قراءات ودراسات

مقاربة تحليلية للنص القصصي “الرجل الخطأ” ل: حوا بطواش

شادية حامد*

حول مفهوم النص والنص القصصي
النص – عندما نتحدث عن مفردة نص فنحن نميز بشكل تلقائي بينه وبين الخطاب , فالخطاب شفهي يُدرك بالسمع بينما النص يتوفر على مادة قابلة للإدراك بالمعنى البصري أي مرتبطة وبالضرورة بالكتابة وفضاءها , فلا يكون هنالك نص إلا إذا كان متجليا فيما هو مكتوب.
وبالتالي فلا يمكن لنا أن نستبعد من هذا التعريف المعنى الاشتقاقي لكلمة Texte اللاتينية والتي تحيلنا إلى نسيج أي أن المقصود هنا ما يستدعي التضافر والعلاقات الرابطة .أما كون النص مكتوب, فله دلالة على تأمين وحفظ محتواه (رولان بارت نظرية النص ).
هذا أيضا ما تحمله أغلب التعريفات الموجودة في المعاجم العربية لأنها تشير الى شرطين
-​الكتابة
-​ثبات المعنى وواحديته (كما جاء في النص بوصفه إشكالية في النقد الحديث لفضل تامر)
لكن إذا نطرنا إلى النص القصصي بعين سيميائية سنجد أنه حادثة تواصلية تلتقي فيها سبع مستويات نصانية :
أو ما يسمى Texstuality وإذ ما كانت احدى هذه المستويات غير كافية فسيتوقف النص عن كونه تواصلياً .
هذه المستويات هي عمليا شروط النص التواصلي وهي:
التماسك cohesion
الانسجام Coherence
القصدية Intentionality
المقبولية Acceptability
الإخبارية Informativity
المقامية Situationality
التناصية Intertexttuality
بحيث يمكن ادراجها جميعا تحت 4 مظاهر النص واقصد بهذا
المظهر التركيبي للنص ( التماسك)
المظهر الدلالي ( القصدية والاخبارية)
المظهر الأسلوبي ( الإنسجام)
المظهر التداولي ( المقبولية ,المقامية, التناصية)

أما النص القصصي _ فكما يعرفه توماتشيفسكي ” إننا نسمي متناً حكائياً مجموع الاحداث المتصلة فيما بينها والتي يقع إخبارنا بها خلال العمل إن المتن الحكائي يمن أن يعرض بطريقة عملية Pragmatiqueحسب النظام الطبيعي بمعنى النظام الوقتي والسببي ”

إذن نستخلص ن من هذا التعريف أن القصة عبارة عن
1 – مجموعة من أحداث متصلة
2 – يخبرنا بها السارد
3 – تُعرض وفق طريقة ما
4 – يكون وراء هذا الغرض غاية معينه ” نفعية تداولية”
5 – يخضع ترتيب الأحداث لنظام زمني
6 – يخضع أيضاً لعلاقات سببية

القصة القصيرة – هي عمل قصصي أو متن حكائي لا يتجاوز بضعة صفحات يتضمن عادة حدثا واحدا وشخصيات قليلة يمكن قراءته في جلسة واحدة , شاع هذا لجنس الأدبي في مطلع القرن العشرين متأثراً بالقصة الغربية مثل قصص الروسي تشيخوف والفرنسي دي موباسان، اما رواده من العرب فتوفيق الحكيم, يوسف ادريس, والمغربي محمد زفزاف
وللقصة عناصرها التي تتلخص في ثلاث
أ – الرؤية
ب – الموضوع
ج – اللغة

الرؤية
التي تشكل جوهر العمل الفني وقد تصدر عن الكاتب دون وعي منه لكنه يعبر عن مفهومه ونظرته للحياة .

الموضوع
وهو الحدث الذي تتجسد من خلاله الرؤية والذي يتطلب وجود زمان ومكان محددين متمثلين من خلال انماط سلوكية بشرية تسعى من اجل هدف ما وتعبر عن آمال ومشاعر

اللغة
أي بناء أساس مصوِّر للأحداث يتكئ على لغة فنية ايحائية مرهفة من شأنها أن تولّد الدراما أو التشويق لقراءة القصة وتحدث انطباعا جميلا في النفس . لكن ما هي هذه اللغة ؟

لها 7 سمات
1 – السلامة النحوية
2 – الدقة
3 – الاقتصاد والتكثيف
4 – الشاعرية
5 – الشخصية (اللغة الشخصية)
6 – البناء – يعني مراحل وشكل العمل الأدبي البداية حيث الاستهلال والوصف والوسط حيث ذروة الصراع والنهاية التي يتم فيها الكشف عن محتوى العمل وهدف الأساسي
7 – الأسلوب الفني – أو التقنية الفنية التي تصور الحدث أو الحالة أو الصياغة الفنية للوسائل التي يستخدمها القاص لكي ينفذ إلى الشخصيات والمواقف بحرفية تدعل العمل يبدو واقعاً منقولا على الورق وهذا يتأثر بشرطين :

السرد – أي الوصف أو التصوير النابع من صميم العمل
الحوار – الدِيلوج أو المحادثة التي تدور بين شخصيات العمل كونها النافذة التي يطل القارئ من خلالها على ثنايا القصة وكونها الوسيلة الفنية لتقديم الشخصيات والاحداث
هذا كان المدخل وهو ضروري لفهم المقاربة التي سأتطرق من خلالها إلى دينامية البنية القصصية وهي عبارة عن المكونات والآليات النصية المسؤولة عن إثارة القارئ , استدراجه للتفاعل والتأثر , للتأويل , وللحكم الجمالي وهي
-​ العتبة أي عتبة النص
-​ زاوية الرؤية السردية
-​ بنية المكان وايحائية المجاورة
-​الشخصيات
-​الوصف
-​البنية الزمنية
-​بنية الحوار
-​جمالية اللغة
-​التحفيز
عتبة النص – العنوان
لطالما تبوأ العنوان مرتبة جليلة من النص لما له من أهمية دلالية وجمالية ولكونه أحيانا مفتاحاً لفهم العناصر النصية المحتملة . ولا غرو أن تعددت المصادر التي تسلط الضوء عليه نذكر منها هنا ثلاثة مصادر رصينة لا يستهان بها
– عتبات النص لجيرار جينيت
– النص الموازي في الرواية – استراتيجية العنوان لشعيب حليفي
– مقاربة العنوان في الشعر العربي الحديث والمعاصر لجميل حمداوي
العتبة أو العنوان عبارة عن وحدة مستقلة “وإن النظر للعنوان كوحدة مستقلة موازية للنص لا ينفي العلاقة الحميمية معه أو كما يراه بسام قطوس “فالعنوان يقود الى النص بل العنوان هو النص او النص هو العنوان” لكن تجدر بنا الإشارة إلى دراسة رائدة للناقد المغربي شعيب حليفي والذي يرى في العنوان
-​وسيلة لكشف خبايا النص وطبيعته
-​يساهم في فك غموضه
-​ثم يصوغ تلك العلاقة القائمة بين النص الموازي والنص بلغة استعارية فيها من الحقيقة الكثير
-​” فالنص الموازي في الرواية هو خطاب مفكر فيه آثم لأنه ذلك الشيء الذي يوجه المتلقي ويرسم له انطباعا اوليا عن النص سرعان ما يتوسع او يتقلص
يقول علي جعفر العلاق ” ليس العنوان الذي يتقدم النص ويفتتح مسيرة نموه ,مجرد اسم يدل على العمل الأدبي : يحدد هويته , ويكرس انتماءه لأبٍ ما , لقد صار أبعد من ذلك بكثير , وأُوضحت علاقته بالنص بالغة التعقيد : إنه مدخل إلى عمارة النص, وإضاءة بارعة وغامضة لأبهائه وممراته المتشابكة .

كتب كلود دوشيه أن العنوان ” عنصر من النص الكلي الذي يستبقه ويستذكره في آن , بما انه حاضر في البدء , وخلال السرد الذي يدشنه , يعمل كأداة وصل وتعديل للقراءة انه في الحقيقة مرآة مصغرة لكل ذلك النسيج النصي .
مثلما رأينا في عنوان “الرجل الخطأ ” عند القاصة حوا بطواش والتي ربما قصدت من وراء عنوانها
قتل الرجل الخطأ
أو ربما اختيار الرجل الخطأ للزواج
أو ربما الثقة الخطأ بالرجل الذي أحبت
وما نستخلصه من ملاحظة الناقد شعيب حليفي ان “العنوان كونه نصا موازيا يوجه المتلقي نحو النص ويتحمل عبئا لا يستهان به جراء هذا التوجيه لان القارئ سيتعامل مع النص من خلاله سواء بقبول الانطباع الأولي أم رفضه أو قبوله ورفضه في آن واحد ففي كل هذه الأحوال لا يعفى العنوان من الإثم ” أذ أن له وظائف مهمة كما يراها بعض النقاد تتلخص في التالي
1 – وظيفة تعيينية تعريفية أو مرجعية
تسمي النص وتعرف القارئ على هويته وانتمائه بشكل اولي
2 – وظيفة وصفية – تفصل القول لما القارئ مقدم عليه
3 – وظيفة ايحائية – والتي تومئ الى ما قد يخفيه النص لكنها لا تحدده بشكل لا يقبل التأويل
4 – وظيفة إغرائية إغوائية تدفع القارئ وتشوقه وتجذبه نحو قراءة النص
إذن يمكننا النظر إلى النص ” كلعبة فنية وحوارية بين التحدد واللا تحدد , بين المرجعية المحددة وبين الدلالات المتعددة وذلك في حركة ذائبة بين نصين متفاعلين في زمن القراءة.
هكذا نرى أن المؤلفة في الرجل الخطأ كانت في جميع التأويلات الممكنة للعنوان موفقة الى حد كبير في اختيار العنوان وتناسقه مع النص.

زاوية الرؤية السردية –
لقد لاحظنا في قصة الرجل الخطأ طابعها الواقعي , لأن الرؤية السردية التي هيمنت في كتابتها اعتمدت على المعرفة الكلية للسارد
لقد تحدث واين بوث Wayne Booth) )عن زاوية الرؤية السردية باعتبارها وسيلة تقنية يستخدمها السارد لكنها تستهدف غايات طموحة يفكر فيها السارد أو المؤلف الضمني ففي الرجل الخطأ نجد الرجل الخطأ يردنا عبر تقديم سردي متسلسل بانورامي ويعتمد على المنظور السردي المباشر أي الذي ذلك المنظور الذي يعتمد على ضمير المتكلم المباشر وهو : صوفيا كونها ساردة حاضرة في النص تستخدم تقنية الرؤية السردية المصاحبة من خلال أنا مشارك لكن معرفتها كساردة مساوية لمعرفة الشخصية الحكائية في القصة(صوفيا) ولا تستطيع أن تمدنا بتفسير للأحداث .
هنالك مستويات للمعرفة عند السارد حددها نورمان فريدمان Norman Fridman
معرفة كلية للراوي – هذا الراوي لا تنفصل وجهة نظره عن وجهة نظر المؤلف يعرف من خلالها كل شيء وكل ما يجول في خاطر الشخصيات
معرفة كلية محايدة – الراوي هنا يلتزم الحياد لكن الاحداث تعرض من وجهة نظر لا تأثير للشخصيات فيها
معرفة ال “أنا الشاهد ” – فيها يتولى الراوي سرد القصة , ولا يأخذ موقع الشخصيات لكنه يستخدم ضمير المتكلم في إيصال الأحداث للمتلقي.
معرفة ال ” أنا المشارك ” – يكون الراوي فيها شخصية محورية في القصة.
معرفة كلية متعددة الزوايا – حين يتعدد فيها الرواة وتعرض القصة من وجهة نظر الشخصيات
معرفة كلية أحادية الزاوية – يحضر فيها الرواة لكن جل الاهتمام ينصب على شخصية محورية مثلما رأيناها في الرجل الخطأ حيث لا يختفي الكاتب أو السارد بل يحضران لكن التركيز يقع على شخصية رئيسة نرى احداث الحكاية بمنظارها هي.

البنية المكانية وإيحائية المجاورة
لوصف المكان في القصة أبعاده الايحائية كما يتفضل الدكتور جميل حمداوي وما نلاحظه في
الرجل الخطأ أن القاصة تفتتح قصتها بوصف الإطار المكاني لبداية الاحداث بلغة ايحائية …….لاحظوا ماذا تقول في الصفحة الأولى
” السماء الخريفية مثقلة بالحزن , والمطر يتساقط خفيفاً , ينقر على النوافذ الزجاجية الكبيرة بنقرات ايقاعية , حزينة .
وقفت أمام الرفوف اتأمل عناوين الكتب التي تمتلئ بها , لقد مر وقت طويل منذ أن كنت في هذه المكتبة آخر مرة , اشتقت إليها . كم كنت أحب هذه المكتبة , وهذه الزاوية بالذات من المكتبة , حيث الرف الذي يضم روايات فيليبا كار , انه ما زال كما كان , والكتب ما زالت في مكانها , مرتبة كما كانت دوما , كل شيء هنا ما وال كما كان من بعيد ولم يتغير شيء , ان الوحيدة التي تغيرت منذ زيارتي الأخيرة الى هنا , منذ خمس سنوات , فكرت بيني وبين نفسي ”
ماذا نلاحظ هنا ؟ من حيث المكان ؟
هنالك حديث مسكوت عنه , حديث بلغة الإيحاء يشير بوضوح إلى مكانين :
مكان في الخارج ومكان في الداخل
المكان في الخارج ما هو ؟ انه المكان القابع خارج النوافذ الزجاجية
حيث السماء مثقلة بالحزن –
حيث المطر حيث الخريف
حيث الحزن حيث الغربة حيث الضياع تحت ظروف قاهرة (مطر حزن )
حيث قلة الأمان وقلة الاستقرار
حيث التغيير

في مقابل مكان آخر مكان بالداخل – داخل النوافذ الزجاجية
حيث الدفيء حيث الحنين والاشتياق
حيث الكتب والانتماء
حيث روايات فيليبا كار
إذن حيث الرومانسية
حيث الاستقرار – الكتب المرتبة على الرف الذي لم تتغير مهما مر من زمن حتى ولو كان خمس سنوات
إذن منذ البداية تتحدث القاصة بلغة الإيحاء عن (علاقات تنافر )
بين مكانين متجاورين متعارضين متناقضين وتكشف لنا عن مفارقة في عالم الحكي بين
الحزن \ والفرح
الضياع \ الاستقرار
الغربة \ الانتماء
في استهلال كهذا حيث تطالعنا صورة المكان المؤلَّف من نقيضين نستدل على أن اهتمام القاصة حوا بطواش بالتعارض المكاني لم يكن اعتباطيا انما مرتبطا بالأبعاد الدلالية المحتملة في النص كونها تلعب دورا في خلق تقارب أو تباعد بين الشخصيات في النص الحكائي.
إذ ماذا يمكن أن توحي هذه العلاقات المتوترة المتنافرة بين الأمكنة؟ الإجابة بسيطة – انها تدفع القارئ للتأويل وتكشف امامه ليس تعارض بين الامكنة فحسب بل تهيؤه لجميع اشكال التعارض بين الشخصيات والمواقف والمحتملة التي سيطلع لاحقا عليها في النص.

الشخصيات بين الخضوع والتسلط
معظم العلاقات الحاصلة بين الشخصيات الحاضرة أو المذكورة في ” الرجل الخطأ ” موسومة بطابع التنافر والصراع , أو الغلبة من جهة والتسليم بالأمر الواقع من جهة أخرى وهذه يعكس وضعاً إنسانيا متناقضا مع الوضع الطبيعي الذي يسود الحياة الهانئة , لذا يتضافر هذا التوتر في العلاقات مع سائر العناصر النصية الأخرى مثال
” كم نسجنا الاحلام والطموحات من خيوط حبنا التي سرعان ما انقطعت أمام عناد أهلي”
إذن هنالك حب ورغبة في الزواج من قبل المحبين وهنالك معارضة من الأهل
“كان فراس واحد من هؤلاء وربما أكثرهم ثراء , كان يكبرني بعشر سنوات , لم ار امامي فسحة أنفذ خلالها من زواج محتم ”
إذن هنالك عدم تناسق بين سنها وسن الزوج المقترح , وهنالك رفض منها للزواج بمن لا تحب لكن الأهل يجبرونها عليه وهذا بالطبع ظلم وقهر
“استسلمت لقدري وذهبت في الطريق الذي فرض علي ” إذن هنالك غلبة على أمرها
“طلبت إتمام دراستي فاعترض ” هنالك خضوع من جهتها وتسلط من جهة الزوج
“ترددت كثيرا ولم اعرف ماذا أفعل كنت محبطة حتى جاءتني الفرصة كي اتركه للأبد إذ اكتشفت علاقة غرامية يقيمها مع امرأة أخرى”
وهنا أتساءل هل هذا كاف ليفسر ما سبق أن ذكرته الساردة في البداية عن السماء المثقلة بالحزن ؟ هل السماء هي التي كانت حزينة ؟ هل النقرات على الزجاج هي التي كانت حزينة؟
نضيف ” ثم تأملت حولي وقلت لقد تغير كثيراً , ما الذي تغير سأل ,هذا المكان أجبت ” هل يفسر هذا ما سبق أن ذكر من قبل عن رف المكتبة الذي لم يتغير حين قالت “أنه ما زال كما كان “؟
إذن ما نلاحظه في نص ” الرجل الخطأ” أن الراوية شخصية مغلوب على أمرها , ومن الطبيعي أن تكون سيكولوجية صوفيا هنا مشتتة بين احساسين متعارضين فهي مقهورة وخاضعة وفي نفس الوقت تعلم ان لها الحق في الحرية وتقرير المصير .
أما بالنسبة لباقي الشخصيات فهوياتهم محددة سلفا من قبل الساردة المباشرة وهذه ما يجعل المونولوجية تهيمن في هذا النص لأنها رؤية ساردة تسمح لنفسها بالتدخل والتعليق على الاحداث وإذا كنا قد نظرنا للقصة في الإطار الواقعي فهي تَمْثُل الى الواقعية الغير حيادية والغير حوارية . والشخصيات مرسومة في هذه القصة كمن لا تملك وعيا يتجاوز وعيها بالواقع: فهنالك تمييز بين وعي الناس العاديين وبين وعي الآخرين الذين بلغوا نضجا فكريا يمكنهم من تأمل سلوكهم وتصرفاتهم وسلوك الآخر وأفكاره ومقاصده في وضعياته الاجتماعية أو التاريخية , هذا ما يسميه لوسيان غولدمان بالوعي الممكن لكن الشخصيات في هذه القصة تظهر بطبائعها الملازمة لها دون وعي زائد منها فوق وعيها العملي الذي تتصرف في نطاقه مع الاخرين وبالضبط كما أرادته لها المؤلفة وكما هو موجود في كلام الراوية وتدخلاتها المباشرة.

وظيفة الوصف
تتلخص وظيفة الوصف في القصة برسم الأمكنة والأزمنة والشخصيات والأحداث كما في
” الرجل الخطأ ” حيث كرست الساردة وصفها من اجل رسم الفضاء الذي تدور فيه القصة
” لم يكن يمتلك كل تلك المواصفات التي طالما أحببت عامر لأجلها , لم يمتلك ألا المال وذلك البيت الكبير الذي اسكنني فيه وتلك السارات الفاخرة التي كان يتباهى بها أمامي وأمام الناس”
بيت كبير معناه انها تشعر بالغربة (وحيدة ) في بيت كبير
اسكنني فيه = لم تقل سكنتُ بل أسكنني وهذا معناه انها لا تشعر بأنه بيتها
يتباهى بالسيارات = تقصد أنه رجل سطحي غير عميق يهتم بالمظاهر وليس رجلا بمعنى الكلمة
الوصف هنا يصور الحالة المأساوية التي تعيشها البطلة ونلاحظ هنا كيف يصعب أحيانا التمييز بين الوصف وبين السرد لانهما متداخلان لأن المسالة متعلقة هنا بوصف الافعال والمشاعر عند الشخصيات في النص. ولأنه مؤسس على قاعدة التعارض والتنافر بكل ما ذكرنا سابقا وقد تم توظيفه هنا لخدمة صور المعاناة والغلبة والتسليم بالأمر الواقع.

البنية الزمنية
من المعروف ان هنالك اشكالا مختلفة للبنية الزمنية في السرد او للترتيب الزمني مثلما يظهر في النص
تقنية الترتيب الزمني الطبيعي التقليدي – الذي يسير مع سير الاحداث انتقالا من الماضي الى الحاضر الى المستقبل كما يحدث على ارض الواقع.
تقنية الاسترجاع – وهو السرد مع كسر الخط الزمني أي العودة إلى الماضي او كما يصفه حسن بحراوي “كل عودة للماضي تشكل بالنسبة للسرد استكارا يقوم به السارد لماضيه الخاص ويحيلنا من خلاله على احداث سابقة عن النقطة التي وصلتها القصة “.
تقنية الاستباق أو الاستشراف – وهو القفز إلى المستقبل قبل حدوث الاحداث وهذا يخالف زمن السرد إذ يتم فيه تجاوز الحاضر والقفز الى ما قد يحدث في المستقبل.
لكن وبالمجمل نلاحظ في “الرجل الخطأ ” ان البنية الزمنية لم تستثمر بشكل ملفت للانتباه من الناحية الفنية ( وهذه ليس عيبا ابدا ) لان زمن القصة فيها مطابق لزمن السرد مما يشير الى ان القاصة اختارت التقنية الزمنية ذات الطابع التقليدي التي لا يخرج فيها الترتيب الزمني عن نطاقه الطبيعي شأنها شأن النماذج القصصية الواقعية والرومانسية على أن مضامين العلاقات بين وضعيات الشخصيات يمكن ان تدفعنا لملاحظة التباطؤ او التسارع في الزمن لنميز 3 أنماط من الزمن الحكائي

زمن التسارع والترقب
ويرتبط بالحالة السيكولوجية التي تعيشها البطلة وهي تريد الطلاق بأسرع وقت ممكن لكي يتسنى لها الزواج بمن تحب
” وهل هذا يعني انك مصرة على الطلاق ؟ اكثر من ذي قبل , بسبب عامر ؟ ,فادية لماذا لا تريدين ان تفهميني بعد كل ما قلت؟ أتريدين ان تقولي أن عامر لا يحثك على الطلاق ؟”

زمن المباغتة
ويرتبط بلقاء فراس الغير مرغوب فيه ” عدت إلى البيت ووجدت فراس جالساً في غرفة الضيوف بانتظاري” انه نوع من التسارع في الزمن لكن المباغتة تلعب دورا كبيرا فيه.

زمن الترقب والمباغتة
” نهض فراس من مكانه لرؤيتي ونهضت أمي من ورائه وأخذ يتأملني طويلا اقتربت منهما بصمت بخطى بطيئة مترددة ووقفت بجانب امي , كيف حالك يا صوفيا ؟ سمعته يسال بصت يوحي بالتوتر……جلسنا والسكوت يزيد من التوتر”.
هنالك إذن توتر زمني في هذا النص يدعم حالة الصراع والمغالبة والتربص الحاصلة بين الشخصيات , وهو يزيد من حالة الاحتدام الدرامي في القصة وينعكس على الزمنية السردية التي تدفع القارئ الى اللهاث وراء السطور وترقب ما قد يطرأ من متغيرات.

بنية الحوار –
في الرجل الخطأ لا يقوم النص بتأسيس حوارية قصصية كاملة والغرض هنا أنه لا وجود لاستقلالية في الرؤية لدى كل شخصية من الشخصيات , لان الشخصيات هنا كانت تعبر عن الوعي الواقع وليس عن رؤية خاصة بها واعية بنفسها وبأدوارها فالساردة هنا تمتلك وعيا شموليا بالنص ومكوناته وهي الشخصية الوحيدة التي تمتلك زاوية نظر تامة ومهيمنة وكل باقي المساهمات الواردة في الحوار من قبل الشخصيات هي علامات على الايهام بواقعية الاحداث لا غير , وإذا كانت الشخصيات تعبر عن آرائها ومواقفها فليس ذلك إلا في إطار رؤية الساردة المهيمنة لا في إطار الرؤية الخاصة بكل شخصية على حدة .

جمالية اللغة –
لقد رأينا في هذا النص نصا واقعيا إلى حد ملموس رغم هيمنة الرؤية الخاصة بالساردة لأن لغة القصة لم تمل إلى التعبير الشعري . وللحقيقة فالقصة مكتوبة بلغة الوقائع والبناء الحدثي اكثر مما هي مكتوبة بلغة التعبير, وهذا ما يفسر ندرة الصور الاستعارية والتشبيهية أي المجازية فيها لكننا لن نغفل عن ذكر بعض مما هو بارز فيها بهذا الصدد أي تلك الصور التي رسمتها الساردة بقولها
“وتسرب إلى نفسي شيء من الارتباك”
وكم نسجنا الاحلام والطموحات من خيوط حبنا التي سرعان ما انقطعت امام عناد الاهل ”
“وتأملته مأخوذة بسحر تل اللحظة”
لكن مجموع الصور القليلة الواردة في النصل لا تؤدي إلى خلق طابع شعري لها إذ تبقى اللغة الواصفة الإخبارية التقريرية مهيمنة على العبارات . وهذا لا يعني أن جمالية النص ناقصة الا إذا كنا نعتبر أن فنية القصة مرتبطة بالضرورة بحضور الجانب الشعري فيها والاقع ان هيمنة الشعر على الفنون الأدبية الأخرى كالقصة مثلا لم يعد لها في وقتنا الحاضر تأثير كبير في النظرية العامة للأدب بعد أن وضع جاكوبسون نقاطه الحاسمة في نطاق نظرية الوظائف في اللغة وان لأجناس أدبية غير الشعر كالقصة مثلا الأولوية لوظائف أخرى غير الشعرية (قضايا الشعرية رومان جاكوبسون) .

وانطلاقا من ان القصة بشكل عام مختلفة عن طبيعة الشعر لذا فهي تمتلك خصائص أخرى جمالية مرتبطة بالخصوصية الحكائية : كالرؤية السردية , تشكيل المكان والزمان, الوصف , وما يسميه الشكلانيون بالتحفيز Motivation وهو عملية مرتبطة بالبناء المنطقي والتأليف الجمالي للأحداث فكلما كان البناء شديد الإحكام وخاضع للسببية والانسجام إلا وأحدث أثرا جماليا وارتياحاً لأن التحفيز المنطقي يخلق عند القارئ الاستحسان ويقنعه بواقعية الاحداث.

المراجع
1- حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015
2- R.Barthes’ Theorie du texte : Encyclopedie Universalise : Vol: 15 Paris 1968 p: 1013-1014
3- فضل ثامر النص بوصفه اشكالية في النقد الحديث مجلة أقلام عدد 3-4 نيسان 1992 ص 2
4- نظرية المنهج الشكلي – نصوص الشكلانيين الروس – ترجمة ابراهيم الخطيب 1 : 1983 مؤسسة الابحاث العربية ص 180
5 – عتبات النص جيرار جينيت من النص الى المناص تأليف عبد الحق بلعابد تقديم سعيد يقطين الدار العربية للعلوم – ناشرون منشورات الاختلاف 2007
6 – محمد فكري الجزار العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي 1998 ص 31
7 – بسام قطوس سيمياء العنوان ص 72-77
8 – شعيب حليفي النص الموازي للرواية استراتيجية العنوان مجلة الكرمل 1992 عدد 46 ص 83
9 – علي جعفر العلاق شعرية الرواية علامات في النقد المجلد 6 الجزء 23 السنة 1997 ص 100-101
10 – كلود دوشيه عناصر علم العنونة الروائي أدب فرنسا عدد 12 كانون الأول 1973 ص 52-53
11 – شعيب حليفي النص الموازي للرواية – استراتيجية العنوان مجلة الكرمل العدد 46 السنة 1992 ص 83
12 – جمال بو طيب العنوان في الرواية المغربية الرواية وأسئلة الحداثة دار الثقافة الدار البيضاء طبعة 1 سنة 1996 ص 193-194
13 – سعيد بنكراد مستويات الدلالة 2005 ص 270-273
14 – بلعابد عبد الحق عتبات (جيرار جينيت من النص الى المناص) تقديم سعيد يقطين منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم بيروت طبعة 1 سنة 2008 ص73-89 .
15 – موسى أغربي مقالات نقدية في الرواية العربية دار النشر جسور وجدة طبعة 1 سنة 1997 ص 5-6 .
16 – Wayne Booth; Distance et point de vue. In- poetique du recit. Seuil 1977 p;87
17 – برسي لوبوك صنعة الرواية ترجمة عبد الستار جواد – منشورات وزارة الثقافة والإعلام – العراق 1981 ص 251
18 – جميل حمداوي , بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي – التشكلات المكانية واهميتها ص 72 المركز الثقافي العربي الطبعة الثانية سنة 1992
19 – حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015 ص 7
20 – Philppa carr – روائية انجليزية تكتب الروايات التاريخية الرومانسية
21 – حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015 ص 10
22 – انطوان رومانسون : الذات ومقوماتها مساهمة نظرية في تعريف المفهوم مجلة دراسات عربية : عدد 3 يناير 1983 ص 49
23 – مقال لوسيان غولدمان : Lucien Goldman أهمية مفهوم الوعي الممكن في التواصل ترجمة محمد مريني باريس 1971 ص 7-24
24 – حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015 ص 10 .
25 – حسن بحراوي بنية الشكل الروائي المركز الثقافي العربي بيروت الدار البيضاء طبعة 1 السنة 1999 , ص 137
26 – حميد لحمداني القصة القصيرة في العالم العربي الطبعة الأولى السنة 2015 ص 68
27 – حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015 ص 18
28 – حوا بطواش الرجل الخطأ دار الرازي للطباعة والنشر كفر قاسم فلسطين الطبعة الثانية 2015 ص 15
29 – برسي لوبوك صنعة الرواية ترجمة عبد الستار جواد – منشورات وزارة الثقافة والإعلام – العراق 1981 ص 251 وما بعد
30 – رومان جاكوبسون قضايا الشعرية ترجمة مبارك حنون ومحمد الولي , دار توبقال للنشر طبعة 1 سنة 1988 ص 32 .
31 – حميد لحمداني القصة القصيرة في العالم العربي ظواهر بنائية ودلالية الطبعة الأولى السنة 2015 ص 71 .

الرجل الخطأ قصة قصيرة من مجموعة قصص للكاتبة حوا بطواش/ وهي قاصة شركسية من عرب 48 من قرية كفر كما .

 

*شاعرة من فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق