تيار اعتمد عليه النقد الأدبيّ الحديث هو الإنشائيّة الّتي هي مصطلح يرجع بجذوره إلى أرسطو ,ولكن ما يهمّنا هو الإنشائية الرومانسية حيث تتضح الوظيفة التّأثيريّة على حساب الوظيفة الإنشائيّة في الكلام الأدبي اختزالا للإفاضة وحصرا لمفهومنا الذي ارتأينا استقراءه من خلال هذه الأقصوصة التي تتوسّط المجموعة من جملة ستّ وستّين صفحة أي بمثابة القلب من الأثر علاوة على كونها تحمل نفس عنوان المجموعة مسرح أحداث هذه الأقصوصة الذّاكرة وما خدش مرورها من تلوّن للمخيال الّذي يشدّ نسيجها وما تلمّضته الذّات / المكان وتفاعلهما في انصهار يأخذ بتلابيب لحظة المكاشفة الإبداعيّة

-1إنشائيّة الذّات

تلوح هذه الذّات المحور القصّ امتدادا متشظّي الصّور والأبعاد :حيث يستهلّ الكاتب ترجيعه بقوله في ص22″بعثرت جسدي في ألوان الطّيف عاريا …هذا التّعرّي فيه تقشير للزّمن والمكان مديته ما تعيشه الذّات من تقلّبات في مستوى هذا الوجود الّذي يسترعي انتباهنا والّذي كما رسمه لنا الكاتب فضاء قفر من التّكلّف والنّاس. الزّمن هو اللّيل يخيّم بوجومه على ظلال صحراء هامدة تنقطع عندها أسباب المعيشة والحياة هوّة مكانيّة ملجمة لانطلاق الذّات الّتي تنعكف في بوتقة استرجاع لهذا الحضور الحزيز للمكوّنات في قلّته في مقابل التّعدّد الوظيفيّ لها لذلك نلمح نشد الذّات للحكي رأسا دون جنوح لتأثيث ذاكرتنا بغير مقصديّة الكاتب في سيره الانحداريّ عبر مسامّ هذه الهوّة المنفى .إنشائيّة المكان هنا تكتسب بعدا تأثيريّا في الذّات السّاردة والمتلقّي على حد سواء فتحجم اندفاعهما وتأسره في حدود الصّحراء. فالكاتب يرى أنّه “لم يكن مقيتا أن يكتسب جزء من ذاكرته المحترقة على الرّغم من المعاناة الّتي تكبّدها في سبيل شنقها وهي تبوح “ص22 لذلك يسم هذه الذاكرة بأنها كطائر الفينيق تنبعث من جديد بعد احتراق .ملامح هذه الذّاكرة تغرق في إنشائيّة موهمة بالاحتراق فهي وعلى حدّ تعبيره تسير على لون واحد نفس المكان ونفس الوجود ،المحلّ الإنسانيّ أجرد وكذلك الجبال صلعاء والصّمت توقيع مملّ يفتقر للحبّ يقول “ليت شعري بحبيبة تشاركني سجن القمر …

المغامرة والذّاكرة على حدّ سواء في تحدّ مفرغ من أسباب التّوقّد التّام ّ للوجدان …إنّه افتقار من نوع عاطفيّ، فالكاتب مكانه الخصب لكنّ لغته كانت متعطّشة لهذا التّمثّل الّذي أسال لعاب الخيال دون الظّفر به .وتتداعى الذّاكرة في تلوين آلامها التّي عمّقها هذا الوجود المشوّه البائس النّسق … هذا الفراغ المستفحل في الذّات السّاردة فتعبّر عن افتقارها للحبّ في هذا المكان المخيف الذي التحف “الصّحراء ” نلمح تواشجا جليّا بين الوظيفة التعبيرية للصحراء بوصفها انطلاقا وهمودا دون تلوّن أو معنى معيّن وما وظّفها من أجله الكاتب حسب ما يقترضيه منطق القصّ من خلال عمل الشخصيّة الرئيسية في هذا الحيّز الجغرافي وما يفرضه من تحدّيات سلبت هذا المواطن قلبه وأهله ليغدو الحفر في هذه الذاكرة هو زعزعة لجمود الحلم نتيجة ارتسام هذا الواقع المنزّل على الذات .لتتشظّى إلى ذوات تعاني على ضوء المستجدات نتيجة حتميّة معيشيّة مجحفة . المستوى الأوّل من الذّات في هذه الأقصوصة هو الأنا الحاملة للمشروع السّرديّ يقول ص25″ كنت سجين عمل لا أحبه في أرض لا أحبّها …”هذا مدار الأقصوصة يزجّ بالسّارد في معترك سرديّ يتداخل فيه الحزن بالألم و الافتقار بالافتقاد والموجود بالمنشود فينعكس ذلك على علاقة هذه الأنا ببقيّة الشّخصيّات ليصبح الأصدقاء أبعادا لهذه الأزمة حيث يطلق أحدهم على هذا المكان اسم” منفى المنفى”. العشيقة التي تكلّست شهوتها بفعل البعاد وأصبحت كالسّاعة مشاعرها لا تدقّ إلاّ ساعة اللّقاء فتسري حركتها الآليّة في الذّات السّاردة ليبادلها اللا مبالاة ثمّ يخوض الكاتب في إطار عودته الحبّ المقدّر هذا الإحساس الّذي سيقوّي صلته بالمدينة أكثر يتلبّس بالسّارد فيمعن قلبه في الخصب الّذي ولد داخله لكنّه سرعا نما يبدّده البعاد و الانبتات فينزلق شعوره نحو الموت والتبدّد .ليصعق البطل بهجر حبيبته له و ليكون هذا المنفى أكثر وحشة وبشاعة تأمّلت الجبل الغربيّ كنت أريد أن أبكي لكن الدّموع احتبست في محجري –لماذا فعلت بي كلّ هذا ؟… سؤال مرير يكشف عن مرارة هذا الواقع الذّي أفرز البعد وتخلّي حبيبته عنه ؟ هذه الإنشائيّة الرّومانسيّة ذات حسّ مثقل تيها ومرارة لذات تلوّج في التّفاصيل الجيّاشة المسهبة نأيا إنّه الانعتاق من حدود الجغرافيا نحو فلاة غسلت عواطفه وأحلامه علاوة عن تفكيره

2إنشائيّة الواقع

لا شكّ أنّ منزلة الذّات من الكون بمثابة القطب من الرّحى وقد تدعّمت هذه الرّؤية شيئا فشيئا نتيجة تضافر جملة من المسبّبات الّتي دحرت الإنسان إلى التّفكير في موقعه وصياغته على شاكلة تختزل الامتداد الأيديولوجي و الفسيولوجي ولمّا سقطت النّظرة المتعالية للما ورائيات ونظرتها للحياة التي ألجمت انطلاق التفكير الإنساني وسعت إلى الحدّ من سطوته على الطّبيعة لقرون صار بوسع الذّات إعادة إنتاجها للمعطى تقيسه بمقاسها وتستوعبه لصالحها لكن هذا التّعالق الوجوديّ لم يسلم من إحباطات منعت الذّات من المضيّ في تمرّدها بل وترقى أحيانا إلى إحباطه فتجرّده من حلمه وتخضعه لحتميّة الواقع فتقمع تخييله وتعمّق غربته وهذا البطل السّرياليّ الّذي يجترّ ذاكرته على هذه الصّفحات نجده مأزوما بواقع شرس أراد نفيه بالحياة فاسكنه مغاويره في صراع مع العدم قاتل .هذا التصوير المتوحّش التي زجّت الظّروف بالبطل لعيشه يكتسب أهمية بالغة في تنميق للعمليّة السّرديّة …فهذا التّهميش للأفراد وهذا الزّجّ التّعسّفيّ في النأي بهم عن واقعهم يكتسي أبعادا متلوّنة الألم …فالبطل لمجرّد قبوله بالعمل في هذا الرّبع الخالي خلت حياته من مناخاتها الخصبة كما تلوّنت معاناته من سوء وضعه مع أصدقائه من أمثاله من الشّباب ويستشهد السّارد بنقل وقائع ليلة ممطرة عاش رهبتها تحت سقف مسكن غير صحيّ يفتقر لأسباب المعيشة الكريمة يقول ص29..”.قمت لأتبوّل في الخلاء مادام مسكننا لا يتوفّر على مرحاض …انهمر المطر بقوّة بالكاد عثرت على شمعة وجدت نفسي مرتعبا من منظر السّقف وهو يتآكل ” هذه الصّور التّسجيلية عن هذا الواقع الشّائك عمّقت الإحساس بالمعاناة التي تتكبّدها هذه الذّات في رحلة بحثها عن لقمة العيش يصوّر الكاتب الواقع تصويرا مقصديّا مقتصرا على التّفاصيل الّتي تعكس ملامح معاناته من تضاريس تبعث على الوحشة والغربة والوحدة : صحراء …مطر …جبل …إلى الإكثار من استعمال المؤشّرات الزّمنيّة الّتي تثير الوحشة والخوف :غروب …ليل …مساء وحتّى الضّوء الوحيد في خضمّ هذا الواقع كانت رسائل الحبيبة الّتي نهض ذات يوم على خبر تخلّيها عنه تصوير دراميّ تعميقا للمأساة… لسان حال الذّاكرة اكتسى تضخيما للحدث في تصوير كليّ يتسرّب فيلقي عليها بظلاله الكئيبة …معلنا عن قلم رقيق مرهف يزحف من خلف هذه الحجب…

*ناقدة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق