قراءات ودراسات

تخفي الديكتاتورية، انتصار المهمشين، الامل المعاق الظلال الطويلة للروائية أمجد توفيق

بقلم : حميد الحريزي*

((في كل كتاب يجب ان تكون تعويذة ،يعرفها المؤلف ويحزرها ألقارئ ولكنها مختفية تحت الملابس)) رسول حمزاتوف- رواية بلدي – ص42.
نحاول في دراستنا هذه ان نكشف ما تم اخفائه تحت ملابس رواية ((الظلال الطويلة)) للروائي امجد توفيق

العنوان والدلالة :-
لكي يكون هناك ظل لابد ان يكون هناك ضوء ، وجسم مسلط عليه الضوء ، وكلما كان الجسم طويلا وكبيرا ، وكانت الانارة مركزة كلما كانت ظلاله طويلة وممتدة لمسافة اطول …
هنا يدل عنوان الرواية ((الظلال الطويلة )) على طول فترة الحكم الديكتاتوري في حكم العراق ، والى مدى قسوته وجبروته التي فاقت الخيال ، وتجاوزت الحدود ، حينما يلقى عليها الضوء من قبل عقل وفكر ناقد مطلع على جزئيات اعمالها القمعية وأساليبها الجهنمية في التعذيب والقتل والتهميش لكل من يشتبه به معارض للنظام الحاكم انذاك ، وامتداداته على الواقع الحاضر ، سواء في سلوكيات المسئول او المواطن العراقي العادي ، نرى ان الكاتب كان موفقا وعميقا في اختيار العنوان ودلالته ، عبر اشارته لماقبل وما بعد احتلال العراق وعلاقة احداث المابعد بالماقبل .
المهمشون ودورهم في التحولات السياسية في العراق :-
المهمشون هم الفئة الاجتماعية التي تعيش على هامش الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في بلدانها ، والتي ليس لها دخل معروف او ثابت او مجدد ولا تلتزم الدولة تجاههم بأية ضمانات سواء الصحية او المعاشية او التعليمة ولا تعترف بشخصية معنوية لهم ، وغالبا ما يتواجدون عند اطراف المدن الكبرى وما حولها ، يسكنون بيوت ((التنك)) او الصرائف من القصب والبردي او من الطين ، وغالبا ما تكون هذه التجمعات حواضن مناسبة للخرافة والأفكار الغيبية ، ومستودع لا ينضب للعناصر المتمردة سواء كان تمردها ايجابيا وهي المنخرطة في المنظمات ذات الفكر الثوري التنوري المطالب بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية واغلبها من المنظمات ذات الافكار اليسارية بمختلف عناوينها ، بالإضافة الى فئة اخرى تنغمس في الفكر الغيبي الديني ألاتكالي الراكن للقدرية والحلم بمخلص مجهول لابد ان يظهر يوما لخلاصهم ، او من ينتمي للمنظمات الدينية الراديكالية الجهادية تحت مختلف اليافطات المغلفة بغلاف ديني ، يبشر المجاهدين بجنات وحور عين فيندفعون نحو الجحيم جارفين معهم العشرات والمئات من الابرياء ، وهناك فئة اخرى تسلك طريق الجريمة وتحترف السرقة واللصوصية والثعلبة والقردنة والبهلوانية بمختلف اشكالها وتمظهراتها العنفية وغير العنفية بمختلف مستوياتها …
طبعا يرتبط موضوع سعة هذه الشريحة او انحسارها يتبع مدى تطور الحقل الاقتصادي الانتاجي المتطور وإمكانياته في احتواء ان لم نقل كل القوى المنتجة فاغلبها ، في حين تتكاثر بسرعة مذهلة زاحفة على المدن وما حولها في حال الواقع الاقتصادي الراكد والمتخلف وهيمنة الاستهلاك على الانتاج ، وهو الحال الواقع الان في اغلب البلدان العربية ومنها العراق …
ونظرا لسعة فئة المهممشين وتزايد عددهم في الوطن العربي ودورهم في الاحداث في الماضي والحاضر فقد كان لهم نصيب كبير في الادب الروائي العربي سواء في مصر او السودان او اليمن او المغرب العربي وغيره من الدول والإمارات العربية .
ففي مصر ((اغنى 2% من السكان يحصلون على 6،42% من الدخل القومي بينما ان افقر 20% لايحصلون سوى على 6،8% من الدخل القومي )) حسب احصائيات 2005 ونسب التفاوت بين الطبقات الاجتماعية العليا والدنيا في تزايد مستمر …
اما الاخدام في اليمن فيزيد عددهم على ((مليونين ونصف خادم كلهم يعيشون تحت خط الحيوان )).
اما في العراق فتشير الاحصائيات ان عدد المهمشين اللذين يعيشون في العشوائيات يزيد على 13% من سكان العراق يعيشون في 3700 قطعة عشوائية ، حصة بغداد منها اكثر من 1000 وحدة … يعيشون في اكثر من 522 الف وحدة سكنية متناثرة في مختلف المحافظات العراقية ولا تتوفر فيها ابسط المستلزمات الحياتية الانسانية ، وقد زاد الامر بلة تحويل الاراضي الزراعية الى مناطق سكنية دون الخضوع الى اية تخطيط او ترتيب وخصوصا بعد تدهور الزراعة في العراق واضطراره الى استيراد الطماطة والبصل والتمر …الخ من ألخارج
لقد اطلقت السلطات العربية مختلف الاوصاف والتسميات على هؤلاء الناس منها الحرافيش او البدون او الغوغاء او الاخدام …الخ وقد سبق تسميتهم بالصعاليك او الشطار والعيارين .((كان للنضال الذي لعبته الفئات والطوائف الممشة داخل المجتمعات العربية دور كبير في تحقيق الحراك السياسي والاجتماعي الاصلاحي في مجتمعاتنا ، والذي انتهى باندلاع ثورات الربيع العربي ، التي قادتها شرائح مهمشة بالأساس ، مثل الشباب والعمال )) ص194 هويدا صالح – الهامش الاجتماعي
هذا الربيع الذي افتتحه اهل العراق في انتفاضتهم الكبيرة في اذار 1991 ، وقد ركبتها موجة الاسلام السياسي فحرفتها عن طريقها كثورة شعبية فألبستها رداء الطائفية ، مما جعل المركز يعجل بقمعها بالتعاون مع قوى التحالف الدولي وفلول النظام المهزوم ، وقد ساق الالاف من المنتفضين الى ساحات الموت والقتل الجماعي …
((يعيش اغلب هؤلاء بلا وطن ، ولا تاريخ ،ولا حتى هوية )).
من خلال ماسبق نريد ان نصل الى ماوثقه الروائي امجد توفيق في روايته ((الظلال الطويلة )) وهي احداث مريرة وقاسية وطويلة بالفعل غاشها الشعب العراقي بكافة فئاته وشرائحه ومنها شريحة ((المهمشين )).

اسلوب السرد وضبط حبكة الروي ودلالة الحدث :-
في عشوائيات بغداد حيث تعيش ((انتصار)) مع شقيقها ((الديوث)) الذي يضطرها الى ممارسة الجنس مع من يدفع المال لينفق على ملذاته وتوفير اسباب العيش له ولها حيث يعيشون الفقر المدقع ، وفض بكارتها ومن ثم حملها من قبل احد زبائنه الاثرياء ومن ثم هجرها من دون أي شفقة او رحمة … لتكون سلعة تتنقل بين احضان الرجال من مختلف المشارب والفئات الاجتماعية .
فتقرر هذه البغي المهشمة ان تمتلك مفتاح القوة والجاه إلا وهو ((المال)) مصدر عز وهيبة الاذلاء ومذل الاشراف الانقياء ، فتستغل فوضى بغداد بعد دخول قوات الاحتلال الى بغداد ، فتسخر احد صبايانها لسرقة اكياس من العملة الصعبة من احد مصارف الدولة وبذلك تمكنت من التحول من ((انتصار)) العاهرة البغي المذلة المهانة الى ((انتصار)) الخاتون الامرة الناهية مذلة الرجال ومروضة قوى الاحتلال .
فتنتقل هي وزمرتها من حالة البؤس والحرمان في زمن ((الديكتاتورية )) الى حياة القصور والتخمة والسطوة في عهد ((الدم قراطية )).
كانت زمرة او عصابة ((انتصار)) مكونة من اديان وقوميات وطوائف مختلفة ، اشارة من المؤلف بأن التهميش كان من نصيب الجميع في العراق سواء في عهد الملكية او الجمهوريات المختلفة ، وقد ازداد تفاقما واتساعا في عهد البعث حيث كانت تعيش ((انتصار))وجاسم الريس، وعباس الحربه، وزير الارمني ، واسمر ياقو ، وجبار الاسود ليعيشوا ، وهامل في (( بلد اشد الاحلام طموحا ، واشد الكوابيس رعبا ))ص52
فالمؤلف الفطن له قبل وبعد ،حيث يصف لنا حال الوطن والمواطن في عهد الديكتاتور الفرد الذي يفرض هيمنته بقوة النار والحديد بقوة المخابرات والأمن والاستخبارات ، والخدع وحياكة دسائس الايقاع برفاقه وبكل من لايرضخ لإرادته وتصفيتهم ، عدم سماع الرأي الاخر والمخالف والمخلف حتى داخل حزبه ومن ثم عشيرته ومن ثم عائلته ، سواء كان هذا عدم الرضا بالتصريح او التلميح ، وهذا حال ((بشار )) النموذج الحزبي القيادي من فئة البرجوازية الصغيرة الذي يحاول ان يجد ذاته موجها نقدا ولو مواربا ضد ممارسات السلطة ، ولكنه يتعرض للإبعاد ويصبح غير مرغوبا به داخل فردوس السلطة ، فيبعد الى حواشيها ليعيش فردوسه بعيدا عن العراق ، في فرنسا حيث الجمال والحرية والخيال ، مطلعا الى مستويات الفساد في مؤسسات الدولة ونهب المال العام من قبل الحزب وحواشيه ((السفر للكويت عبر باريس )) كنموذج لهذه الممارسات …
بالإضافة الى وضعه تحت رحمة كتاب التقارير السرية لعسس الحاكم وجواسيسه حتى على كوادره ومؤازريه ، فيعرضه الى كوابيس الخوف والإرهاب والقتل وربما الاستدعاء من قبل الديكتاتور من قبل اجهزة المخابرات لتصفيته ، فيقع فريسة بين مخالب المخابرات الامريكية التي تسعى لنخر النظام من داخله ، بعد ان حوصر بين مطرقة الديكتاتور وسندان الامريكان ، حيث تم ربطه بالمخابرات من خلال خيط الحرير إلا وهو حبل الرسامة الجميلة الفنانة ((ايزابيل)) الفرنسية التي حاولت ان ترسم له صورة فنية تظهر فيها طموحه وخياله المتمرد ولكنها تسرق في نهاية الامر وتسرق في نهاية الامر ولا تصل الى معرضها الموعود لتكون قمة وذروة ابداعها الفني في باريس ، هذه اللوحة التي لايعثر عليها ((بشار)) إلا وهو بين احضان ((ايزابيل)) عشيقته ورمز خيانته لزوجته ومبادئه، بعد عودته الى باريس هربا من مظاهر الارهاب هناك وبالتعاون مع الامريكان وخلاصه من سجنهم بوساطة ((انتصار خاتون)) ، ومساعي ((ايزابيل )) لخلاصه … خصوصا بعد ان تمكنت عصابات العهر والدم قراطية والاحتلال من خطف ((امل)) ابنته ، ممثلة طموحه في حياة حرة وكريمة له ولوطنه ولشعبه …
نعم لقد اختطف ((الامل)) –ا المولود في اشارة فطنة الروائي في خريف عام 1990 أي في خريف الحكم الديكتاتوري – بالتخادم بين قوى الاحتلال ، وقوى العهر المنتصرة ،وعجز وفساد السلطة الحاكمة ، اختطف الامل ولم يطلق سراحه إلا وهو معوق مجروح ومبعد الى بلاد المنفى الاجباري وتحت حماية ورعاية خاطفيه الامريكان ومخابراتهم ..
يظهر هذا البشار البرجوازي الصغير الثوري الزائف الهزيل كشخصية مهزوزة متخاذلة منكسرة امام قوى الاحتلال الاجنبي الرأسمالي وقوى العهر الوطني بقيادة ((انتصار)) حيث ترفع انتصار خاتون راية النصر من على دار وطن بشار لتضمها الى نفوذها لتكون وكرا لعصاباتها من المهمشين بالتخادم مع قووى الاحتلال وهزيمة مرتزقته ممثلين ب((ابي صهيب)) الجشع المكروش حيث تمكنت من الاستيلاء على ثروته وكسرت كبريائه الزائف المبني على خدمة محتلي وطنه ونهابي ثروة بلده وحرمانه ليس شعبه فقط وإنما حتى افراد حمايته وحاشيته مما دفعهم للانتقام والتخلي عنه ونقل اخباره وأسراره الى ((انتصار خاتون)) التي اطهرت لهم كرما حاتميا من على موائد الشراب والطعام ، وإشباع غريزة الجسد لهم مقابل خدمتهم وقد صدق توصيف الكاتب القائل ((لا عذارى في المواخير ))، ففي مثل هذا الواقع البائس تتسيده العواهر والديوث والمرابي والعميل واللص والمحتل والديكتاتور لايمكن ان نرى الحر والشريف والوطني الصادق والمبدئي المخلص إلا في المنافي او السجون او على اعواد المشانق او في دور الجانين .ولما في شخصية المجنون (( ماجد)) في رواية ((فسحة من الجنون)) لسعد محمد رحيم مثالا لما نقول .
يؤشر لنا الكاتب هنا مدى هشاشة المجتمعات ألعربية وسهولة اختراقها من قبل قوى الخارج الطامع في ثرواتها والمتعطش لاستعبادها وإخضاعها لسطوته وقد وصفها امبراطور العصر ((ترامب)) بالحثالات … ان احد اسباب هذه الهشاشة هي الانظمة والأحزاب الديكتاتورية التي سامة مواطنيها كل صنوف القهر والعذاب والإفقار مما خلق كم هائل من المهمشين والشواذ اللذين يتربصون ويتحينون الفرص للانقضاض على كل مايمت بالصلة لهذه السلطات الاستبدادية والعمل على نهبه او حرقه وإتلافه انتقاما من معاناتها وثأرا لكرامتها المهدورة وعذريتها المغتصبة ورجولتها المخصية بقوة المال وقهر السلطة الفاشية ، ومن يستذكر ما حدث خلال انتفاضة اذار 1991 في العراق من حرق وسلب وفوضى وخراب لكل مؤسسات الدولة والبنية التحتية للزراعة والصناعة في المحافظات المنتفضة يؤيد ما ذهبنا اليه وما قاله الروائي .(( المهمشون ثوريون بالضرورة لكن حركاتهم الاجتماعية لم تصل لحد الثورات المنظمة لتي يمكن لها ان تزحزح المركز وتحل محله ، فقد اكتفت الاحتجاج غير المنظم لكن المركز استطاع ان يقضي على ثورتها ، ويعيدها ثانية للهامش)) د.هويدا صالح –الهامش الاجتماعي في الادب – ص 195
الروائي يؤشر عدم وجود قوة فاعلة قادرة على مقاومة كل هذا التردي المريع للقيم بسبب شرذمة المجتمع وتهميش اغلبيته وقهرهم ، لذلك يبدو من الصعوبة بمكان التفريق بين مقاومة المحتل وعصابات تاللصوص والنهابين والقتلة بقيادة انتصار وزمرتها ، وكذلك عدم اغفال حقيقة لابد من الاشارة اليها وان لم يتطرق اليها المؤلف الا وهي :-
ان الاستعمار الامريكي ألاحتلالي تميز عن سواه وما سبقه في عمله على تصنيع وجلب معارضيه معه لتكون تحت السيطرة ولخطف خيار المقاومة من الوطني العراق وذلك لصعوبة التمييز بين الخيط الابيض او المقاوم الوطني الصادق وبين الخيط الاسود الارهابي واللص والسارق تحت كابوس الفوضى وحرائق ودخان الانفجارات وحرق الاخضر واليابس بدعوى المقاومة للاحتلال وسلطته .وكما يقول عباس الحربه احد افراد عصابة انتصار خاتون(( انه وزملاءه يجدون انهم يعيشون العصر الذهبي الذي يحلم به أي رجل يكره الدولة والقانون ورجال الشرطة )) ص46 الرواية .
وقد تكرس هذا الحال لان السلطات الديكتاتورية الصدامية خصوصا تمكنت من خنق واستئصال كل القوى الوطنية العراقية من مختلف الاتجاهات والمشارب اليسارية والقومية والدينية وإذابتها تحت خيمة الحزب الواحد وخضوعها لصولجان القائد الضرورة . حيث استمرت سلطته الفاشية لعقود من الحكم حتى وصل به الامر الى قتل وإبعاد وسجن حتى رفاق الدرب من البعثيين ولا خلاص لهم من مجازره إلا الخضوع او الهرب او الموت بأبشع الصور .
ان الظلال الطويلة شاهد بليغ العبارة واضح الصورة على الدور القذر الذي مارسته الانظمة الاىستبدادية ضد شعوبها ودورها لتكون ليست عميلة فقط للأجنبي لا بل وصل ها الامر لتكون مجندة في سبيل خدمة اهدافه الاستعمارية سواء بوعي منها او بدون وعي … وقد اثبتت الوقائع التاريخية وستثبت مستقبلا ان هذه القوى انما هي صنيعة الامبريالية العالمية وبالخصوص الامريكية لتكون الجسر والممهد لقوى الاحتلال والاستغلال ويمكنها من فرض سيطرتها على الشعوب المدجنة من قبل حكامها مسبقا ، ومنها الشعب العراقي ولم تكن ناجمة ن خطوات وقرارات عشوائية غير مدروسة لابل كانت نتيجة عمل جاد ومضني وطويل النفس لكل اساطين علماء النفس والاجتماع والاقتصاد والسلاح والتخطيط العسكري لرسم خطط ماكرة متقنة طويلة المدى للوصول الى اهدافها المرسومة ، وقد تمكنت من تحقيق ذلك بما يفوق تصوراتها وتوقعاتها
(( سقوط عصر البطولة وبدأ عصر الخيانة )) ص114ر.
يبحر الروائي اسرا القارئ عبر ((11)) فصلا ومدخل ، كراوي عليم ، يكشف لنا المستتر ويلون لنا الظاهر من احداث جسام مر بها العراقي خلال محنته الكبرى مع الديكتاتورية وحكم الحزب القوماني الذي اجاد الغوغائية والصراخ الزائف ، ولكنه فشل في العمل ، جهر بالاشتراكية وفاق الاشتراكين تطرفا وغلواء ولم ينتج سوى هياكل فارغة كأنها عجل السامري ، لاحياة فيها ولكنها تغري الناظرين … ونادى بالقومية والوحدة العربية ولكنه القومية والوحدة لم تحصد سوى المزيد من الخيبة والشرذمة والتشتت ، تحدث حول الوفاء فحصد الغدر والخيانة ، تحدث بالحكمة ولكنه كان الارعن والأهوج الاكبر ، تحدث عن الرحمة والتكافل وحقوق المواطن ، في حين ارتكب أفضع الجرائم بحق اقرب مقربيه …
كان الكاتب غزير المعلومة بليغ العبارة ، رشيق الكلمة وهو ينتقل من ((بشار)) الممتحن في مبدئيته ووطنيته ، الى ((انتصار)) التي استطاعت ان تثأر لعذريتها المغتصبة ، وكرامتها المهدورة …
كشف قناع قوى الاحتلال الامريكي حيث وجهها البشع وقساوتها وبربريتها التي تفوق الحدود ، من خلال العديد من صور التحقيق والتعذيب والتجويع في سجونها من خلال صورة رجل بسيط معتقل وتعلق اطفاله به دون جدوى
((شهادة تصفع اقسى القلوب ، وتصفع ذوي العيون الوقحة بان كل مايمت الى المشاعر الانسانية او حقوق البشر او رعاية الطفولة البريئة محض وهم ، ومحض وسيلة دعائية رافقت قساة البشر منذ اول عدوان نفذ على وجه الارض والى هذا اليوم …)) ص113ر.
يسجل الروائي حورا مفتوحا بين الفضيلة والرذيلة ، بين العفة والشرف وبين العهر والخيانة ، بين ادعياء التحضر وضحاياهم … وبذلك تمكن الروائي من ((بختنة )) شخصياته الروائية ، ولكنه لم يؤثث هذه الشخصيات ليكون لها مرتسم في خيال القارئ من حيث الشكل والملبس وحركات الجسم والعلامات الفارقة بين شخصية وأخرى ، فكانت عبارة عن اسماء وسلوك ولكن الصورة باهتة وغير واضحة الالوان والتقاسيم …
الكشف عن حقيقة ((المحرر)) وتخادمه مع العناصر الفاسدة ، ورموز الجريمة والعهر ، من خلال عملية القاء القبض المحكمة على ((بشار ، وانتصار ، والمجندة الامريكية جاكلين)) في دار انتصار في المنصور…
رغم عظمة الجيش الامريكي المحتل ولكن تتمكن عصابة ((انتصار)) من اختطاف عدد من المارينز لتعقد صفقة لإطلاق سراح الخاتون مقابل اطلاق سراحهم ، هنا تظهر امكانية المقاومة وإمكانية ابن البلد في قهر اعتى قوة في العالم ان هو امتلك الارادة والقيادة والتصميم والهدف الواضح …
تعقد علاقة صداقة وتخادم بين ((انتصار العهر)) وبين الامريكان ، يطلق سراح ((بشار)) بطلب من الخاتون…
تعاد ((امل)) المعاقة الجريحة الى ذويها ، مع اشادة بصمودها وشجاعتها اثناء عملية الاختطاف وإطلاق النار عليها من قبل الامريكان ، والاعتذار الذي قدمه لها (( جون ريد)) وهو اسم مسمى مؤلف رواية ((عشرة ايام هزة العالم)) التي وثقت ثورة اكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا 1917 . ولا شك ان المؤلف لم يكن جاهلا لهذا الاسم بل هي اشارة مبطنة الى دلالة مختزنة في مخيال وذاكرة المؤلف ، هل تعني ان لا احد يعرف الاعتذار او يقدر قيمة الطفولة ويتعاطف معها الا ((جون ريد)) وأمثاله ، او هو يريد ان يقول ان حتى ادعياء الثقافة واليسارية والتحرر من الامريكان ساهموا في هذه الحرب القذرة واحتلال العراق ؟؟!!!
((قادته انتصار الة امل … صافحها واخبرها ان اسمه جون ريد وانه معجب بقدرتها وصمودها ، وطلب من احد المرافقين جلب هديتها من السيارة ..)) ص288ر.
مقارنة بين مايتمتع به الانسان والحيوان في العالم الاول مثاله فرنسا ، وبين هدر كرامة وحقوق الانسان في العالم العربي ومثاله العراق ، عبر عرض واقعة انقاذ حياة قطة عالقة على غصن شجرة في فرنسا …
تقام حفلة رقص وصخب وسمر وشرب في دار الخاتون ، يطلع ((بشار)) الى بعض اسرار الخاتون وعلاقتها بالأمريكان وعقد علاقة الصداقة والتضامن بينهما ، تشتري داره المجاورة لدار الخاتون …
وقد قرر بشار هو وزوجته ((نسرين)) وابنته امل العودة ثانية الى باريس بعد سبعة اشهر عاصفة في في بلده العراق راكعا اما عدوه القاهر …
قال رسول حمزاتوف:-
((يمكن للرجل ان يركع في حالتين :- ليشرب من العين ، وليقطف زهرة )) رواية بلدي رسول حمزاتوف ص 21.
ولكن ((بشار)) خسر رجولته لانه عب من ماء مستنقع الرذيلة والخيانة ، وقطف وسام الخنوع …
نعم
((عاد بشار الى باريس
جلطات في القلب ..
ندبات في الروح..
عذابات في الاحلام ..
عادت نسرين..
حماس مقتول ..
رؤية مضببة ..
وبحث عن سلام ..
عادت آمل
كسر في الذراع
كسر في الساق ..
روح مجروحة ..
اهذا ما تفعله سبعة اشهر على ارض الوطن ..)) ص293 ر.
وقد وصل الى قناعة مفادها
((لاتنتظر ان يسعد مواطن في بلد محتل .. تلك قاعدة قديمة حديثة )).
اسكرته ((ايزابيل )) بعطرها ، ودثرته بحنانها ، وأنعشت روحه بموسيقاها الراقصة وكأنها تقول :-
(( حمميه جيدا، واطعميه، وحاذري الاكل معه، ودعيه يكتشف نجمات ليلك ، وغزلان براريك، ويضع راسه على وسادة نهديك فالحبيب عائد من الحرب ..)) ص303.
نعم عائد من حرب ضروس لاتبدو لها نهاية ، عادا مكسوا مهزوما مازوما في وطنيته ومبادئه وعفته …
يمكننا في نهاية القول ان نصنف رواية امجد توفيق ((الظلال الطويلة )) برواية البكارسكيه وهي ((رواية تشتغل على البيئات المهمشة ، او تعنى بالفقراء والمهمشين الذين يقفون على هامش المتن الاجتماعي ، ليس رغبة منهم في ذلك بل اقصاء لهم من مركزية المتن واهتماماته )) الهامش الاجتماعي في الادب قراءة سوسيو ثقافية ص 117 دار رؤية للطباعة والنشر ط1 2015.

.

*روائي وناقد عراقي​

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق