حوارات عامة

الكاتب عبد الرزاق بوكبّة: الكاتب الذي يُخطط كيف يكون، لا يختلف عن السّياسي

حاورته الشاعرة: نوارة لحرش

عبد الرزاق بوكبة شاعر وروائي وناص- يعني كاتب خارج التصنيف المحدد والمقيد وهذا ما يروقه أكثر-، اشتغل في حقل الإعلام الثقافي من الصحافة المكتوبة مرورا بالإذاعة والتلفزيون حيث أعد وقدم عدة برامج ثقافية ومازال حتى اليوم يمارس الإعلام الثقافي بكثير من الجدية والنوعية. حاز على عدة جوائز أدبية جزائرية وعربية ربما أهمها وأكبرها اختياره أواخر عام 2009 ضمن قائمة الأسماء الفائزة في “بيروت 39” وهي مسابقة عربية كبرى. عمله الأول “من دس خف سيبويه في الرمل؟” صدر عن منشورات المكتبة الوطنية الجزائرية ودار البرزخ عام 2004، عمله الثاني “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” صدر عام 2008 عن منشورات ألفا، عمله الثالث رواية “جلدة الظل ـ من قال للشمعة: أف” صدرت في 2009 عن منشورات ألفا أيضا، وبها افتتح مسيرة أخرى للكتابة السردية حيث أنه حاليا منهمك في كتابة الجزء الثاني من الرواية: “محيض الزيتونة ـ من قال للشمعة: أح؟”، وسيستكمل كتابتها في إحدى الإقامات الإبداعية التي منحت له، وبعدها يشرع في كتابة الجزء الثالث: “من قال للشمعة: أخ؟”. في هذا الحوار الذي قال عنه بوكبة بأنه “مهبول” يمارس شغبه وهو يتحدث عن علاقته باللغة التي يراها كائنا أنثويا وعن تجربته في الكتابة المفتوحة على النثر والسرد واللاتصنيف، يتحدث أيضا عن تيماته الأكثر حضورا كالتراث والموروث الشعبي وجدته وعن بعض سريرة الإنسان والمبدع فيه، كما يطرح بعض أفكاره وقناعاته الأدبية بكثير من الثقة والإصرار والوضوح، هكذا هو يقول أفكاره بحدية شفافة أحيانا وجدية بالغة أحيانا أخرى. أدخلوا إلى حواره/شغبه فربما ستستمتعون، ربما حتما.

  • Ø تشاغب كثيرا على مستوى اللغة، هل لأن اللغة تحتاج إلى الشغب، أم لأنك تريد التميز والتفرد ولهذا تشاغب؟
  • Ø آه لو كنتِ معي عندما سمعتُ في برنامج أدبي تونسي وأنا في المرحلة المتوسطة بداية التسعينيات، هذه العبارة “اللغة كائن حي”، كنتِ ستلاحظين الدوار الذي إنتابني حينها.. كانت هي العبارة التي أبحث عنها بالضبط، وأنا أحاول أن أكتب، أكتب طبعا وفق مسطرة القراءة، ولاحظتُ أنني أجد ذاتي فيما أقرأ ولا أجدها فيما أكتب، كان ما أكتب تقليدا.. هذه العبارة جعلتني أنتبه إلى أن ذاتي لا يمكن أن أجدها فيما أكتب إلا إذا كتبتها بلغتي الخاصة. لا يمكن أن أستمتع بلقاء فتاة إذا كنتُ أخاطبها بلغة غيري، حينها كنت قرأت سيرانو دي برجيراك الذي كان يحرّر خطابات لحبيبته على أن يحملها إليها رجل آخر موهما إياها بأنها له، وكنت أحتقر هذا الرجلَ الذي يلقاها بلسان سيرانو، هذا الاحتقار للتطفل بكل مفاهيمه، جعلني أرفض مرة أن ألبس سروال ابن عمي حتى يأخذوني إلى الطبيب في المدينة، لأن سروالي لم يكن لائقا.. كل هذا أسّس لعلاقتي باللغة في الكتابة، التي بتُّ أراها بالتراكم كائنا أنثويا حيا، تختلف قبلاتي التي أطبعها على كامل جسده عن القبلات التي أطبعها مثلا على جبهة أمي، أو رأس جدتي، وبالتالي فالأمر ليس شغبا بل شبقا، وإذا كان شبقنا مع زوجاتنا يؤدي إلى إنجاب أطفال يحملون ملامحنا [ما لم تحدث خيانة]، فإن شبقنا مع اللغة يؤدي إلى إنجاب نصوص تحمل ملامحنا، ما لم تحدث خيانة التقليد.
  • Ø ترى أن اللغة كائن أنثوي أكثر، يعني أنها طازجة وسخية بالأنوثة والأنثوية، وهناك من يرى بأن القلم أداة ذكورية، فماذا تقول في هذه الثنائية المتضادة أو المتنادة، وكيف تفسر أن تكون اللغة أنثوية والقلم أداة ذكورية؟، كأن هناك من الندية قدر ما هناك من الضدية، مارأيك؟
  • Ø أنّثتُ اللغة لأني رجل، ولكِ أنتِ ككاتبة أن تريها مذكرة، ومن دلائل حياة اللغة “بيت الكينونة كما سمّاها هايدغر”، قدرتها على أن تكون كما يراها مستعملوها، أنا تربّيت في بيئة تربط الأنوثة بالفاعلية.. مثلا كانت جدتي عندما تذهب إلى هضبة الجبس كي تجلب منها ما تطلي به البيت، كانت تختار الجبس الأنثى، لأنه الأقوى والأنصع، وكان جدي عندما يذهب إلى الغابة ليجلب الحطب، كان يختار الحطب الأنثى، لأنه قليل الدخان، ولا يستعصي على الاشتعال، وكان الرعاة يختارون القصب الأنثى ليصنعوا ناياتهم، لأن صوته ألطف، ولا يجرح الشفتين.
  • Ø “من دسّ خُفّ سيبويه في الرّمل؟” الصادر عن منشورات المكتبة الوطنية الجزائرية ودار البرزخ عام 2004، هو عملك الأول والمشكل من نصوص قصيرة في معظمها لكنها زاخرة بالشعر ومتمردة على مستوى الأسلوب والفكرة والتجاوز، هل خططت أن تكون بهذا التميز والاستثناء؟
  • Ø الكاتب الذي يُخطط كيف يكون، لا يختلف عن السّياسي الذي لا بد أن يفعل ذلك حتى يكون، الكاتب مُعفى من التخطيط [إلا على مستواه كإنسان ومواطن عاد]، لأنه معفى من تقديم تقرير عمّا يكتب إلى مجلس محاسبة ما، ثم إن التميز الذي لا يأتي عفويا نتيجة انسجام الذات الكاتبة مع رغباتها، تميز مغشوش يشبه الريش الذي تلبسه الأرستقراطيات المزيفات.. لا يصمد تحت أمطار الحقيقة، وعليه أقول إن “من دسّ خُفّ سيبويه في الرّمل” الصادر قبل ست سنوات، تجربة واكبتْ بدايات دخولي إلى الجزائر العاصمة مطلع الألفية الثالثة، حيث وجدتني في مواجهة تعدّد في القواميس بكل محمولاتها، وأنا المتعوّد على قاموس أحادي النية.. في “أولاد جحيش” من حيث جئت، عبارة “صباح الخير” مثلا، لا تعني إلا صباح الخير فعلا، أما هنا فهي مفتوحة على الاحتمالات كلها.. إنها حالة علّمتني ألا أطمئنّ إلى اللغة كما كنتُ أفعل في السّابق، وهي حالة مفخخة قد تودي بتجاربنا الإبداعية إذا لم نكن مسلّحين بالوعي الكافي، آه.. لقد كتبتها في أقلَّ من شهرين في عراء العاصمة خريف 2002، وقد بتّ أراها اليوم بعد أن خرجتُ من تلك الحالة جزئيا، كابوسا حاربتُ به كوابيسَ كانت قادرة على القضاء عليّ.
  • Ø يعني أنك مدين للعراء بشكل أو بآخر، هذا العراء/ الكابوس الذي فتح مزاجك لتحاربه بشعرية مغايرة أنتجتها صدمة اللحظة وأسّست ربما لمسارك الأدبي بشكل جاد؟
  • Ø عندما تعيشين لحظة العراء بكل ما تخلقه فيك من شعور بالغربة والحيف، تقطعين صلتك بكل المفاهيم المغشوشة التي يقتات عليها متسوّلو الإيديولوجيات، ولحظتها يمكن أن تري وجهك في مرآة اللغة بوضوح يمنحك الشعور بالعزاء.
  • Ø عملك الثاني “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” الصادر في عام 2008 عن منشورات ألفا، جاء بنفس الزخم التراثي والشعبي الذي كان في العمل الأول كأنك تقول وتؤكد: هذه تيماتي في الكتابة التي تروق لي ولمزاجي؟
  • Ø هل ترين ذلك؟، طيب..ولكن لا بد من الانتباه إلى أن التجربتين تختلفان جذريا في كثير من مفاصلهما، بقدر ما تتماهيان في مفاصلَ أخرى، بالنظر إلى اختلاف السياقات النفسية والحياتية أو تشابهها، حين شرعتُ في كتابة الأجنحة” في 2005، كانت بعض أسئلتي في الكتابة والحياة شرعتْ في التغير، وبعضها شرع في النضج، فالمدينة التي كانت تُحكم عليّ قبضتها في البداية، حيث كنت لا أعرف “بلكورها” من “ديدوشها” من “حراشها” بدأت ترخيها قليلا، وتمنحني بعض الأجوبة، على الخبراء في علم الإجتماع أن يجيبونا على هذا السؤال: لماذا تكون أجوبة المدينة الجزائرية ناقصة دائما، وهل هذا المعطى هو الذي أثر في صورة ـ حضور المدينة بمفهوماتها الواسعة في النص السردي الجزائري؟، في هذه الفترة حيث شرعت في كتابة الأجنحة، كنتُ سكنتُ باب عزون وديدوش والحراش وعين النعجة وبيلكور، ونشطت في اتحاد الكتاب والمكتبة الوطنية والإذاعة، أي أنني فتحت نافذتين متقابلتين: نافذة إنسان الحومة، ونافذة من نسمّيهم في العادة “النخبة”، وفي المسافة التي تفصل النافذتين طلعت “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” بنصوصها السردية الستة والثلاثين، مع ملحقها الشعري “فصول الجبة“.
  • Ø هل الولهي بن الجازية صاحب الريشة الذي كان بطلَ كل تلك النصوص، هو أنت في هذا الكتاب؟
  • Ø هو كلّ من لم يملك الشجاعة أو القدرة على أن يطلَّ من النافذتين المذكورتين أعلاه..وهو أنا أيضا.. لكنني لم أنتبه إلى أنه يشبهني كثيرا حتى أننا نشترك في حمل “ريشة” طوال الوقت، إلا بعد أن قرأت الكتاب بعد صدوره.. عجيب أمر النص الأدبي يا صديقتي، يشبه الرّمل الذي نعتقد أننا تخطّيناه، فإذا بنا نجده في حلوقنا.
  • Ø يعني للأدب مفعوله وفاعليته في أغلب الأحيان،هنا أذكر جملة للكاتب توماس مان مفادها: “كل كتاب جيد ضد الحياة هو حث على العيش”، هل تحثك كتبك وكتاباتك على العيش، على الحياة أكثر؟
  • Ø ماذا يقصد السّيد توماس؟، هل يعني أن التحريض الذي يكون ضد الحياة سيجعلنا نصرّ عليها أكثر إذا كان تحريضا جميلا؟، أحبّ ألا أورّط الجمال في المهمّات التي يرفضها منطق الحياة، الجمال شريف بالضرورة، وكل المجرمين الذين حاولوا أن يستعملوه في تحقيق غاياتهم فشلوا، هل تحثني كتاباتي على التشبث بالحياة؟، كنت سأحرقها لو لم تفعلْ ذلك، أنا لا أكتب إلا لكي أعرقل موتي، في بدايات 2005 قلت لصديقي الشاعر عبد العالي مزغيش الذي كان يقاسمني الغرفة في حمّام بستان الجنوب بباب عزون: لو لم أكتب “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” لورثتَ سريري، وكنت أعني أنني كنت سأنتحر، لو لم أفعلْ ذلك، وأنا هنا أقرّ بأنني مدين لبطل الكتاب الولهي بن الجازية صاحب الريشة، ولذياب بطل روايتي “جلدة الظل” بحياتي.
  • Ø العامية حاضرة في بعض نصوصك، كأنك تقول مثلما أدبي للنخبة هو متاح أيضا لكل الفئات والحساسيات؟
  • Ø هي ليست حاضرة بالشكل الذي ستكون عليه في نصوصي القادمة، انسجاما مع رهان جمالي أعتقده جدا، وهو لا بد من الحفر في جماليات اللسان الجزائري، حفرا يعيدنا إلى ذاتنا التي هي وليدة تراكمات حضارية، وبفعل القطائع السلبية والاستلابات الغربية والمشرقية معا، لم نعد ننتبه إلى جمالياتها، إننا نوشك على أن نصبح لسنا نحن، وأنا هنا لا أعني بـ”نحن” بُعْدا شوفينيا، كوني كاتبا يمنعني من ذلك،ولكن أعني بـ “نحن” الشراكة في الفضاء والعطاء، لم نعد نشارك في إثراء العالم بخصوصياتنا، وإنما نشارك في إثرائه بتبني خصوصيات الغير، وهذا واحد من مقامات العبودية التي علينا أن نتحرر منها بالانتباه إلى هذا المعطى، ثم لماذا نصر على أن نقرن النخبة بالفصحى فيما نقرن العامّة بالدارجة، وبالتالي نرى كل ما يُكتب بها شعبويا يعاني فقرَ الدم الجمالي والرؤيوي؟، هذه واحدة من الحماقات التي ساهمت في توسيع الهوة بين النخبة والحياة.
  • Ø تبتكر تأويلات ومدلولات وحتى حساسيات للمعنى الواحد، هل هذا ميزة التجريب أو أنك عمدا تقترح إضافات أخرى للمعاني؟
  • Ø مرة قال لي صديق يعمل صيّادا في البحر: عندما يكون البحر مطيتك، لا يفيدك أن تحمل قاموسا لتعرف المعاني، حيث ستجد نفسك ملزما بأن تخلق معانيك وحدك، إذ القاعدة في منطق البحر تعني الغرق بالضرورة، أليس هذا البحّارُ أجدرَ بأن يكون صديقي و”كتيبي” بمعنى أنني أكتبه، من “مثقف” مشغول باصطياد القاصرات، حتى إذا فشل في ذلك لجأ ليلا إلى أحضان بائعات الهوى؟، هناك بعض المثقفين اليوم يخسرون معاركهم حتى مع القاصرات، ليس في الجزائر فقط، بل حتى في أمريكا، إنها حالة كونية عامة ساهمت في انزياح مفهوم المثقف عن مجاريه القديمة، وخلقت جيل المدوّنات ثم الفايسبوك، كل هذه الانزياحات التي أعيشها يوميا في الحياة، تبرّر لي أن أنزاح إبداعيا، بل إنها تحتم عليّ ذلك أحيانا.
  • Ø سواء في الشعر أو في النثر تشتغل وتستحضر التراب والموروث الشعبي بكثرة، هل هذا راجع إلى البيئة التي نشأت فيها أو راجع إلى ولعك بهذه الثنائية المتلاصقة والمتداخلة بعضها ببعض؟
  • Ø ألا ترين معي أن عبارة “موروث شعبي” مغلوطة؟، أليس كتاب الأغاني للأصفهاني والحيوان للجاحظ مثل ألف ليلة وليلة موروثا شعبيا؟، كل أدب أفرزته الحياة شعبي بالضرورة.. ثم كيف سيسمّي أحفادُنا أدبَنا في عام 3005 مثلا؟، علينا أن نتخلص من الأحكام الجاهزة ونحن نتعامل مع الجماليات، لأنها ليست حكرا على بيئة دون بيئة، أو طبقة دون أخرى، أو جنس دون جنس، أو لسان دون لسان، أو شكل دون آخر، فقط علينا في المقابل أن نحترم الزمن، فلا ننفي أنفسنا إلى بادية طرفة بن العبد، أو ننفيه هو إلى شارع ديدوش مراد، بالمناسبة: لو جيء بطرفة إلى هذا الشارع حيث أسكن، من سيكون مستشارَ الآخر؟ حتما سيستشيرني حتى لا يضيع.
  • Ø في رواية “جلدة الظل ـ من قال للشمعة: أف” الصادرة في 2009 عن منشورات ألفا، حضر أيضا التراث بكثير من ملامح وتوابل الطقوس والأسطورة والفانتازيا؟، هل تريد أن تقول هذا أنا بكل إرثي التراثي في الشعر كما في النثر؟
  • Ø في هذه التجربة تخيّلت تاريخا لقريتي التي لا تعرف تاريخها، حيث تبدأ أحداثها صيف 1847، لكنكِ وأنتِ تقرئينها مروية على لسان “علي بلميلودتحسّين بأن شخوصها لا يزالون على قيد الحياة، لقد منحتُ فرصة لأجدادي لأن يمارسوا الحياة من جديد، وهذا من نبلي، لكن لم أمنحهم الفرصة لأن يجعلوني أمارس الموت بعودتي إلى سياقهم من حيث التفكير والتعاطي مع أبجديات العصر، وهذا من ذكائي، هنا مربط الطبق الطائر لا الفرس، لأنني كواحد من أبناء هذا العصر، أرى في نومي أطباقا طائرة تغزو كوكبي، في حين كان جدي يرى في نومه خيولا تغزو قبيلته.أنا قادم من بيئة ترعى فيها أمّي دجاجاتها كما ترعى أطفالها، وتسأل الجدة عن كسرة الراعي كما تسأل عن كسرة كبير العائلة، كان بعض الرعاة يستشيرون اليعسوب ليحدّد لهم برجله اليمنى الجهة التي يخطبون منها، وفعلا معظم الزيجات في قريتي تمّت بناء على هذه الاستشارات، تصوّري أنني واحدة من ثمار هذه الثقافة، وبالتالي فالنفَس الصّوفي الذي في نصوصي وفي حياتي، امتداد طبيعي جدا لسماء طفولتي، كما هو امتداد طبيعي جدا في تاريخ الجزائر، وأنا خائف على براءته من انتهازية الانتهازيين.
  • Ø كأن مخيالك يتشكل أكثر وبشكل أوفر من الصوفية والتراث والموروث الشعبي الجزائري والعربي؟
  • Ø أنا قادم من بيئة ترعى فيها أمّي دجاجاتها كما ترعى أطفالها، وتسأل الجدة عن كسرة الراعي كما تسأل عن كسرة كبير العائلة، كان بعض الرعاة يستشيرون اليعسوب ليحدّد لهم برجله اليمنى الجهة التي يخطبون منها، وفعلا معظم الزيجات في قريتي تمّت بناء على هذه الاستشارات، تصوّري أنني واحدة من ثمار هذه الثقافة، وبالتالي فالنفَس الصّوفي الذي في نصوصي وفي حياتي، امتداد طبيعي جدا لسماء طفولتي، كما هو امتداد طبيعي جدا في تاريخ الجزائر، وأنا خائف على براءته من انتهازية الانتهازيين.
  • Ø أخبرتني أنك تشتغل على عمل روائي آخر وهو الجزء الثاني “لجلدة الظلالتي تريد أن تكون ثلاثية، هل ستكون نفس الأجواء حاضرة، أم هناك سياقات ومناخات أخرى؟
  • Ø لا تندهشي أو لكِ أن تفعلي ذلك إذا قلت لكِ إن “جلدة الظل ـ من قال للشمعة: أف؟” كتبت قبل الجزء الأول، حيث كنت قد كتبت شطرا كبيرا من “محيض الزيتونة ـ من قال للشمعة: أح؟” في 2004، لكنني تركتها بفعل الصدمة التي سببها لي موت أبي، وبفعل ما ترتب عليّ بسبب موته من مسؤوليات، حيث وجدت نفسي إما أن أبقى في العاصمة لأحقق ذاتي فتضيع أسرتي هناك، وإما أن أعود إلى أولاد جحيش لأرعى أسرتي وبالتالي تضيع طموحاتي،المهم بعد كتابة جلدة الظل خريف 2008 اكتشفت أنها في الحقيقة هي الجزء الأول لما كتبته سابقا، وأنا أنوي أن أستغل إحدى الإقامات الإبداعية التي مُنحت لي بعد فوزي في مسابقة بيروت 39 في استكمال كتابته، لأشرع في كتابة الجزء الثالث بعدها: “من قال للشمعة: أخ؟”. وطبعا شتان ما بين “أف” و”أح” و”أخ” رغم ثبات الألف.
  • Ø في روايتك أيضا حضر الجسد والجنس بشكل فيه الكثير من الجرأة والكثير من الوضوح، كشاعر وروائي كيف ترى بعض سياقات الجسد والجنس في الرواية؟
  • Ø لماذا تطلبين رؤيتي كشاعر وروائي للجسد والجنس في الرواية، وتهمشين رؤيتي لهما كإنسان، الإنسانية أولى من الكتابة، الكتابة خادمة للإنسانية، والجنس الذي يحضر في العمل الإبداعي لدواع إنسانية جمالي بالضرورة، أما الذين يُقحمونه باسم كسر الطابوهات كي يُلفتوا الانتباه إليهم، فهم يشبهون رجلا يعرض إحدى قريباته عارية على الناس ليقال عنه إنه جريء، قال لي أحد ممن قرؤوا “جلدة الظل”: لماذا جعلت ذياب يمارس الجنس مع امرأة خاطفه حتى تعيد إليه المصحف الموروث الذي احتجزه زوجها؟، هل الغاية عندك تبرّر الوسيلة؟، فقلت له: هل ما قرأته ممكن الحدوث في الواقع؟، قال: نعم، قلت: إذن فاسأل بطل الرّواية، قال: إنه: خيال، قلت: ولماذا تصرون على أن تحاكموا الخيال أيها الناس؟، الواقعُ أن الكبت الذي أفرزه الفهم المنقوص للدين والحياة، جرّ على الفن مصائبَ كثيرة في العالم الإسلامي المعاصر.
  • Ø جئتَ إلى الرواية محملا بالشعر وإرثه وإشكالاته ولذائذه..هل ستبقى تستثمر هذا الإرث في الرواية فقط أم سننتظر عودتك القريبة للشعر ونقرأ مجموعات شعرية أخرى؟، أم رهانك الآن على الرواية أكثر؟
  • Ø لست مؤدلجا حتى أخضع وأنا أكتب للتاريخ، أنا أكتب خاضعا للحظة، وهي وحدها من يحدّد شكلَ وروح نصوصي، علمتني جدتي وبعدها أمي أن أستفيد أيضا من الفتات الذي يبقى من الخبزة، فأصنع منه أشكالا أخرى، الزيت زيتي والدقيق دقيقي، والنار شيوع بين الناس.
  • Ø لكن كأن السرد كان هاجسك منذ البداية، يعني حتى في نصوصك الشعرية، كانت هناك بعض أنفاس السرد، وكأن الشعر كان فقط خطوة أولى نحو درب الرواية؟
  • Ø أضحك كثيرا من بعض الأصدقاء، فهم يصرّون على نعتي بالشاعر إذا كانوا ساردين، ونعتي بالسّارد إذا كانوا شعراءَ، وهكذا يفرّقون دمي في الأجناس الأدبية، ونسوا بذلك أنهم يقلدونني وساما رفيعا هو “كاتب خارج التصنيف”، من حيث أرادوا تهميشي والتشويشَ عليّ. أنا لست مهوسا بالتصنيف وأنا أكتب، لأنني أصلا أكتب هروبا من المنطق الأحادي وعقلية التصنيف، وهوسي الحقيقي هو هل ألامس روح الفن والجمال في كتاباتي.
  • Ø كيف ترى الشعر؟ ما جدواه؟ ما وظيفته بالنسبة إليك، وهل له وظيفة أخرى غير وظيفة الإمتاع والإدهاش؟
  • Ø هل لا بد من أن تكون للشعر وظيفة حتى يستمر العربُ في احترامه وتبنّيه؟ لماذا نصرّ على تقديس النصوص الملتزمة إيديولوجيا، والإعراض عن النصوص الإنسانية الحرّة، في حين نكون نحن أول من يخون القضايا التي تدافع عنها تلك النصوص؟ تصوّري رجلا عربيا يفضّل مارسيل خليفة لأنه ملتزم بالقضية الفلسطينية على نانسي عجرم لأنها في نظره متفسخة، لكنه ينفق ثلث أمواله على النساء ويبخل بدينار واحد على أطفال غزة، إذا كانت هناك وظيفة للشعر، فهي تطهيرنا إنسانيا، حتى نتفادى مثل هذه التناقضات.
  • Ø هناك من يقول عن تجربتك بأنها تتميز بالتكسير على أن يقول تتميز بالتجريب، هل يزعجك هذا أم لا؟
  • Ø أذكر أنني بدأت أشارك في عملية الحصاد بعد أن أصبحتُ يافعا، وكان الفلاحون يحصدون من أسفل العطيل إلى أعلاه [هل العطيل مؤنث أم مذكر؟]، بينما كنت أنا أبدأ من أعلى إلى أسفل، لقد خلقت في البداية حالة من الاستنكار لدى الجميع، لكنني لاحظت وأنا أعود إلى القرية بعد سنوات، أن كثيرا من الفلاحين يشرعون في الحصاد من أعلى إلى أسفل، تماما كما كنت أفعل، والحديث قياس على بعض الكتّاب، هناك بعض الناس يطلقون الأحكام من منطلق إثبات الذات لا غير، ويكون تأثير أحكامهم فينا بقدر إيماننا بشغلنا.
  • Ø الواقع بالنسبة للكاتب هو الكتابة ذاتها”، هذا ما قلته ذات يوم، لكن هل الكتابة بما أنها واقع كما تقول، تستثمر الحلم والخيال، أم تستثمر الواقع بمراحله وتفاصيله ودون وعي حين لحظة الكتابة؟
  • Ø أنتِ امرأة وقد لا تفهمين هذا المثال: لحظة الكتابة تشبه تماما لحظة العادة السّرية، يرى الشابُّ الفتاة في الشارع فعلا..تحلو في عينه، يتذكرها في فراشه، فيسحبها إليه، ويمارس معها/عليها الجنسَ بالطريقة التي يحلم بها، فأين حدود الواقع من حدود الخيال هنا؟.
  • Ø ما سر جدتك الحاضرة في نصوصك؟ تكاد تكون تيمة أخرى إختيارية أحيانا وحتمية أحيانا أخرى؟
  • Ø تقصدين مريم بنت بوكبة التي كتبتها في “من دسّ خف سيبويه في الرّمل” ومريم بنت الجازية التي في “الأجنحة”؟.. إنه تكريم لتجربة إنسانية أخجل من عجزي عن أن أكون في مستوى تمسّكها بالحياة وبقيمها الإنسانية الرّفيعة.
  • Ø وماذا عن “علي بلميلود”، هذا الحاضر في كتاباتك ومقالاتك وفي روايتك، كأنه بطل رمزي ومعنوي لا يغفو ولا يموت، كأنه سندك في مسيرة الكتابة والإبداع وحتى الحياة؟
  • Ø أرجو أن تسمحي لي بأن أترك الإجابة عن هذا السؤال إلى ما بعد سنوات
  • Ø من هم أجدادك الأدباء وجداتك؟
  • Ø علي بلميلود بدرجة اولى وبعض الذين لم تعجبني نصوصهم

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق