ثقافة المقال

إعادة اكتشاف امرئ القيس

خالد عزب

لا يزال شعر امرئ القيس خالدا في أعماقنا، نابضاً في قلوبنا، حاملاً عبق التاريخ والتراث، وروح الحياة الفياضة، يحمل أسراراً غامضة، وسحراً خاصا، يثير في وجدانناً أحلاماً، تذهب بنا بعيداً في عالم الصحراء، وما ينساب على رمالها من حياة وهجير وما يدب في ظلماتها من آمال وأحلام. ظل ديوان امرئ القيس في ذاكرة الرواة يناشدونه ويحفظونه ويصونونه من الضياع، وجاء العلماء والنقاد فاحتفلوا به وتدارسوه، وشرحوه شروحاً كثيرة، ضاع أكثرها، وطوتها يد الزمان وعادياته…

ومؤخرا أعيد اكتشاف شعر امرئ القيس، هذا الاكتشاف أعاد الشاعر إلى الأذهان بقوة، فكأن العصر الذهبي للشعر يطل علينا من جديد مرة أخرى في زمن تلاشت فيه القصيدة المنظومة أمام قصيدة النثر. قدم هذا الاكتشاف كل من الدكتور أنور أبو سويلم ودكتور محمد الشوابكة الذين عكفا ثلاث سنوات على ديوان امرئ القيس وملحقاته بشرح أبي سعيد السكري المتوفي 275 هجرية.

تعود أهمية شرح أبي سعيد السكري لشعر امرئ القيس إلى جمع السكري لروايات العلماء في مرحلة الأصالة في القرنين الثاني والثالث الهجريين، وهو أهم شرح لديوان امرئ القيس، سعة وشمولاً، دقة وعناية، يكشف ما يكتنف معاني الديوان من غموض، ويلقي أضواء على الظلمات التي نسجتها القرون المتطاولة أستاراً كثيفة على شعر شاعر العرب الأول: امرئ القيس. ظل هذا الشرح بعيداً عن متناول القارئ العربي، وظن كثيرون أنه ضائع لا محالة، حتى قام المحققان باكتشافه وقام مركز زايد للتراث بطبعه في ثلاثة مجلدات فاخرة – لقد كان غياب شرح السكري لديوان امرئ القيس يسبب الكثير من التساؤلات أمام الباحثين في مجالات الأدب؟

إن أروع ما في الشرح هو جمعه لروايات العلماء من أمثال، أبي عمرو بن العلاء 154 هجرية، ويونس بن حبيب 182 هجرية، وابن الكلبي العالم الشهير بالأنساب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها، وله مؤلف هام (ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء وأنسابهم وأسماء الأرضين والجبال والمياه) ويؤكد محققا كتاب السكري أنه استعان في شرحه بابن الكلبي حتى تتزاحم نقوله عنه، وتصل في مجموعها إلى ثمانية وعشرين شرحاً أو رواية أو تفسير نسب أو تعريف بمكان أو حادثة. إن أروع ما قدم في هذا العمل هو الكشف عن أبيات بلغت مائتي بيت من أشعار امرئ القيس كانت مجهولة، مما يعد إعادة اكتشاف لشعر هذا الشاعر الأسطورة.

امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بن عمرو بن معاوية وهو من كندة، رجح الدكتور شوقي ضيف أنه ولد في أوائل القرن السادس الميلادي، أقام جده ملكاً في قبائل نجد في أواخر القرن الخامس، وامتد ملكه إلى الحيرة، وعندما تفاسدت قبائل نزار أتاه أشرافهم وشكوا إليه ما نزل بهم، ففرق أولاده في قبائل العرب، فملك حجراً والد امرئ القيس الشاعر على أسد وغطفان وملك ابنه شرحبيل على بكر بن وائل بأسرها، وملك ابنه معد يكرب المسمى بغلفاء على بني تغلب.. إلخ، وبقوا على ذلك إلى أن مات أبوهم، فتداعت القبائل وتحزبت وثارت على ملوكها، ووقعت حرب بين شرحبيل وأصحابه من جهة و أخيه سلمه بن الحارث وأصحابه من جهة ثانية بالكلاب، فقتل شرحبيل وانهزم أصحابه، وفيهم يقول امرؤ القيس:

كما لاقى أبي حجر وجدى                                ولا أنسى قتيلاً بالكلاب

يغلب على أخبار امرئ القيس الأساطير، ومن ذلك ما رواه هشام الكلبي، زعم أن أباه طرده وآلى ألا يقيم معه أنفةً من قوله الشعر، فكان امرؤ القيس يسير في أحياء العرب، ومعه أخلاط من شذاذ القبائل، فإذا صادف غديراً أو روضة أقام فذبح راحلته لمن معه، وشرب الخمر، وخرج إلى الصيد حتى ينفذ ماء الغدير، ثم ينتقل إلى غيره.

وقيل إن خبر مقتل أبيه أتاه بدمون من أرض اليمن، فقال: ضيعني صغيراً، وحملني دمه كبيراً، لا صحو اليوم، ولا سكر عنا، اليوم خمر، وغداً أمر، ثم شرب سبعاً ، ثم آلى أن لا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً ولا يدهن بدهن، ولا يقرب النساء، حتى يدرك ثأره. ويرجح الدكتور شوقي ضيف وفاته بين سنتي 530 ميلادية و 540 ميلادية.

تعود أهمية شعر امرؤ القيس أن قصائده ظلت تبعث على التقليد والإتباع، وانبهر بقصائده عدد كبير من شعراء العربية في مختلف العصور، ورأوا فيها الصورة الأنموذج لبناء القصيدة الفني والموضوعي وشعره يمثل مرحلة مبكرة من الأسلوب الخاص في عرض العواطف والأفكار والقضايا وتشكيلها على نحو مؤثر، وكثيراً ما كان امرؤ القيس يرتد إلى أعماق التجربة الإنسانية فيتمثلها ويشكلها تشكيلاً فنياً يضفي على الوجود معنى وروحاً ونظاماً.

* المستشار الإعلامي لمكتبة الإسكندرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق