ثقافة المقال

لستِ حرة

بقلم: سماح الشريف

في مجتمعاتنا العربية لم يعد الإجبار مباشرًا كما عهدنا في أزمنة سابقة، ربما لوجود القوانين التي تجرم ذلك، وإن كنت في قرارة نفسي أومن أن تلك القوانين مجرد حبر على ورق لا أكثر، بعد أن أصبحت الحرية حقًّا مفروغًا منه كما يزعمون لا نقاش فيه، ولكنها في الوقت نفسه حريةً محدودةَ السقفِ وتمنح للشابِّ دون الفتاة في عام1889 م قام قاسم أمين بتأليف كتاب تحت عنوان تحرير المرأة، بدعم من محمد عبده وسعد زغلول، وأحمد لطفي السيد. ثم تبعه بنشر كتاب اخر في عام 1900م تحت عنوان المرأة الجديدة يتضمن نفس افكار الكتاب الاول،ثم اعقب ذلك اشتراك النساء بقيادة هدى شعراوي في ثورة سنة 1919م فقد دخلن غمار الثورة بأنفسهن، وبدأت حركتهن السياسية بالمظاهرة التي قمن بها سنة 1919م.

تأسس الاتحاد النسائي في 1924م بعد عودة مؤسسته هدى شعراوي من مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي الذي عقد في روما عام 1922م ونادى بجميع المبادئ التي نادي بها من قبل قاسم أمين. مهد هذا الاتحاد بعد عشرين عاماً لعقد مؤتمر الاتحاد النسائي العربي عام 1944م وقد حضرته مندوبات عن البلاد العربية.

أما الآن فوصل الأمر إلى ما نراه من حرية للفتاة تبدو غير منقوصة ويبدو أن ذلك ما زال يؤرق المجتمع فلجأ إلى طرق ملتوية لوأدها عن طريق بث حاجة الفتاة الدائمة. ووهمًا ادَّعوا أنها حرة فتجدها تختار ثيابها، ودراستها، وخطيبها بل إنها أحيانًا هي مَن تصحب ذلك الزوج المستقبلي إلى بيت أهلها وهي تؤمن في كل هذا أنها حرة.

لكن أي حرية تلك والمجتمع حصر الفتاة في نطاق سُلْطة الرجل وصار الأمر أسوأ من ذي قبل. قديمًا كانت الفتاة تنتظر من يطرق باب أبيها، واليوم أمست الفتاة تقضي وقتها في البحث عنه، فعليها أن تهرب من فحيح الكلمات والسؤال البغيض (إمتى حنفرح بيكي؟) انقلب الأمر رأسًا على عقب ولم يعد كشف الوجه أو تغطية الرأس أو التعليم هو المشكلة التي تحتاج إلى مؤيد أو معارض، المشكلة أن المجتمع نجح في بث النقص في نفس الفتيات وصارت تتعرف إلى هذا وذاك بحثًا عن زوج أيِّ زوجٍ، لا يُهِمُّ، الأهمُّ أن تُصبِح حَرَم فلان!

حتى المؤهلات.. مهما علا شأنها فهي بلا قيمة ومجهود ضائع إن لم يأتِ رجل ويمنحها القيمة الحقيقية عندما تحمل صفة زوجة…

حتى من تتنصل من ضغوط المجتمع وتضع الأولوية في السعى إلى تحقيق كيانها, تطاردها نظرات لو اهتمت بمظهرها، أو تُتهم أنها معقدة وينصرف عنها الرجال، أو لا تجد بعد تحرر عقلها ما يناسب مستوى تفكيرها، وهي في الحقيقة لا تقاوم غريزتها التي فطرها الله عليها، لكنها تريد شريك يناسب ما أصبحت عليه ويستطيع تحمل المسؤولية، ذلك الوضع الذي أجبر الفتاة بشكل غير مباشر أن تختزل كيانها في موافقة شاب في الارتباط بها جعلها لا تتقن أي شيء سوى سياسة “كيف تصطادين عريسًا؟” حتى لو كان أقل منها علمًا وشأنًا، وهو أيضًا ما جعل الشاب يرى نفسه غير مضطر إلى السعي إلى الأفضل كونه مطلوبًا ومرغوبًا على أي نحو كان…!

رحم الله شاعر النيل حافظ إبراهيم عندما قال:

الأمُّ مدرسةٌ إذا أعدَدْتَها أعدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأعْراقِ

ويبدو أن الإعداد هنا اقتصر على إعداد طاهية وربة منزل فقط حتى إنك تجد بعض الأسر تسعى إلى تعليم الفتيات للحصول على عريس بمميزات أفضل لا لتحقيق نجاح شخصي للفتاة، ولك أن تتصور إلى أي حد تدنى ذلك الفكر بعقلية الفتاة ثم بالمجتمع ككل، فترى على مواقع التواصل الاجتماعي شابًا عابثًا تلتف حوله الفتيات أملًا في الفوز به عريسًا.

إن المجتمع بحاجة إلى تحرير الفتاة تحررًا حقيقيًّا من نظرة النقص، وإلى دعمها في تكوين كِيانها الخاص المستقلّ، وعليه أيضًا أن يتوقف عن منح الشاب قيمة لا تتناسب مع قدره، فعليه أن يعمل ويجتهد ليكون إنسانًا ناجحًا وأبًا جيدًا فيما بعد.

لا أظن أن أجدادنا قاموا بما قاموا به لمنح المرأة حريتها لتنزع عنها الحجاب أو تسرف في التبرج. أجزم أنهم أرادوا امرأة حرةَ العقل واعيةً تعرف ما لها وما عليها ولا تأخذ من الحرية المظهر فحسب بينما هي مقيدة الأفكار والأحلام، إن الحرية كل الحرية تكمن في العقل الذى به تحدد أي طريق تسلك إذا وجدت الفتاة صاحبة الكيان المستقل الواعية حتمًا سيجتهد الشاب ليلحق بها، وقتها سنجد أسرًا سوية تنجب جيلًا واعيًا يرتقي بالمجتمع، ولن نسمع عن هؤلاء الشباب الذين يلهون بالفتيات ولن نسمع عن فريسة سهلة يُغَرَّر بها، ولن نرى ما نراه من ابتذال في المظهر لجذب الأنظار، أو الإسراف في إظهار التقوى والتدين من غير أن يتحول ذلك إلى إيمان حقيقيّ، لقد أمسى الأمر حقًّا يستدعي وقفة، وتذكروا أن المرأة هي المدرسة التي تعد الغد، وصلاح المجتمع في تحرير عقلها حريةً حقيقيةً.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق