قراءات ودراسات

إنجابُ الأسلافِ على جبل لبنان

لـمَّا تجلَّى أمينُ معلوف؛ وكانَ: أمين رشدي بطرس طنوس مختارة معلوف
​​​​​​​​​​

عاطف سليمان
في نهايات القرن التاسع عشر، وتحت سماء إمبراطوريةٍ عثمانيةٍ آفلةٍ؛ عاش في مرابع آل معلوف، في جبل لبنان، شابٌ اسمه بطرس طنوس، يخربش الشعر ويغوى الترحال ويرجو – بقوةٍ – العيشَ في حريةٍ؛ له وللآخرين كذلك. شاعَ أن بطرسَ ألحدَ، ولكن منْ ذا الذي يستطيع أن يعرف؟ فعساه آمنَ إيماناً أفضل دون أن يأوي بالضرورة إلى القُبة التي آوى إليها الآخرون. خُذ هذه أيضاً؛ لدى بطرس مظهره المتباهي والفريد؛ فلقد سارَ بطرس ابن طنوس وسوسان في طرقات قريته، وأينما حلَّ في سفرياته العديدة إلى المدائن زحلة وبيروت وغيرهما، وهو حاسر الرأس (اُعتبرتْ جرماً اجتماعياً على مستوى الإلحاد دينياً) ومرتدياً قمصاناً فضفاضة ومشالح تهفهف على جانبيه كجناحيْ طائر يوشك أن يطير. جرَّب زراعةَ التبغ في جبل لبنان وناصَرَ الحركات الثورية في تركيا، وبقى عازباً حتى بلغ الرابعة والأربعين وسط انتقادات لا تُحتمل، ثم تزوَّج حين كانت فرصته منعدمة في الزواج، من فتاة، اسمها نظيرة، في السابعة عشرة من عمرها، ستترمَّل وهي في التاسعة والعشرين ولها منه ستة أيتام رفض أبوهم بطرس، في أيام حياته، تعميدَهم بل جاهرَ أيضاً وحاججَ في الأمر بثقةٍ وشموخٍ: لن أفرض عليهم ديناً، بل لن أسميهم كذلك أسماءَ ذات صلةٍ بأي دين، وليختر كلٌّ منهم دينَه وقتما يكبر ويفكر ويفهم ويعرف.
بعد زواج بطرس ونظيرة يفتتح الاثنان مدرسةً في القرية على مبعدة مائتي متر من مدرسة أخرى يشرف عليها كاهنٌ وتتحصَّل على إعانات رسمية. أعلنَ بطرسُ مَدرستَه مَدرسةً مختلطةً للصبيان والبنات معاً، وسط ذعر الأهالي وإشاعات وتقوُّلات المدرسة الأخرى وكاهنها الـمُعادي. إن بطرس طنوس مختارة معلوف لا يريد أقل من ثقتهم التامة الكاملة بأمانته الأخلاقية لا الدينية؛ ثقة مطلقة وبلا نقاش نهائيا. الأهالي الذين وضعوا أطفالهم في مدرسة بطرس ونظيرة لم يندموا أبداً، حتى إن المدرسة توسَّعتْ شيئاً ما، رغم غياب الإعانات عنها. ولكن التنين بطرس يصرِّحُ بغير مراءاةٍ، قبل افتتاح مدرسته وبعدها: لستُ أحبُّ مهنةَ التعليم. أضعتُ عمري بين الدفاتر والمحابر.
رواية «أمين معلوف» «بدايات» مكرسةٌ لـ بطرس مع حضور طبيعي لمعظم الأشخاص الآخرين. أراد الكاتب تقصِّي أسطورة عائلية تقول إن بطرس قد ذَهَبَ في شبابه إلى كوبا لنجدة شقيقه المهاجر من مصيبة، وإن بطرس تعلَّم اللغة الإسبانية في أربعين يوماً وهو على السفينة الـمُبحِرة إلى كوبا، وترافع فور وصوله أمام السلطات بلغته الجديدة، وخلَّص أخاه ثم عاد إلى جبل لبنان. لعل أمين معلوف قال لنفسه: كأني به أدهم الشرقاوي في الشعبيات المصرية الذي دافع عن نفسه بكلِّ لسانٍ أجنبيٍّ رغم تواضع محصوله في ذلك المجال!
ينبُشُ أمين معلوف ليستنتجَ بصحبة قارئِهِ أن الأسطورةَ إنَّما حاكَهَا الأهلُ، بمقتضى الحال، للتغطيَّة على الخيبة التي جناها بطرس إذْ عاد من سفرته إلى كوبا بلا ثروة، وحسبَ تقييم أهل الضيعة (وكل ضيعة، على الأرجح) فإن أية سَفْرةٍ لا تُسْفِرُ عن ثروة هي خيبة بمذاق الفضيحة. ولذا لزمت الأسطورة إلى أن وقعت في يد الكاتب فلزم التفنيد.
عكفَ أمين معلوف وراء خطابات ورسائل وتحارير ومِزق أوراق وصور قديمة، وصاغَ ملحمةً وقدَّم درساً روائياً؛ كيف يمكن تسييل مثل تلك الوثائق لتصير فناً روائياً حقيقياً، لا مجرد نتوءات وزيادات وتزيُّدات. واعتمدَ الكاتبُ الاستنتاجَ والتخمينَ المنطقي كلَّما وجدَ عتمةً لا تنيرها له وثائقُ أو شهادات شهود، ويداً بيدٍ مع قارئِهِ أضاءَ، بحذقٍ وانتباهٍ، العتمات التي صادفته إلَّا واحدة صغيرة تتعلَّق بالمسألة الآتية؛ كيف أمكنَ، في سابق السنوات، أن يُعطي جبرايلُ (مهاجر وصاحب تجارة في كوبا) لأخيه بطرس ألفَ دولار أمريكي كتعويضٍ أو مصالحة (بعدما استقدمه في السنوات الأولى) بينما يعرض عليه – بعد مرور السنوات وازدهار أعماله واحتياجه اللحوح لعون بطرس – مبالغَ صغيرة (خمس عشرة ليرة إنجليزية شهرياً) كأجر له؟ رغم فهمِهِ أن بطرس لا يقبل أقل من شراكة.
يقول صاحبُ حدائق النور في آخر سطور روايته بدايات:
فالأمر لم يعد يتعلق بسلفٍ “يولِّدُ” عدداً لا متناهياً من الأحفاد، بل بحفيدٍ “يولِّدُ” عدداً لا متناهياً من الأسلاف: أبوان، أربعة أجداد، ثمانية أسلاف، ثم ستة عشر، فاثنان وثلاثون.
في هذا الكتاب “بدايات” يكمنُ وعدٌ مشكورٌ من الكاتب بمواصلة المجهود والتنقيب في جبل لبنان عن أبٍ أو سلفٍ.
أمَّا نهلة بيضون، التي ترجمت الكتاب من اللغة الفرنسية، فإنها باقتدارٍ قشَّرتْ اللغةَ الفرنسية عن الرواية العربية وأعطتنا نصاً عربياً ناصعاً هو أصلاً ذلك النص العربي الناصع الذي كان مكتوباً بالفرنسية.
———–
الكتاب:بدايات، المؤلف:أمين معلوف، المترجمة:نهلة بيضون، الناشر:دار الفارابي – بيروت – لبنان.
*الكتابات المائلة مُقتبَسة من الكتاب أو تخصُّ أمين معلوف.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق