حوارات المجلة

الأديبة السورية غالية قباني للمجلة الثقافية الجزائرية: الكتابة هي تأريخ غير مباشر للحظة استثنائية. .

تعد الروائية غالية قباني واحدة من الكاتبات اللواتي يمارسن الكتابة بطريقتها وبإنسانيتها الخاصة التي تدافع من خلالها عن العملية الإبداعية الجيدة، إنها تصنع عالمها الروائي الذي يثير لديك تلك الحالة من الدهشة الجميلة، ولعل الذين يعرفون غالية قباني الإعلامية المختصة في الشؤون الثقافية، يعرفون أيضا غاليا المهوسة بالدقة داخل النص، بحيث تبدو الثرثرة الروائية شيئا مملا بالنسبة إليها، فلا مناص من كتابة نص يوصل الفكرة إلى القارئ دونما إطناب مجاني..

هذا الحرص هو الذي جعلها ترسم طريقها بجدية وثبات في عالم الكتابة الأدبية.. في هذا اللقاء، اقتربنا منها أكثر، حاولنا أن نعرف بعض التفاصيل التي من خلالها تتحول الفكرة إلى نص، والنص إلى عمل روائي، فكان هذا الحوار…

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت أن تقدمي غالية قباني للقراء، فكيف تقدمينها؟

غالية قباني: هذا سؤال بسيط ظاهرياً معقد ضمنياً. من منا قادر على تقديم نفسه ببضع كلمات؟ أنا هي غالية قباني، الصحفية، الكاتبة، التي يمتلئ قلبها بالحب للبشر والأمكنة والكون. منذ وعيي المبكر وأنا أعبر عن نفسي واشفيها من أوجاعها من خلال الكتابة. لولاها لدخلت في حالة سريرية من الكآبة.

المجلة الثقافية الجزائرية: قديما قالت فرانسواز ساغان:” كيف يمكن النظر إلى حدود الكتابة من دون الرجوع إلى الذاكرة”.. هل ما زالت الذاكرة تغري الكاتب بفتنة ما، كما الماضي، أم أن الكاتب صار يترك ذاكرته جانبا عند الكتابة؟

غالية قباني: بالنسية لي، على الأقل، الذاكرة هي الزاد الذي يعمل مع المخيلة لتقديم منتج جديد. كل ما يمرّ بالكاتب قابل للتخزين وللاستخدام لاحقاً، لا أعني السيرة الذاتية فقط، ولكن معايشة اللحظة والشخوص والانفعالات بإخلاص. ذاكرتي لا تحتفظ بكل لحظة تمرّ بها، بالطبع، ولا بكل شخص ألتقيه أو كل انفعال أعيشه. انها انتقائية في ما يخص الكتابة. أحيانا أكون في القطار او في الحافلة، او عند مدخل محل، فتسوتقفني عبارة بين شخصين أو موقف ما مختزن بشحنة درامية، يببقى ذلك في ذاكرتي التي باتت من المهنية بحيث تعرف أين تحفظ هذه الجزئية ومتى تمدّني بها. قد لا أحتاجها أبداً، لكنها هناك، جاهزة للاستعادة. عليّ أن أنوّه فقط بأن الاستعانة بالذاكرة لا يعني استنساخ التفاصيل كما هي، قد تكون مجرد أساس أمده بالتخييل ليفيد نصي.

المجلة الثقافية الجزائرية: وذاكرتك، بماذا تغريك؟

غالية قباني: تغريني بالحكي وروي الممتع منها. لطالما أحببت إعادة صوغ الذكريات والأحداث لمن حولي منذ صغري. أحيانا أنتبه الى أني أعامل مخزون الذاكرة معاملتي للنص، أغيّر في طريقة سرده، أؤخر أو أقدم، كما نفعل مع نص يخضع للتحرير بهدف أن يحقق الإثارة ويجذب اهتمام القارئ.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعيني أسألك عن عالم غالية قباني الروائي.. كيف تصفيه لنا؟ كيف تكتبين، ومتى؟ وهل ثمة طقوس ما قبل وبعد الكتابة؟

غالية قباني: السؤال محير بعض الشيء لأني لم أسجل طقوساً بمعنى الكلمة في ذاكرتي لحالة الكتابة. الآن وأنا أجيب على السؤال أنتبه الى أنني أعيش حالة تشبه المرض بأعراضه الخفيفة فقط، قبل الكتابة الفعلية للنص، التي قد تمتد لأيام وأسابيع، أعيش خلالها حالة من الخلل في التوازن النفسي والذهني، تعمل أثناءها مخيلتي على عالم النص، بينما يتابع عقلي في وعيه المباشر الواقع وتفاصيله اليومية. إنها حالة من التوتر وكأني مقبلة على امتحان سيحدد مصيري. ثم، وبعد أن أبدأ بالكتابة، أشرع باستعادة هدوئي قليلا، الى أن يقودني السرد الى نقاط حرجة مربكة، فيرتبك توازني مرة أخرى. أفضل الكتابة في مكان مرتب نسبيا لا تحيط بي الفوضى. النهار هو زمن مفضل عندي، ولكني قد ألجأ للكتابة ليلا أحياناُ، ان كان هو الوقت المتاح للهدوء والتفرغ. لا أكتب في الضجيج، أيا كان مصدره في البيت، لا راديو ولا تلفزيون ولا أفراد حولي يتحركون. استمع الى الموسيقى الكلاسيكية أثناء الكتابة. أو أجلس في الصمت التام. الغريب أني استطيع تحمّل ضجيج المقاهي ان صدف وحملت اللابتوب معي، هناك، كأني ألفّ نفسي بشرنقة تحميني من الأصوات والازعاجات. لكن في اللحظات الحرجة لكتابة النص، تبقى زاويتي في بيتي المكان المثالي للكتابة.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي حين أطلع على ما تكتبين أكتشف هاجسك الشديد لإيجاد بدائل كثيرة وأحيانا متباينة (داخل النص) لواقع غير متوازن حد المرض.. فما الذين تبحثين عنه تحديدا؟

غالية قباني: أبحث عن جوهر الأمور لا عمّا تبدو عليه. أكره الزيف. أهجس في جوهر الحياة والعلاقات داخلها. ألجأ الى طرح الأسئلة بطرق مختلفة لأنها أداة فعالة في تحفيز الذهن على التفكير والتأمل. أميل لاستفزاز القارئ معي كي نكوّن جبهة ضد البلادة وضد استلام الواقع كما هو، بدون مساءلة.

المجلة الثقافية الجزائرية: أصدرت عام 92 مجموعتك “القصصية الأولى حالنا وحال هذا العبد”، وأصدرت مؤخرا روايتك الثانية “أسرار وأكاذيب”.. هل تشعرين أنك حققت خطوة حقيقية في العملية السردية الخاصة بك؟

غالية قباني: المبدع يبقى يعمل في مختبر إبداعي طوال حياته، طالما أنه لا يزال يعمل، كتابة أو رسماً أو لحناً، الخ. ولا أدري إن كنت أجرؤ على تسمية ما حققته بال”خطوة الحقيقية في العملية السردية”، ولكن ما تحقق حتى الآن يمنح على الأقل تصوراً لخصوصيتي في الكتابة التى أسعى فيها أن لا أقلد أحداً وأن أترك نفسي على سجيتها قدر الإمكان، من دون فذلكة وثرثرة تفيض عن حاجة القارئ من القراءة نفسها، فلا يضطر لتقليب الصفحات او استراق النظر الى الصفحات التالية، مللاً من انشاء وكلام يمكن أن يحذف من دون أن يؤثر في معنى النص او تماسكه.

المجلة الثقافية الجزائرية: “حالنا وحال هذا العبد” بدت مليئة بالأسئلة، إزاء الراهن، وإزاء تلك الغربة التي تسكن الإنسان، حتى دون أن يكون معنيا تماما بها، بينما في رواية “أسرار وأكاذيب” تبدو غالية قباني كأنها في حالة تأريخ للحظة استثنائية بين مدينتين دمشق ولندن. ما رأيك؟

غالية قباني: ممكن. خصوصاً وأن تنوع القصص يمنح فرصة لطرح كثير من الأسئلة. من دون أن نسهو عن فكرة أن الكتابة هي دوماً تأريخ غير مباشر للحظة استثنائية. ولا تنسى أن المؤرخين وعلماء الاجتماع يعودون أحيانا الى الفنون والآداب ليستقوا منها معلومات عن مراحل معينة في التاريخ، لأن الإبداع عموما يمسك بروح تلك اللحظة ويحفظها لنا، بينما يفشل العمل التوثيقي البحت في ذلك.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعرين أنك تحررت من الأسئلة القديمة التي كانت تنط من قصصك السابقة التي كانت تدخل في سياق الأناة حتى بصيغة شمولية، وأنك وصلت إلى مرحة الكتابة إلى الآخرين متحررة من ورطة أن تكوني أنت المعنية تماما؟

غالية قباني: أختلف معك أستاذ نور الدين، فأنا لم أنطلق ابدا من الأنا وهمومها في كتابتي، كي أنتقل الآن الى مرحلة الكتابة عن الآخرين. أما استخدامي لتقنية كتابة قصصية أكسرها بتدخلات صوت الساردة -وليس الكاتبة- فهي لعبة سردية لكسر الملل والرتابة والتحفيز على الشتويش على لحظة البلادة التي قد تنابنا أحيانا في قراءة النص. وهو أمر بدا واضحاّ في المجموعة الأولى تحديداً، أي “حالنا وحال هذا العبد” . وبإمكاني القول أنني لم أتورط في الكتابة عن تجارب ذاتية، ربما هناك استيحاء من بعض تلك التجارب، وهذا أمر طبيعي، لكن النص موظف تماماً كنص أدبي يحمل شروطه في داخله لا من خارجه. هذا خط مشيت عليه من المجموعة الأولى مرورا بمجموعة “فنجان شاي مع مسز روبنسون” وبرواية “صباح امرأة”، ثم برواية “أسرار وأكاذيب”. أنا واعية تماماً لضرورة التفريق بين السيرة الذاتية والكتابة الأدبية، لأن الخلط بينهما ليس لصالح العملية الأدبية عموماً.

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل لهذا السبب تبدين أكثر رغبة في قول أشياء لا يقولها دائما الأديب، والمتعلقة بمراحل سياسية عاشتها بلده (العنف الداخلي والاستبداد السلطوي السياسي الخ)؟

غالية قباني: لا أتفق مع مقولة في أن الأديب لا يحكي عن مراحل سياسية في مجتمعه. صحيح أن شكل القول يجب أن يختلف عن الكتابة الصحفية أو البحثية، ولكن انظر لما كتبه الطاهر وطار وما كتبه نجيب محفوظ وما يكتبه العشرات من كتابنا، انها كتابة تلتقط ما تمور به مجتمعاتهم اجتماعياّ وسياسياً، وليست كتابة من خارج تلك الموضوعات أبداً. هل تعتبر رواية “الحرب والسلام” خارج هذه المنظومة مثلا؟ بحسب مراجعة نقدية نشرت في النشرة العربية للعدد الأخير من مجلة “لوموند دبلوماتيك”، تتحدث رواية “هندسة المتغيّرات” للسنغالي مامادو محمود نجونغو عن ليلةٍ انتخابيّة تبدّت فيها “الوجوه القلقة للوزراء المتابعين، الذين أمضوا نهارهم في حشو صناديق الاقتراع تزويراً، والمنشغلين بمعرفة ما إذا كانت نتيجة الاقتراع ستصل إلى 94 في المئة أو إلى 98 في المئة لصالح القائد العام الرئيس مدى الحياة”. هل نعتبر تلك الرواية خارج سياق الأدب لأنها تتحدث عن الفساد في الانتخابات او في العملية السياسية مثلا؟. برأيي، لا يوجد شيء يُمنع على الأديب قوله. المهم فقط كيف يقوله، وكيف ينجح في اقناع القارئ أنه أمام رواية، لا أمام بحث أو مقالة او تحقيق صحفي.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تتدخل هنا ذاكرة غالية قباني في إطار مكاشفتها لمرحلة سياسية داخل نص أدبي؟

غالية قباني: أحيل في إجابتي هنا على الاجابة السابقة حول الذاكرة. نعم كل ما يحفظ في الذاكرة قابل للاستخدام، لكن بتصرف وبطريقة مدروسة تتماشى مع النص الأدبي.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تفسرين أن النص الأدبي اليوم يبدو مبنيا على جملة من الرهانات “الخاسرة” على حساب رهان الوطن الحر، والأمن القومي، والسيادة، الخ، وكأن الكاتب يستسهل حالة شبيهة بالفيديو الكليب الأدبي، لقتل الوقت وليس للكتابة الحقيقية؟

غالية قباني: تفسيره يكمن في غياب المرجعية النقدية والأدبية التي تتابع الانتاج الأدبي عموماً. ومثلما صار هناك حالة فلتان في الفيديو كليب الغنائي، هناك حالة مشابهة في الأدب. الساحة متروكة للعلاقات العامة والخاصة، تكتب عني فأكتب عنك. أنزعج منك، فأهاجمك، علاقتي بك جيدة، أقدم مراجعة صحفية ترفعك الى السماء بغض النظر عن مستوى النص. ..غياب المرجعية النقدية ساهم في خلق هذه الفوضى غير الخلاقة للاسف.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تنظرين إلى الرواية العربية الراهنة؟

غالية قباني: أري أن الكثير يحدث على مستوى الرواية في العالم العربي. وآمل ألا يقود ذلك الى حالة فوضى في الكتابة الروائية. ربما كان للجوائز دور في هذا التحفيز, على أية حال انه سباق يشبه أي سباق آخر. من هو جاد في السباق يصمد للنهاية. لأن همّ الكتابة لا يحتمل المزاح: إما أنك جاد في الكتابة، أو لا.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل تشعرين بأن الرواية تحررت من الأناة الضيقة إلى عوالم أرحب، أما تزال سجينة ” الذاكرة الفردية الأحادية” على رأي أحد النقاد؟

غالية قباني: الأمر نسبي ومتوقف على الكاتب نفسه. بعض الكتابات التي انطلقت في حقبة “الانفجار الروائي” العربي الأخير، وجدت في الكتابة تسجيلا لتجاربها الذاتية. ولكن هذا النوع من التجارب لا يمكن أن ينتح طويلا من الذاكرة الفردية الأحادية، غير الغنية بالتجارب الحياتية والابداعية، ولا بد أن تسقط بسرعة في السباق.

مجلة أخبار الثقافة: أنت سورية مقيمة منذ سنوات في لندن.. ما الذي يمكن لمدينة غربية أن تمنحه عادة لكاتب من المشرق؟

غالية قباني: الحرية بالدرجة الأولى، كإنسان، قبل أن يكتب أو يرسم، أو يبدع عموماً. ثم هناك سعة الأفق التي قد يصل لها المغترب في المكان الجديد الذي يدخلنا في إيقاعه وفلسفة نظامه فنتعلم منه شيئا، سواء من حالة القبول أم من حالة الرفض. هناك حالة حوار مسلكية وذهنية مع النظام الجديد للحياة في البلد الجديد. لكن، وفي الوقت نفسه، علينا أن نتفق على أن المدينة الغربية ليست بالجنة الموعودة للمغترب المبدع، بإمكانه فقط أن يحوّلها الى مكان مقبول يتعود عليه، فيأخذ منها أقصى ما يستطيع من فائدة. أنا ضد الاقامة في مكان يكرهه المرء تحت أي شرط. من هنا، فإن عقد اتفاق إلفة مع المدينة المضيفة يمنح الكاتب حالة سلام تساعده في العملية الابداعية. عليه أن يبحث عن الايجابيات في المكان المضيف، قبل أن يدور في حلقة السلبيات التي قد تجذبه الى مركزها فلا يستطيع منها فكاكاً. تغريني شخصياً فكرة الاقامة في مدينة مثل لندن، بتنوعها الانساني الثقافي. أكره الأحادية في كل شيء، ففي الاختلاف تنوع نحتاجه في عالم اليوم المعقد. إضافة الى ذلك، فإن الاقامة في مدينة كوزموبوليتنية، نوع من التماس مع منجز الثقافة العالمية في حالتها الراهنة، من معارض تشكيلية، النشر والكتابة، الموسيقى، السينما، المسرح، كل هذا يغني الروح والعقل بالدرجة الأولى، وعلينا أن نستفيد منه كمبدعين مهاجرين.

المجلة الثقافية الجزائرية: طيب حدثيني عن واقع الثقافة والأدب في بريطانيا، هل يعيش ركودا وانسدادا كالذي يعيشه الواقع الثقافي العربي؟ وما الذي يميّزه في نظرك ككاتبة؟

غالية قباني: لا يوجد مجتمع لديه مناعة من حالة الانسداد والركود. المختلف في الأمر هو تلك الآليات التي يلجأ اليها البعض للتخلص من ذلك الانسداد. على صعيد الرواية البريطانية التي دخلت في عنق الزجاجة منذ عدة عقود، لجأ الناشرون الى تشجيع الروايات المكتوبة بالانجليزية خارج بريطانيا، من هنا كانت جائزة “مان بوكر” العالمية لتشمل كل الروايات القادمة من عالم دول الكمونويلث، الأمر الذي وسع من مبيعات الرواية عموماً عندما وجدت لها سوققراء جدد، وساهم في رفدها للمكتوب بالانجليزية في الوقت نفسه. وتهتم الثقافة البريطانية، كما غيرها من الثقافات المتقدمة، بتنويع مجالات الكتابة. هناك “فن السيرة الذاتية” المتطور جدا والذي لا يتداخل مع الرواية، كما يحدث في بعض الروايات العربية. من جهة أخرى، هناك التنويع داخل فن الرواية نفسها. نجد تقسيمات قائمة على ذائقة القراء، وهذا بسبب أننا نتحدث عن مجتمع يقرأ، لذا تجد في محلات بيع الكتب اقساما للرواية الرومانسية، الجريمة والتشويق، الرواية السياسية، الرواية الايروتيكية، التاريخية، الرواية العلمية. الرعب. وهناك أدب الأطفال وأدب الناشئين. وداخل كل تلك الخانات، هناك خانات فرعية أيضا. من دون أن ننسى الحركة الثقافية التي تروج لهذه الأعمال وأصحابها بعيدا عن الشللية والمحسوبيات، من مهرجانات وندوات ومناسبات ثقافية أخرى، تنظم مسبقا بالتعاون مع دور النشر والوكلاء الأدبيين ومؤسسات العلاقات العامة. انها صناعة قائمة بحد ذاتها، تلتجئ لمنطق السوق، بمعناه الواقعي لا بمعنى الاستهزاء من قيمة العمل.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تقرأين المشهد الثقافي والأدبي في بلدك الأصلي؟

غالية قباني: في المنطقة العربية عموماً هناك حالة انشغال بالرواية، وأخشى أنها ستكون على حساب الأنواع الأخرى مثل الشعر والكتابة للمسرح، فقد بات الشباب ينجذبون لحقيقة وجود جوائز للرواية، وهذا يجعلنا نتحدث عن ضرورة انشاء جوائز عربية لكل الأنواع الأدبية. أما على مستوى النشر فيزعجني عدم تطوير الناشرين لأدواتهم، مما يحصر الكاتب في زاوية غير مريحة تجعله يدفع مبالغ لنشر الكتاب، بدل وجود وسطاء مهنيين يسمون “وكلاء نشر” يبحثون له عن الناشر المناسب وعن أفضل عقد يحفظ له حقه. عدم تطوير مهنة النشر عموما في العالم العربي، يعني تورط الكاتب شخصياً في الترويج لكتابه، وما يترتب على ذلك من سلوك يشبه الاستجداء كي يجد له فرصة لنشر خبر او مراجعة في جريدة ما. ولن أتحدث تالياً عن المهرجانات والفعاليات الثقافية الاخرى التي باتت تتم على مبدأ القوائم المسبقة وتبادلها بين المسؤولين عن الفعاليات، فنجد تكرار الاسماء نفسها، بغض النظر عن انتاجها وجديدها، فلا تعود مع الأيام تضيف جديدا لمشاركتها وحضورها في الندوات والمؤتمرات والمهرجانات.

المجلة الثقافية الجزائرية: من من الكتاب السوريين والعرب الذين يلفتون انتباه غالية قباني وتحرص على القراءة لهم؟

غالية قباني: هناك نشاط سردي من قبل كاتبات سوريات يهمني الاطلاع عليه، مثل الروائية مها حسن المقيمة في فرنسا. أقرأ قدر الامكان كل رواية أو مجموعة قصصية تقع عليها يدي، كي أكون فكرة عما يكتب في العالم العربي. ولكن من أتابعهم فعلياً قلة. أحب أن اقرأ على سبيل المثال كل ما يصدر عن حنان الشيخ، بهاء طاهر، جبور الدويهي، الياس خوري، الطاهر بن جلون، ابراهيم نصرالله، سحر خليفة، محمود الريماوي، سعيد الكفراوي، وأسماء أخرى قد لا تسعفني بها الذاكرة الآن.

المجلة الثقافية الجزائرية: وما مدى اقترابك من الأدب الجزائري؟ ومَن مِن الأدباء الذين يلفت انتباهك من الجنسين في الجزائر؟

غالية قباني: أنا من قراء الأدب الجزائري الذي جاء به الرواد، وغالبيتهم كتبوا بالفرنسية وشغفنا بهم في العالم العربي من خلال الترجمات، أمثال كاتب ياسين، محمد ديب، مالك حداد الذي بهرني بكتابيه “سأهبك غزالة، و”الشقاء في خطر”. أما من الكتاب بالعربية، فقد قرأت للراحل الطاهر وطار، ولعبد الحميد بن هدوقة من خلال روايته “ريح الجنوب” وعمل آخر ما عدت أذكر اسمه الآن. علاقتي مع التالين لهؤلاء للأسف ليست قوية جدا. قرأت لواسيني الاعرج بعض أعماله، وابتعدت عن أحلام مستغانمي بعد “ذاكرة الجسد”. أخيرا كنت في الخليج واشتريت رواية لمليكة المقدم التي أقرأ لها للمرة الأولى. للأسف لم تسنح الي الفرصة لأقرا لكتاب آخرين، مثل الروائي أمين الزاوي، والسبب الأساسي هو وجودي بعيداً عن العالم العربي وارتفاع أسعار الكتب بشكل كبير.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأين حاليا؟

غالية قباني: أكاد انتهي من رواية “شريد المنازل” لجبور الدويهي الصادرة أخيراً عن دار النهار. واقرأ في الترجمة الإنجليزية لرواية للكاتب الاسرائيلي “ديفيد غروسمان” وهي رواية جميلة عن فقد عائلة لابن يخدم في الجيش الاسرائيلي في حرب لبنان عام 2006. في الرواية نفس متعاطف مع الفلسطينيين وهو أمر قلما نجده في الروايات الاسرائيلية. في القائمة التالية للقراءة كتب مثل: “وقت الصيف” للروائي الجنوب افريقي جي إم كويتسي، “حضور” لارثر ميللر وهي مجموعة قصصية للكاتب الأميركية الذي اشتهر في مجال الكتابة المسرحية. من الكتب العربية التي حصلت عليها أخيرا رواية “المتمردة” لمليكة مقدّم، و رواية “حين تترنح ذاكرة أمي” للطاهر بن جلون.

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتبين؟

غالية قباني: لا أكتب بمعنى الكلمة حالياً، ولكني أحضّر مادة للرواية المقبلة. أفكر بشخصياتي وأكتب لها بروفايل مختصر قبل أن أبدأ العمل الجدي. عدا ذلك فأنا أكتب تعليقات من وقت لآخر في صفحات الرأي في صحيفة “الحياة”، اضافة لتغطياتي الصحفية من لندن للحياة الثقافية.

المجلة الثقافية الجزائرية: كلمة ترغبين في قولها في الأخير؟

غالية قباني: من دون أية مجاملة، أنا سعيدة بالاقتراب من القارئ الجزائري، والقارئة طبعاً. الجزائر كانت حلماً في أذهاننا منذ سن مبكرة، وبقيت في أذهاننا طويلا نموذجا للنضال والتحرر من الاستعمار. كان فيلم “معركة الجزائر” من الأفلام القليلة التي سمح أهلي لي ولأخوتي مشاهدتها في السينما عندما عرض في صالة سينما في الكويت حيث عشت طفولتي. والجزائر ستدخل في روايتي المقبلة من خلال شخصية إمرأة جزائرية تعيش في بريطانيا.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق