إسلاميات

سورة قريش بين أَمْنَين

إبراهيم الباش

تمثل الآيات الكريمة من سورة قريش استجابة الله عز وجل لدعوة خليله إبراهيم عليه السلام وهو يتوجه بالدعاء عقب بناء البيت وتطهيره كما تؤكّد الآيات من هذه السورة المكية أهمية الأمن بأرقى مستوياته وأهمية تحقيق ذلك من أجل إقامة الدين الحق وتحقيق الغاية العقيدية التي فيها صلاح الدنيا والآخرة. «لإِيلافِ قُرَيْشٍ. إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ». (سورة قريش)……

لقد دعا إبراهيم عليه السلام قائلاً:

«وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ».

(سورة البقرة: 126)

لقد جاء دعاء إبراهيم عليه السلام

«رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَدًا آمِنًا»

فقال تعالى في سورة قريش:

«وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ»

ودعا إبراهيم فقال:

«وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ»

فقال تعالى في سورة قريش:

«أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ»

ولم يكن ذلك ليكون لولا بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فمحمّد صلى الله عليه وسلّم كما في الحديث الصحيح هو دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام حين دعا قائلاً:

«رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ»

(سورة البقرة: 129)

فدعوة إبراهيم قد تحققت بإرسال محمد صلى الله عليه وسلّم، وفي هذا دلالة على أن الإسلام هو دعوة الأنبياء جميعاً: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ».

(آل عمران: 67)

فالصلة بين أمن البيت وبين إبراهيم عليه السلام وثيقة، فإبراهيم بناه ودعا أن يبقى آمناً وقد بقي حرماً آمناً برغم ما اعتراه من وثنية وشرك وأصنام، وما كان لهذا الأمن أن ينتقص قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم، لذلك دفع الله عزّ وجل عنه كل أذى وكل طغيان حاوله أبرهة الأشرم عندما جاء بالفيل لهدمه

«فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ»

وهكذا قد جعل الله البيت عتيقاً من سلطة المتسلطين وجبروت الجبارين، وجعل من يتوجّه إليه آمناً

«أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ»

(سورة العنكبوت: 67)

ولا شك أن الصلة المعنوية بين سورة قريش وسورة الفيل ظاهر فالله عز وجل أهلك أبرهة الأشرم وجنده

«فجعلهم كعصف مأكول» لإيلاف قريش.

ففعل الله ما فعل بأصحاب الفيل من أجل إلف قريش، وذلك أن الله لم يقدّر لأهل الكتاب (أبرهة وجنده) أن يحطموا البيت الحرام أو يسيطروا على الأرض المقدسة حتى والشرك يدنسها، كي يهيمن هذا الدين فيما بعد على الأديان والعباد ويقود البشرية ولا يُقاد، وكان هذا من تدبير الله لبيته ولدينه، قبل أن يعلم أحدٌ أن نبيّ هذا الدين قد ولد في هذا العام، ونحن اليوم نستبشر بإيحاء هذه الدلالة إزاء ما نعلمه من أطماع فاجرة ماكرة، تحوم حول المسجد الأقصى وغيره من الأماكن الإسلامية المقدسة في فلسطين وغيرها من بقاع العالم الإسلامي، من أطماع الصليبية العالمية والصهيونية العالمية، ولا تهدأ في التمهيد الخفي اللئيم لهذه الأطماع الماكرة، فالله الذي حمى بيته من أهل الكتاب مع أن سدنته مشركون، هو القادر على حفظ الإسلام ومعالمه في شتى أصقاع الأرض.

وتؤكد سورة قريش المكانة التي حققها العرب بعد حفظ البيت، فقريش من العرب بل هي ذروة المقام في العرب، وقد جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى هاشماً من قريش، واصطفاني من بني هاشم».

وهل كان للعرب شأن أو كيان قبل الإسلام أو أيٌّ دورٍ يذكر على وجه الأرض، لقد كان اليمن تحت حكم الأحباش، وفي الشمال كانت الشام تحت حكم الروم، ولم ينجُ إلا قلب الجزيرة من تحكّم القوى الاستعمارية الكبرى، ولكنه ظلّ في حالة بداوة وفي حالة تفكك لا يجعلهم يمثلون قوة حقيقية في ميدان القوى العالمية، وما حدث في عام الفيل كان مقياساً لحقيقة القوة العربية الهزيلة آنذاك، حين تتعرض لغزوٍ خارجي (أنا رب الإبل ولللبيت رب يحميه).

ومن هنا فإن حماية البيت كان لها أثرها في زيادة مكانة سدنته من قريش مما ساعدهم على السير في الأرض آمنين، حيثما حلّوا وجدوا الكرامة والرعاية، وشجعهم ذلك على إنشاء خطين عظيمين من خطوط التجارة عن طريق القوافل (رحلة الشتاء والصيف) إلى اليمن في الجنوب شتاءً، وإلى الشام في الشمال صيفاً.

ومع ما كانت عليه حالة الأمن في شعاب الجزيرة من سوء وعلى ما كان شائعاً من غارات السلب والنهب فإن حرمة البيت في أنحاء الجزيرة قد كفلت لجيرته الأمن والسلامة في هذه التجارة، وجعلت لقريش بصفة خاصة ميزة ظاهرة وفتحت أمام قريش أبواب الرزق الواسع المكفول في أمان وسلام وطمأنينة، وألفت نفوسهم هاتين الرحلتين الآفتين الرابحتين فصارتا لهم إلفاً وعادة.

إن الله عزّ وجل يذكر بهذه المنن ليستحيوا مما هم فيه من عبادة غير الله ولا سيّما أنه ربّ هذا البيت الذي يعيشون بجواره آمنين طاعمين ويسيروا أنّى شاؤوا ويعودون سالمين.

فسورة قريش تقرّر أن قريش قد عاشت في كنف أمنين، الأمن المعاشي الغذائي «الذي أطعمهم من جوع» والأمن السياسي «وآمنهم من خوف»، فلا أحد يجرؤ على سلب قوافلها وتجارتها الآمنة كما أن قريشاً أصبحت آمنة من كيد أعدائها فلم تقم لهم قائمة بعد إهلاك أبرهة وجنده وأصبحت قريش بعد ذلك ذات سيادة وقوة وسطوة، وبتحقق هذين الأمرين لقريش، لا حجة لها بعد ذلك برفض هذا الدين عقيدة ومنهج حياة، فلذلك أمرهم بقوله:

«فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ».

وإذا رجعنا إلى السورة فإننا نرى أن اللفظ القرآني يحتمل أن يكون التعبير فيه عن المستقبل بلفظ الماضي ففي قوله تعالى:

«الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ»

يحتمل أن يكون المراد أنه سيطعمهم من جوع وسيؤمنهم من خوف إن هم استجابوا لله ورسوله، وقد حدث ذلك واستجابت قريش فيما بعد لدعوة الإسلام بعد اعتراضات خطيرة واجهتها الفئة المؤمنة في بداية الدعوة.

لقد أمن المسلمون مادياً وسياسياً، ولكن من الجدير بالذكر أن تحقيق الأمن المادي والسياسي هو نتيجة وليس سبباً، هو نتيجة لجهاد طويل عاناه المسلمون فيما بعد، ومن هنا فإن الإسلام لم يكن ثورة يسار اقتصادي الدافع إليها القضاء على الهيمنة الاقتصادية التي كان يتمتع بها أصحاب رؤوس الأموال في مكة كما يصورها بعضهم، إن كان ذلك كذلك، فما الذي يمسك محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه على هذه الضائقة أيام المقاطعة حتى راحوا يأكلون ورق الشجر وهم على ذلك صابرون؟ وأيّ غاية اقتصادية كان يرجوها أمثال بلال وصهيب الرومي من وراء هذا التعذيب والاضطهاد؟!

ألم يعرض الأغنياء من قريش وأصحاب النفوذ على سيدنا محمد المال والملك، فلماذا لم يرضى بذلك؟ ولماذا لم يثر عليه أصحابه كي يقبل بعرض قريش؟!!

وإذا كان المسلمون قد تمكّنوا فيما بعد من فتح بلاد الروم وفارس في حقبة يسيرة من الزمن، وإذا كان الله قد أورثهم الخلافة في الأرض من بعدهم بعد أن وحّدوا الله وابتعدوا عن كل مظاهر الشرك والوثنية، أفيكون ذلك دليلاً على أنهم ما أسلموا إلا طمعاً بملك فارس والروم؟!

لقد صدّقوا الله في جهادهم وفي نصرة دينه، فصدّقهم وأكرمهم بفتح البلاد وفتح قلوب العباد.

وهكذا، فإن سورة قريش المكيّة بآياتها الأربع بيّنت بجلاء حرمة البيت الحرام، وقرّرت الأمن بأرقى صورة فأصبح للعرب تحت راية الإسلام دورٌ يؤدونه وأصبح لهم قوة دولية يُحسب لها حساب، تؤثر في البشرية جميعاً باتجاه الحرية والحق والعدل والقسط، وتزيح كل أشكال الطاغوت الضالة، والذي هيّأ العرب لهذا ولأول مرّة في تاريخهم أنهم لم يشركوا بالله شيئاً وأنهم مسلمون لله وحده، فوعدهم الله وعد الحق بظهور دينهم على الدين كله ولا زال هذا الوعد يملأ أرجاء الأرض.

«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».

(سورة النور: 55)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق