قراءات ودراسات

من أدب أمريكا اللاتينية: قائمة قراءة

شادي روحانا*

في القرن الماضي، عرف العالم العربي أدب أمريكا اللاتينية بزخم في لحظتين، لحظة «البووم»، أو الانفجار، في السبعينيات. حينها عرفنا الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والبيروفي ماريو فارغاس يوسا، والأرجنتيني خوليو كورتازار.

وصلَنا هؤلاء الأدباء عن طريق إسبانيا، أمّا كيف وصلوا إلى هناك فيعود ذلك إلى الواقع الذي عاشته إسبانيا في حقبة الجنرال فرانكو، إذ اضطر عدد كبير من الأدباء الإسبانيين المناهضين للفاشية إلى العيش في المنفى، وبالتالي إما لم تَعد بلادهم تنشرُ مؤلفاتهم علنًا، أو أنهم كانوا لا يريدون نشر أعمالهم في بلادهم كي لا يضفوا شرعية على جهازها الرقابيّ (كحال خوان غويتسولو، الحائز على جائزة سيرفانتس لعام 2014). وهكذا اتجهت دور النشر الإسبانية غربًا، نحو المستعمرات الإسبانية القديمة، بحثًا عن أعمال لكتّاب من أمريكا اللاتينية لملء الفراغ.

أمّا اللحظة الثانية، فهي لحظة اليسار العالمي، أو بالأحرى اليسار الشيوعي، وفيها كانت الأحزاب الشيوعية، وعبر قنواتها المختلفة، تهتمّ بترجمة أدباء أمريكا اللاتينية «التقدميين». وهكذا، عرفنا عن طريق مجلة «الجديد»1 الثقافية، مثلًا، ترجماتٍ لأغاني التشيليّ فيكتور خارا، والذي أعدمه انقلاب بينوشيه. كما عرفنا بابلو نيرودا، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي التشيلي، وقصص جورجي أمادو عضو الحزب الشيوعي البرازيلي. ما يميّز هذه الفترة، هو أنها، وعلى خلاف لحظة البووم، اعتنت بأشكال أدبية أخرى سوى النثر، منها الشعر والمسرح والأغنية الشعبية.

ربما لا يصلح عرض أعمال من أمريكا اللاتينية من دون الإشادة والإشارة إلى مترجمين عرّفونا على أدباء ذلك الجزء من العالم، مثل المترجمة السورية المكسيكية إكرام أنطاكي (دمشق 1948 – المكسيك العاصمة 2000) التي ترجمت لمجلة الكرمل (التي كان يحرّرها الشاعران محمود درويش وسليم بركات) باقة من الشعراء والشاعرات المكسيكيّين غالبيّتهم لم يظهر بالعربية حتى الآن2. وكذلك المترجم جواد نادر، المولود في قرية برشين السّورية، والذي هاجر إلى الأرجنتين أوائل القرن العشرين، وهناك ترجم إلى العربيّة ملحمة الـ«مرتين فِيْرّو» للشاعر والعسكري الأرجنتيني خوسيه إرناندس (1834 – 1886)، والتي تُعتبر مرجعًا لتشكل القوميّة في الأرجنتين وعملها الأدبيّ المُؤسس، وهي ترجمة أخذت بالتداول بين قرّاء العربيّة من المهاجرين العرب في أمريكا اللاتينية.

قائمة قراءة

التغيرات الهائلة التي طرأت على العالم منذ أواخر القرن العشرين، غيّرت من وضع عالم الكتب والترجمة. بِتنا الآن نقرأ أكثر لأدباء أمريكا اللاتينية، منهم من عرفناهم –فقط- بعد أن أحرزوا مبيعات كبيرة في أسواق الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وآخرون نعرفهم بمجهود فرديّ لمترجمين ومحرّرين أرادوا إيصال آداب أمريكا اللاتينية إلى العربيّة. وهناك، أيضًا، الحالة التي تدمج الوضعين السابقين معًا، مثلما حصل مع التشيليّ روبرتو بولانيو، الذي لا تزال أمريكا اللاتينية تصحو من السكرة التي أحدثها في سرديّتها (مع جرعة لا بأس بها من التسويق).

في قائمة القراءة هذه أقدّم تعريفًا مختصرًا لخمسة من أدباء أمريكا اللاتينية الذين أرى أنه من الجدير الالتفات إليهم. وقد قمتُ بترتيب القائمة حسب بلدانهم من الشمال إلى الجنوب، من لاتينيّي الولايات المتّحدة وصولًا إلى تشيلي.

جونو ديّاس (1968) – الدومينيكان/ الولايات المتحدة الأمريكية.

يُشكّل الدومينيكانيّون 3٪ من سكّان الولايات المتّحدة اللاتينيّين، وينتمي إليهم ديّاس الذي هاجر من العاصمة الدومينيكانيّة، سانتو دومينغو، وهو ابن ستة أعوام.

روايته (The Brief Wondrous Life of Oscar Wao) هي قصة حياة أوسكار دي ليون، ابن لمهاجريْن من الدومينيكان في بلدة باترسون في ولاية نيوجيرسي، وهي رحلة استكشاف في عوالم الذكورية، الهُوية، اللغة، المهجر والاضطهاد السياسي. حصلت الرواية على جائزة البوليتزر عام 2008، ويشير عنوانها بشكل واضح، بما فيه من تناصّ مع عنوان قصة إرنست همنغواي «حياة فرانسيس ماكومبر السعيدة القصيرة»، إلى اقتحام اللاتينيّين صلب آداب الولايات المتحدة.

هناك من ادّعى أن رواية «أوسكار واو» كُتبت باللغة التي باتت تُعرف بالـ«إسبانكليزيّة» (spanglish)، أما دياس فيقول: «لا أعرف شيئًا عن الـ(spanglish) هذه. في الدومينيكان يتهمونني بأني لا أتكلّم الأسبانية، وفي الولايات المتحدة بأني لا أتكلّم الأنكليزيّة. لهذا السبب أردت، في روايتي، استكشاف مدى فاعليّة مفهوم «طهارة اللغة» الذي تُبشّر فيه الأوساط القومجيّة المتشدّدة. أنا أكتب عن حياة المهاجرين، وأستطيع أن أروي قصة الهجرة فقط بلغة المهاجرين».

مؤخرًا، تم الأعلان رسميًّا عن ديّاس«شخصًا غير مرغوب فيه» في مسقط رأسه الدومينيكان، وهذا بعد أن اتهم حكومة البلاد بإنشاء نظام أبارتايد تجاه الدومينيكانيّين من أصول هايتيّة (نسبة إلى دولة هايتي).

مع ذلك، لم نسمع بترجمة عربيّة لديّاس حتى الآن، عدا نص قصير، وجميل، ترجمته ميادة خليل في مدوّنتها، عن بدايات جونو ديّاس مع القراءة.

خوسيه إيميليو باتشيكو (1939-2014) – المكسيك.

كما تقول الناقدة إيديث نيغرين، الباحثة في جامعة المكسيك الوطنية، في تقديمها لواحدةٍ من الترجمتين العربيّتين لإحدى روايات باتشيكو، إن الكاتب «هو إحدى الشخصيّات الرائدة في المشهد الثقافي المكسيكي منذ منتصف القرن العشرين. (..) وبانتمائه إلى جيل 1968 فقد عاش ثورة الشباب تلك التي عصفت بالمكسيك والعالم الغربيّ وكان شاهدًا عليها؛ من يدلي بشهادته عن فشل النظام السياسيّ في المكسيك ليبحث عن سبل أخرى من أجل تحقيق العدل الاجتماعي».

إن الثيمة الأكثر تكرارًا في عالم باتشيكو النثري هي عالم الأطفال والمراهقين المكسيكيّين. إن هؤلاء الأطفال، كما تقول نيغرين: «يشيّدون عالمهم الخاص من خلال قراءة مجلات الكوميكس، مشاهدة العروض المسرحية أو الترفيهية، الأصدقاء، الأوهام الغرامية (..) أي عالمًا هشًّا سرعان ما يتحطم فور أوّل اصطدام له بحقيق النموّ المؤلمة». هكذا هي حال روايته «معارك الصحراء»3 الصادرة عام 2016 في عمّان، والتي أذكرها هنا ليس لأني ترجمتُها إلى العربيّة فحسب، بل لأن ترجمة عربية أخرى صدرت، في القاهرة، للرواية نفسها، وفي العام نفسه، أنجزتها الزميلة سمر عزّت4.مع أن الترجمتين حظيتا ببعض المراجعات في الصحافة العربية، لم يرَد أي ذكر أو اهتمام بصدور نفس الرواية بالعربيّة، بترجمتين، وبفارق شهور قليلة، بعد صدورها بالإسبانية قبل 35 عام. لعلّها صدفة؛ لكن تعدّد الترجمات هو إثراء للقارئ.

أبيليو استيبيس (1954) – كوبا.

يكتب استيبيس الرواية والمسرح، وينشر أعماله بين كوبا وإسبانيا (كتالونيا) حيث يعيش منذ عام 2000. والذاكرة هي محور أعماله، على وجه الخصوص ذاكرة مدينته لا هابانا؛ بناسها، ولغتها، ومغنّيها، ومبانيها، وأدبائها، وبحرها.

بعد ثورة عام 1959، وإعلان فيدل كاسترو في خطابه أمام المثقفين الكوبيّين في مبنى مكتبة كوبا القوميّة بأن الفنانين، إذا كانوا «داخل الثورة، لهم كل شيء! وإذا كانوا ضدّها، فلا شيء لهم! (تصفيق)» (بحسب نص الخطاب الرسمي)، تم تهميش العديد من فناني وأدباء الجزيرة وأغانيهم ونصوصهم لعدم تماشيهم مع الأيديولوجيا الحاكمة (وهذا لا يعني أنهم كانوا، بالضرورة، أعداء للثورة).

لكننا في أعمال استيبيس، نجد هؤلاء الفنانين شخصياتٍ حيّة تمارس حقّها في الفنّ على هامش المدينة، كرواية «القصور البعيدة» (تُرجمت للإنجليزية: Distant Palaces)، الصادرة عام 2002 في لا هابانا وبرشلونا، والتي تأخذنا إلى شوارع وحارات وسطوح المدينة لنلتقي بمهرّجيها وعاهراتها ومِثليّيها المتجوّلين. ومن نصوصه الجميلة نص لماذا أكتب.

رودريغو ري روسا (1958) – غواتيمالا.

عند التفكير بغواتيمالا وآدابها، فإن ميغيل أنخيل أستورياس (1899-1974)، الفائز بجائزة نوبل عام 1967، والمُترجم عربيًا، هو الاسم الذي يخطر على البال مباشرة، بينما يغيب مواطنه رودريغو ري روسا.

في هذا البلد من أمريكا الوسطى، ينقسم السكان إلى طبقتين إثنيّا-اقتصاديًا: طبقة الـ«لادينوس» (ladinos) متحدّثي الإسبانيّة، وطبقة السكّان أصليّن من أهل المايا. وينتمي كل من ري روسا وأستورياس إلى اللادينوس، ولكن صورة سكّان البلاد الأصليين عندهما مُختلفة؛ فأدب أستورياس يتمحور حول تمجيد ثقافة أهل البلاد الأصليين قبل غزو الإسبان لها، بينما يصوّرُ «هنود» اليوم على أنهم «مشكلة» اجتماعية واقتصادية يجب على الدولة حلّها. أما بالنسبة لري روسا فإن ثقافة أهل البلاد الأصليين هي التي تملك الحلول لمشاكل العنف، والفقر، والفساد التي تواجهها غواتيمالا اليوم كدولة قومية ليبرالية، وهذا ما يظهر في قصّته «أسوأ ما في الأمر».

يُشار إلى أن ري روسا عاش بعض السنوات في مدينة طنجة بالمغرب، وهناك كان تلميذًا لبول بولز في ورشته الإبداعية، وفي محادثة معه أخبرني عن لقائه بمحمد شكري في مقهى الكريستال، وأنه ظلّ «جاهلًا بآداب اللغة العربية». وقد أصدر، عام 1999، رواية تدور أحداثها في طنجة بعنوان «الضفة الإفريقية» (تُرجمت للإنكليزية: The African Shore).

اليوم، يُدير ري روسا جائزة أدبية تُمنح سنويًا لأعمال تُكتب وتُنشر بإحدى لغات غواتيمالا الأصلية.

روبرتو بولانيو (1953 – 2003) – تشيلي.

أصبحنا نعرف روبرتو بولانيو عربيًا عبر ترجمات عدة، أولها «تعويذة»5 و«ليل تشيلي»6، مرورًا بـ«رجال التحري المتوحشون» و«2666»7، وأخيرًا المجموعة القصصية «مكالمات تليفونية»8.

في هذه الأخيرة، والتي تحتوي على أربع عشرة قصة قصيرة صدرت عن دار أناغراما في برشلونة عام 1997، يقول الكاتب إنريكي فيلا–ماتاس: «يحاور بولانيو الإحتمالات الثلاثة، القاسية والمرة، المُتاحة أمام كل أديب معاصر: إمّا الخضوع إلى قوانين السوق (..)، أو الهروب منها نهائيًا من أجل مواصلة الكتابة بشكل خفّي ومجهول (..)، أو، أخيرًا، دخول عالم دور النشر دون قبول كل شروطه، بل بواسطة مداعبته وكسر بعض أعرافه».

أترك للقارئ تصنيف الطريق التي اختارها بولانيو، مع قصيدة له كتبها في تشرين الأول\أكتوبر 1990، بعنوان «مسيرتي الأدبية»9:

جوابُ رفضٍ من «أناغراما»، «غاريخالبو»، «بلانيتا»، وبكل تأكيد من «ألفاغوارا»، «موندادوري».

غير معنيّين من «موشنيك»، «سييس بارّال»، «ديستينو»… كل دور النشر… كل القرّاء…

كل مديري المبيعات…

تحت الجسر، وهي تمطر، فرصة ذهبية لأرى نفسي فيها:

مثل ثعبان في القطب الشماليّ، ولكنّني أكتب.

أكتب وولدي على حضني.

أكتب حتى هبوط الليل

وحولي ضجّة من الشيطان، من الألف شيطان

الذين سيأخذونني معهم إلى الجحيم،

ولكنّي أكتب.

الهوامش

1- بدأت دار الاتحاد بطباعة مجلة الجديد الثقافية في حيفا عام 1951، وكان من بين محرّريها، لفترة من الزمن، ابن قرية البقيعة الجليلية الشاعر سالم جبران.

2- يُنظر عدد 3 من مجلة الكرمل، صيف 1981، الصادر في بيروت.

3- الصادرة عن كتب قدّيتا عكّا ودار الأهلية في عمّان، 2016.

4- عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

5- ترجمة أحمد حسان، 2013، دار التنوير.

6- ترجمة عبد السلام باشا، 2014، دار التنوير.

7- ترجمة رفعت عطفة، دار الجمل.

8- ترجمة عبير عبد الحافظ، دار بتانة بالقاهرة.

9- المصدر: La universidad desconocida, Barcelona, Anagrama, 2007.

*حبر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق