قراءات ودراسات

إيمان الخطابي: قصيدة تصغي لأنين الوجود

أخبّئ الحبّ
بين جوانحي
كأنّ الحب علّة.
( الشاعرة)

كتبت: نجاة الزباير

دع عنك رداء الدهشة
وادخل إلى محرابها
تجد مراياها
مكتوب على نورها
بحبر من روحها
أنا هنا .. للشعر أغني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إيمان الخطابي، سفينة عشق تحمل قراءها نحو جزر من المعاني الباذخة، يداها فانوس سحري تطالعنا منه حوريات الجمال، ترقص على إيقاعات عينها الثالثة التي لا تُخطيء قراءة كف الحياة.
فهل هي ذلك الشغف الشعري الذي يسكن حدقتا الليل، كي نبصر نورا يتسلل إلى نبضنا لنعانق عوالمها؟
أم هي خيوط من نهر الحب تفرش موسيقاه عطرا، تصنع منه دوائر عذبة، فنرانا جالسين أمام باب لغاتها نتسول المزيد من عطاياها؟
أو ليست شاعرة تستيقظ عيونُ الحكمة على إيقاع ترنيماتها عند ولادة قصيدة ما، فترسم من مائها لوحة للوجود؟، تقول :
“في الصورة طفلة رثة
تشبهني،
تتكئ على سور هرِم
وترقب دورها لتملأ جرة بالماء.
أنا لم أكن مثلها أحمل جرة ماء، كان الغول الذي يؤويني
يرسلني لنبع الغابة البعيد ويوصيني:
املئي هذا الغربال بالماء
ولا تعودي به فارغا آخر المساء” . من قصيدة: “طفلة تشبهني”
فإيمان الخطابي منحتنا فسحة للتأمل، فهل تقصد القصيدة المستعصية على القبض التي تجري مثل غزالة في أدغال اللغة والتي لا يمكن اصطيادها، أم أنها تدفعنا نحو معرفة أعماق الذات المضيئة بالأسئلة القلقة؟
وهل البحث عما هو محجوب كان محاولة مستحيلة منها لملء غربال وجودها، مما جعلها تكثف لغتها وتجرنا نحو مغانيها؟، أم تُراها ببساطة تطارد حلما لا يمكن الإمساك به؟
فإذا كان الماء هو أصل جميع الأشياء حسب الفيلسوف اليوناني طاليس، فإننا هنا أمام البحث عن اللامرئي من خلال إيحاء ذاتي يحاول الاستسقاء من نبع الوجود، لكننا كلما عرفنا أمرا وجدنا ذواتنا فارغة ومتعطشة لإشارات جديدة، تفجر حمولتنا الرمزية كي نعانق بعضا من أسرارها الشعرية .
إنها إيمان الخطابي، الشاعرة المرهفة التي تحرر ذاتها وهي تستقبل بعمق أجراس باطن الأشياء ، فهي لا تكتب وهي تمر بعربة سطحية على وجه اللغة، بل تحفر بيراع بصيرتها طريقا ينحت بعمق اسمها، حتى لا يستطيع القارىء فصل نصوصها عنها، لأنها لُحْمَة فلسفية تعبر عما يسكن قلقها الفيزيقي، كما في قصيدتها “وقعت في شرك الكون”.
تقول:
(…)مثلك أيها السنديان،
أحب أن أعلو
ولا أجد المكان.
مثلك أيها الحلم،
أستند برأسي
إلى وسادة رخوة.
مثلك أيتها الشجرة،
خضراء
ولا أقوى على السير.
مثلك أيها الفرح،
أضحك تارة،
وتارة أخرى
أراقب الطريق.
تعتبر هذه القصيدة مفتاحا قويا لقراءة تجربة شاعرتنا الجميلة إيمان الخطابي، إذ تربط جسورا بينها وبين كل الكائنات وهي تقوم بلعبة التشبيه التي تتوحد على المستوى الدلالي، فنجدها تتأمثل في هذا المقطع الشعري (السندباد، الشجرة، الفرح، الطائر)، وليس اعتباطا أن تختار الطائر في الأخير كي تقول:
“مثلك أيها الطائر،
وقعت في شرك
الكون.”
يقول مولانا جلال الدين الرومي: “أيها القلب ! لماذا أنت أسير لهذا الهيكل الترابي الزائل؟ ألا فلتنطلق خارج تلك الحظيرة ، فإنك طائر من عالم الروح.”، والطائر رمز للسفر الإنساني الذي يبحث دائما عن الحكمة.
فهل العالم المادي هو ذلك الوحش الذي دفعها نحو المطلق، كي تشعر بالحرية كلما سافرت في ذبذبات القصيدة السماوية؟
إن الشاعرة تنتعل بكل هدوء المداد وتمشي فوق البياض، ترسم ببصمة روحها عالما اختارته سكنا لها بعيدا عن ضوضاء الحياة تقول:
أكتب في غرفة
خافتة الضوء
كي لا تجفل الكلمات
الخائفة.
فأي صورة جمالية هذه التي تأسر ذاكرة القارئ وتجعله ينساب لُجينا في هذا التخييل الذي فاق أي تصور؟
إنه إسقاط رائع للذات التي تشربت معنى الانصهار بين المعاني، فأصبحت هي والكتابة مندغمة في قالب جمالي واحد.
ونحن نقرأ دفاتر الشاعرة المضيئة، نجد صفحات مكتوبة بماء الحزن والتمرد على واقع يغتال الإنسانية ، فكانت حروفها على المستوى النفسي تقطر أسى على حرب تحصد أرواح الأبرياء، تقول:
لم تجد الطيور مأوى هذا الشتاء
كل الغابات تقطر بالدم.
…………….
في الحرب عرفنا
أن الغول كان بيننا
ولم يكن في الحكايا.
فهل هناك ما هو أقسى على المرء من أن يُخرج بطلا من حكايات طفولته المخيفة (الغول) مثلا من علب الظلام، ليجده من لحم ودم أمامه عندما يكبر، فأي رعب هذا الذي يمزقها بمشرط الخيبات التي لا تنتهي؟
تقول في المقطع الشعري “غَفْلَةٌ” :
مرَّت من هنا أسراب
فراش وطيور
لكنّ أحدا لم ينتبه
للأشعار التي تركناها
خبزا يجف
عند باب مهجور.
إن هذا المشهد الشعري ذي اللقطة السينمائية المتميزة، عبارة عن تداعيات الذات الشاعرة المتوترة داخل الخطاب الشعري الذي ينقلنا من الحركة (الطيور والفراش) والتي ترمز للحياة ، إلى الجمود (الباب المهجور) الذي يذكي شعرية الموت بشكله الرمزي .
في هذه الرحلة، نلمس نزعة درامية تترجم صرخة الشاعرة وكأنها تنبهنا إلى ما آل إليه الشعر الذي يمثل قيثارة الأرواح، من بؤس يترجمه واقع يغفل عن إشاراته الجمالية .
فهل هو شجن يتأبط حالات نفسية ترسم تجاعيد روحها المحملة بإشارات صوتية، تحاول أن تبحث عن زورق يحمل أمانيها بعيدا عن أجراس الكتابة؟

أم هي رؤية خاصة للكشف عن الزوايا المعتمة، وعناقٌ لغوايات المستحيل من خلال حبر ينمو فوق البياض سنديان عشق؟، فنراها طفلة تركض خلف الصور الشعرية وكأنها قطع من حلوى سحرية، تجعلها تدخل مدنا تتدفقُ ينابيعُها أسئلةً حائرةً، تقف على أعتابها وهي تهز ثوب قصيدها كي تتسلل منه شمس أغنياتها.
تقول في قصيدة ” نهرت يدي التي تكتب”:
مرات كثيرة
نهرت يدي التي تكتب
مع أني لا أجد شيئا آخر لأفعله
أنا مفلسة تماما
وليس بوسعي سوى أن أحشو
قلبي بالكلمات،
الكلمات المتاحة للجميع
الكلمات الملقاة على الطريق كالحصى
الحصى الذي بإمكانه أن يشج رأس حمامة
الحصى الذي بإمكانه أن يغرق النهر
طمعت أن أصنع منه تاجا صغيرا لرأسي.
لكن الشاعرة لا تعرف غير تطريز الحروف فوق سجادة الحياة، هكذا تستيقظ بين شفاهها ، وتعانق امرأة تركض من كف عالمها كي تثير زوبعة تزلزل الروح بفلسفتها العميقة، وتجر أمطار الكون كي تُكَوِّن منها شلالا تحاول أن تغسل به جراح الأرض، وحين تعلو العتمة الوجوه، نلمس حرفها النوري يحاول أن يشكل الأمكنة من جديد كي تسافر فيها طيور طفولتها التي تغازل العالم ببراءتها.
تقول:
أجلس ُ إلى شجر الطـّفولة،
أتلمـّس كدمات الجذوع وندوب الغصون،
يا صبر الرّوح على الرّيح؛
أراجيح صبانا أدمت كتفيك يا الشجرُ
والتين لم َيسلم في عرشه ولا الزيتون.
رجمنا الهواء ورجمنا الثمـَر
وعذّبنا الزيزفون،
لم نكن ندرك ُ حكمة الشمس ولا حكمة الظلّ،
كنا نتلهى بقطف طفولتنا
فإذا الوقت يذبل في يدنا فجأة،
وعمرنا يتوجس خيفةً
من تجاعيد القدر. (من قصيدة : نوستالجيا)
إنه نضال إنساني من شاعرة تُعتبر تجربتها مثل نهر هادر بالإثارة ، ترفع ستائرها كي تلتحف لغة شفيفة غنية بالصور التي تقبض على فراديس الجمال، لتحولها إلى صوت قوي في هيكل القصيدة العربية، وعلامة متفردة في القصيدة المغربية المعاصرة.
هذه هي إيمان الخطابي، بكل عنفوانها وشعريتها وطفولتها التي ترجمتها قصائد كثيرة تستوطن وجدان المتلقي، بحبها اللامشروط الذي يعتبر أغنيتها الإنسانية المثلى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• إيمان الخطابي شاعرة من المغرب صدر لها ديوان ” البحر في بداية الجزر” ضمن منشورات اتحاد كتاب المغرب سنة 2001
• و ديوان “حمَّالة الجسد” الذي صدر سنة 2014 عن منشورات بيت الشعر في المغرب . صمم الديوان، وأخرجه الشاعر والتشكيلي عزيز أزغاي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق