قراءات ودراسات

ابن سينا وتفسير القرآن ( 2 )

عبد المنعم همت*

معنى التفسير:

يعرف الذهبي التفسير بأنه : ” الايضاح والتبيين ومنه قوله تعالى : ” وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ” الفرقان:33 وهو مأخوذ من الفسر والابانة والكشف ” . أما اصطلاحا فلقد عرفه الزركشي بأنه : ” علم يفهم به كتاب الله المنزل على نبيه محمد صل الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه ” .
من المهم ملاحظة أن علم القراءات وعلم الرسم يدخل أيضا في تفسير القرآن وذلك لأن هنالك مواضع في القرآن الكريم تتم قراءتها بطرق مختلفة تؤدي الى اختلاف في المعنى فعندما قراءة ” وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ” الانسان : 20 بضم الميم واسكان اللام , فان معناها مغاير لقراءة من قرأ وملكا كبيرا بفتح الميم وكسر اللام .
الاتجاه الفلسفي ونشأته
بدأ الاهتمام بالترجمة بطريقة منظمة في القرن الثاني الهجري حيث تم ترجمة الفلسفة اليونانية الى اللغة العربية فدخلت مكونات جديدة على البيئة المعرفية العربية الاسلامية . وكما هي العادة فان الاشياء الجديدة ينقسم الناس حيالها خاصة أن الفلسفة اليونانية فيها مفاهيم تتعارض مع الدين الاسلامي وهنا كان التحدي في التعاطي معها بعقلانية والاستفادة منها أو ابعادها من الحياة العربية الاسلامية واعتبارها جسما غريبا .
الاتجاه الفلسفي في تفسير القران يعني تأثير ذوق المفسر وما يحمله من مفاهيم فلسفية على تفسير القرآن الكريم ومن الذين قاموا بذلك اخوان الصفا والفارابي وابن سينا . ولكن هذا التأثير كان له ظلال سالبة حيث تعثرت خطاهم وهو يحذون خطى الفلاسفة اليونان النعل بالنعل . بعض الفلاسفة العرب ومنهم ابن سينا فهموا الفلسفة اليونانية جيدا وكانوا شراحا لها بل اضافوا انتاجهم الخاص فصارت لهم مدرسة فلسفية خاصة تحمل مفاهيم وتصورات تختلف عن الفلسفة اليونانية رغم تأثرهم بها بنسب متفاوتة .
في جانب تفسير القران فلقد حمل بعض الفلاسفة المسلمون نظارة الفلسفة اليونانية ونظروا من خلالها الى القران الكريم فجأت الكثير من الآراء والتفاسير تطويعا للنص القرآني ليتماشى مع الفلسفة وبذلك وقعوا في تصادم كبير . وفي ظني أن محاولات التفسير الفلسفي للقران كانت مغامرة ودخول في زوايا ضيقة كان من الاجدر عدم الخوض فيها ولقد تم ذلك لإثبات ان القرآن الكريم يحمل رموز واشارات وانه أعمق من الفلسفة اليونانية . فابن سينا يعتقد أن في القران رموز لحقائق كان الحصول على معناها خاصا بالنبي الكريم صل الله عليه وسلم وأن فهم هذه الرموز لا يتاح الا للخاصة و بالطبع هو أحدهم كما يعتقد . وبذلك قيم ابن سينا نفسه بانه أحد ( الراسخين ) في العلم الذين ذكروا في قوله تعالى : ” وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ …” ال عمران : 7 .
نستطيع القول أن الشيخ الرئيس ابن سينا قام بالتأويل أو قل بالتفسير لإرضاء عقله الفلسفي الشغوف بالفلسفة الباحث عن الالهيات من منظور مختلف عن التفاسير المعروفة . وعن التأويل قال ابن حزم : (التأويل نقل اللفظ عما اقتضاه ظاهره، وعما وضع له في اللغة إلى معنى آخر؛ فإن كان نقله قد صح ببرهان، وكان ناقِلُه واجبَ الطاعة – فهو حق وإن كان نقله بخلاف ذلك اطُّرح ، ولم يلتفت إليه، وحُكم لذلك النقل بأنه باطل). وفي ذلك قال الطباطبائي: “فسّر قوم من المفسّرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام… وقالت طائفة أخرى أنّ المراد بالتأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ… وهذا المعنى هو الشائع عند المتأخّرين كما أنّ المعنى الأوّل هو الّذي كان شائعاً بين قدماء المفسّرين…”
في أغلب الظن أن ابن سينا لم يكن مهتما بتفسير القران الا من زاوية محددة ترضي المكونات التي اكتسبها من تأثره بأرسطو ولذلك نلاحظ أن تفسيره للقران الكريم انحصر في :
1/ الآيات المتعلقة بوجود الله عز وجل .
2 / ـتأويل الآيات بما يتماشى مع الآراء الفلسفية للمدرسة المشائية .
3/ التركيز على الآيات التي تقود في ظاهرها الى التوفيق بين الدين والفلسفة من خلال اثبات التطابق في المعنى .
4/ الاستفادة بقدر المستطاع من التفاسير الاخرى مثل التفسير العقلي والاجتهادي .
ولإيضاح اتجاه ابن سينا في التفسير لابد من الذهاب عميقا في مفاهيم المدرسة المشائية حيث يطلق هذا اللفظ , الفلسفة المشائية على المنهج الفلسفي المنسوب الى أرسطو حيث يعتبر ابن سينا والفارابي من أبرز الفلاسفة المسلمين اهتماما بهذا المدرسة الفلسفية . ومن خلال ذلك ستتضح ( الاليات) الفكرية التي استخدمها ابن سينا للتفسير واثبات صدق منهج ارسطو وتطابقه مع القرآن الكريم .والى اي مدى وفق في هذا الجانب ؟

 

*كاتب وباحث أكاديمي سوداني مقيم في سلطنة عمان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق