ثقافة المقال

دعوة إلى حوار الأجيال

د. ماجدة حمود*

ثمة هوة بيننا، نحن الأساتذة،  وبين الأجيال الشابة، نتحمل مسؤوليتها، خاصة حين نستصغر شأن الشباب! فمن منا يجرؤ على الاعتراف بحاجته إلى سماعهم؟ من منا يعترف بحجم الفائدة التي يجنيها حين يحاورهم؟  لكنني بدأت هذه الأيام ألاحظ نفسي كلما حاورت طلابي المثقفين أحس بالانتعاش الفكري، وتغمرني رغبة تطوير الذات! لعلي أستطيع الحوار مع عقولهم التي ترفض الجمود، أو بالأحرى الهدوء الأقرب إلى صمت القبور! إذ تفور في داخلهم الحماسة، فتوقظ فينا أفكارا تستحق التأمل!

نعم نحتاج، نحن الكبار، إلى الحوار مع الشباب، حاجتنا إلى ما يحرّك عقولنا، فننقذها من مستنقعها الذي ترتاح فيه! فنتمتع بشباب الفكر والروح! وننأى بأنفسنا عن عزلة الحياة ونبقى في خضم همومها المتجددة!

لكن أي شباب نحاور؟ هل هم المريدون، الذين يحاولون أن يكونوا نسخة عنا باحثين عن رضانا وربما علاماتنا؟ وهم مستعدون لمسخ آرائهم وشخصيتهم ليجاملوننا؟ هل نحاور تجار العلامة؟ أم الباحثين عن نبع المعرفة، الذي لا يرتوون منه أبداً؟

لقد تحوّل قسم كبير من شبابنا إلى آلات مسجلة لأقوالنا، تلفظها معدتهم أثناء الامتحان، وتنساها بعده! وقد لاحظت أن هؤلاء يضيقون ذرعا بالحوار، بل كثيرا ما يهربون بنظرهم إلى عقارب ساعاتهم، لعلها تنقذهم من كابوس الحوار، وإعمال العقل! فهم لم يعتادوا على تشغيل أجهزتهم الدماغية، أو احترام تبادل الأفكار، ثمة ثوابت نشؤوا عليها، واستطابوا النوم فيها! لقد مسخت ذواتهم إلى الحد الأدنى، وارتضوا حياة آلية بيولوجية! حين أرى أمثال هؤلاء، أردد: لقد أضاعوا وجودهم الإنساني أي كينونتهم!

صحيح أن قلة من شبابنا اختار السير في طريق المعرفة، فعانى وعورته، مثلما عايش متعته! لكن أمثال هذه القلة تبث الأمل في الروح، فنتحمس للسير برفقتهم كي نتذوق معهم جمال المعرفة، وننأى بأنفسنا وبهم عن الوحشة والتيه! فنتعلم كيف نتخلى عن تلك اللغة الاستعلائية، مثلما يتخلون عن تلك اللغة المتعالمة المندفعة، التي يظن صاحبها أنه امتلك كل الحقيقة!

أحس أن الحوار مع الشباب يشكل أحد منافذ، التي نطل بها على المعرفة المتجددة، فالكبار غالبا ما يستظلون فيء أفكارهم الخاصة، ينعمون بسكينتها! بالإضافة إلى أنهم منشغلون بمشاريعهم الخاصة وأعبائهم اليومية، فيقرؤون في مجال محدد، ويغفلون مجالات معرفية أخرى! عندئذ قد يفوتهم تطوير معارفهم، وبذلك يكون الحوار (وخاصة  مع الأجيال المتفتحة على المعرفة) بابا ينفتح على الجديد من الأفكار! نشاركهم الحوار حولها، ونقدها! ومن البديهي أننا لن نستطيع القيام بهذا الدور إلا إذا كنا قادرين على تطوير ذواتنا معرفيا وإنسانيا! نناقش الشباب ونصغي إلى رؤاهم ونحفزهم على مقاومة كل المعوقات التي تحول دون تحصيلهم المعرفي، أو قد تحبطهم فتعرقل سيرهم في طريق القيم التي تزرعها الثقافة! فالمعرفة العلمية المقترنة بهموم الإنسان تزيدنا تحديا لإثبات كينونتنا وهويتنا في عصر استهلاكي يمسخ وجودنا إلى مظاهر جوفاء!!

أعتقد أننا لن نستطيع الأخذ بيد طلابنا ومشاركتهم هم المعرفة، حين نحيط أنفسنا بهالة التقديس وأسوار الاستعلاء! فلا نسمح لهم بنقد أفكارنا، ونقمع تصوراتهم الخاصة، لا أدري كيف نطلب منهم احترام أفكارنا، ونحن لا نحترم أفكارهم! أعتقد أن المشكلة في طريقة النقد ولغته،هل تعوّدنا ممارسته بحب واحترام أم بفظاظة واستعلاء؟! ألا يغيظنا التصويب ويفرحنا المدح؟ لماذا نمنع عن شبابنا ما يسعدنا، ونهاجمهم بكل ما يسؤنا؟

ما يؤلمني حقا أنني أجد بعض شبابنا، الذي يدّعي الثقافة، ينتمي للفئة التابعة، التي يسهل تقسمها إلى فئتين (الأولى تتجه إلى التراث، والثانية تتجه إلى الحداثة) ومما زاد خيبتي أنني لاحظت جفوة بينهما، قد تصل حدّ القطيعة!!!!قلما أجد شبابا يبحثون عن طريقهم الخاص، فيرفضون اتباع الكبار يمينا أو يسارا! وقد سألت طلابي في الدراسات العليا من يسلك هذا الطريق، فارتفع إصبع واحد من عشرة!!!!! وهذا يعني أن أكثر شبابا لا يمتلك القدرة على النقد، وبالتالي لا يستطيع السير في طريق يمهده بنفسه، لكونه لا يملك أدوات معرفية، تساعده على امتلاك رؤية خاصة به! أو لا يملك جرأة التعبير عن ذاته، فتضيع الكثير من أفكاره خلف أسوار صمته!

هنا أعترف بأن ما يعانيه هؤلاء الشباب هو نتيجة لما ورثوه منا نحن الكبار، فكما استسهلنا الطريق الممهد استسهلوا، وساروا دون أن يعملوا عقولهم، ويتجرّؤوا على نقد السابقين لهم! لقد ارتضوا أن يكونوا أتباعا ومريدين، والغريب أننا نجدهم اليوم يطالبون الشباب بالابتكار! وينتقدون تهاونهم في السعي، وتكاسلهم عن تطوير ذواتهم! وينسون أنهم يحصدون ما يزرعون من أفكار! فقد بلغ تقديسهم لذواتهم حدّ الزُّبى!! لهذا يخافون الحوار مع الأجيال، لأنهم يخشون على هيبتهم (عفوا خيبتهم) المعرفية، التي تقوم على تقديس كل ما يقولونه وما يفعلونه! دون أن يتعبوا أنفسهم في تطوير معارفهم، ومع ذلك نجدهم يدّعون أن الهوة المعرفية بينهم وبين الأجيال هي أحد أسباب استعلائهم! ولكن ألا نجد أن الإنسان كلما زاد معرفة زاد تواضعا؟ إذ يدرك مدى تقصيره عن متابعة كل جديد في هذا العالم!!! ويتأكد من روعة الدعاء القرآني “وقل ربي زدني علما”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق