سنوات الجمر

د. غربي محمد*

مقدمة: ترتب عن الحرب والظلم والبطش والقمع وقصف القرى والأرياف وسلب ونهب أجود الأراضي الجزائرية والحقد الديني والعنصري الفرنسي من اجل إبادة الشعب الجزائري الذي كان المساند والممون الرئيسي للثورة الجزائرية، أن هاجرت العديد من العائلات الجزائرية نحو الحدود الغربية والشرقية في أكواخ من الخشب. حيث استقبلت تلقائيا بسبب العلاقات التاريخية بين الشعوب الثلاثة، المتمثلة في روابط الأخوة والجوار والمصاهرة والعرق.
اللاجئون في تونس:
حسب إحصائيات 1956، فقد وصل عدد اللاجئين حوالي 40 ألف لاجئ، ليرتفع سنة 1957 إلى 123.620 لاجئ، وزعوا على 37 مركزا موزعة على الحدود التونسية منها:
– الكاف: 50.616 لاجئ.
– سوق الأربعاء: 32.860 لاجئ
– مناطق الجنوب: 23.885 لاجئ.
– مدينة تونس وما جاورها: 11.682 لاجئ.
– باجة: 2.895 لاجئ.
– مناطق من شمال ووسط تونس: 1.682 لاجئ.
بحلول سنة 1958 بلغ عدد اللاجئين حوالي 180.000. منها 20 % نساء و55% أطفال إضافة إلى العجزة. جلّهم من الفقراء الذين كانوا ينتظرون المساعدات من الثورة وقليل منهم كانوا يعتمدون على أنفسهم لأنهم كانوا يمتهنون حرفة التجارة أو عمالا. فأصبحوا العمود الفقري للثورة الجزائرية، يتلقون تمويلهم منها ويزودونها بالمساعدات المادية والبشرية المتمثلة في تجنيد أبنائهم الذين بلغوا سن الرشد في جيش التحرير الوطني خاصة بعدما أقدم المكتب السياسي للحزب الدستوري الجديد في 19 ماي 1956، على فتح مكاتب للتجنيد بالقلعة الكبيرة وبعقودة والقيروان وسبيطلة ومهدية ومنستر. ومنذ نهاية 1957، أصبحت جبهة التحرير الوطني متمركزة في مركز قفصة ونواحي تالة، وقرب قصرين والكاف، وتاجروين، وبيرينو.
قسمت الثورة القطر التونسي إداريا وفق تواجد المهاجرين بها إلى المنطقة الأولى تونس العاصمة، والرابعة صفاقص، والخامسة قفصة، والسادسة قابس، والسابعة سوق الأربعاء.
دور لجنة الشؤون الاجتماعية في تعبئة اللاجئين
تتكـون مـن جبهة وجيش التحريـر الوطني، تـوزعت فـروعها عبر التراب المغربي والتونسي، تمثل دورها في:
– منح كل لاجئ بطاقة تسمى بطاقة لاجئ.
– إحصاء اللاجئين المقيمين في المغرب وتونس.
– توزيع الخيام والمواد الغذائية والملابس.
– تفقد الحالة الصحية للاجئين وتحيل المرضى إلى العلاج في المستشفيات.
– تحديد المناطق والملاجئ التي يقيم فيها اللاجئون.
– تتولى عملية إحصاء اللاجئين على الحدود.
– استقبال الصحفيين والمنظمات الإنسانية للتعريف بالمأساة التي يعاني منها اللاجئون.
اتخذت الثورة من قضية اللاجئين سلاحا ضد الاستعمار الفرنسي. فقد أقدمت الكثير من هذه المنظمات التي بلغ عددها 65 منظمة دولية على زيارة اللاجئين في الحدود الغربية والشرقية وتقديم مساعدات منها: 30.000 بطانية و 15.000حذاء و 15.000 جلباب و15.000 بذلة خاصة بجيش التحرير الوطني، و 5000 طن من القمح و 1000 طن من السكر وبسبب سوء أحوال اللاجئين، وبالتنسيق مع الهلال الأحمر الجزائري الذي وجد صعوبة في الاعتراف به، تمكن الهلال الأحمر التونسي من إجراء محادثات مع الأمين العام للأمم المتحدة سنة 1957، والاستعانة بالمندوب السامي للاجئين لتسوية مشكلة اللاجئين الجزائريين في تونس بسبب نزوح عدد كبير منهم نحوها ففي المغرب الأقصى، عانى اللاجئون من نقص شديد في المساعدات بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، وضغوطات ملك الرباط على جبهة التحرير الوطني، إضافة إلى البواخر التي كانت تصادرها السلطات الاستعمارية بدعوى أنها موجهة لجيش وجبهة التحرير الوطني.
أما على الحدود الشرقية، فقد عانى الهلال الأحمر المصري من مضايقات السلطات التونسية التي رفضت قبول البعثة المصرية الطبية للإشراف على اللاجئين خشية وتحفظا من جمال عبد الناصر لرغبة الحبيب بورقيبة في فرض حل سلمي للقضية الجزائرية بدل الحل الثوري الذي كان يؤيده جمال عبد الناصر. ومحاولة منه لكسب الرأي العام العربي والعالمي من خلال وضع يده على المساعدات التي كانت تصل من الدول الشقيقة والصديقة التي بلغ عددها 29 دولة منها النرويج والسويد والدانمرك والولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وألمانيا والصين ويوغوسلافيا وتشيكوسلوفاكيا والعراق والمملكة العربية السعودية ومصر والكويت وسوريا وليبيا…علما أن الدعم المادي للدول العربية كان ضعيفا لا يتجاوز 12 مليار. وبالنسبة لدول الحدود أي ليبيا والمغرب وتونس، فقد كانت مساعداتها لا تسلم في الأوقات المحددة فحسب، بل وكانت غير منتظمة. ورغم عدم تواجد الجالية الجزائرية في ليبيا بنفس العدد الذي كانت فيه في المغرب وتونس، فقد أنشئت هيئة جزائرية تتولى إيصال المئونة، التي كانت تصل إلى الثورة الجزائرية من دول المشرق العربي أو البلدان الآسيوية. وتتكون من مصلحة الهلال الأحمر الجزائري برئاسة كمال ساكر ومساعدة الجيلالي عوني. إضافة إلى مصلحة إدارة الثورة الجزائرية برآسة احمد بودة في الرآسة، ونائبه بشير قاضي، وحسن يامي في السكرتارية والمحاسبة. وعموما فإن المساعدات العربية التي كانت تصل الثورة الجزائرية من الدول العربية عبر ليبيا، شملت الزيت والسكر والحليب والبن والسميد والأرز.
تحصلت الثورة على مساعدات من روسيا، شملت 20 قنطار من الحليب المجفف، و2500 غطاء، و100 صندوق من الدواء، و10.000 طن من السكر، و5.000 طن من الأرز. وفي 7 ديسمبر1958 بعثت إسبانيا بسفينة نحو تونس محملة ب 987 طن من القمح، و949 طن من الفارينة. وفي 8 منه أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية 2400 طن من القمح إلى اللاجئين. وفي 12 ديسمبر بعثت بحمولة أخرى تتكون من 2400 طن من القمح.

مصلحــة اللاجئيــن:
تعمل بالتنسيق مع القطاع الصحي والهلال الأحمر الجزائري. تتكون من خمسة أعضاء في مجالات الصحة: طبيب من الهلال الأحمر الجزائري، وتقني مكلف بالإحصاء وتنظيم المساعدات، وعضو مكلف بالعلاقات والتبرعات، وعضو مكلف بالقضايا الثقافية، ومرشدا. تشرف على الفحوصات الطبية وتوفير الأدوية للسكان وجمع التبرعات والإرشاد والتوجيه وتنظيم العلاقات الاجتماعية.
أولت الحكومة المؤقتة أهمية كبرى للجانب الاجتماعي بدعم من يوسف بن خدة ومساعدة الدكتور ابن تامي. فقامت بإنشاء عيادات صحية على الحدود. وفتحت مركزا للتكوين شبه الطبي، تخرج منه عدد من الممرضين الذين وزعوا على قرى اللاجئين. وأقامت مركز للتكوين في الأجهزة اللاسلكية، وورشات لخياطة الألبسة بما فيها العسكرية. وجندت مجموعة من المجاهدين المعطوبين لتعليم أبناء اللاجئين.

خاتمـــة:
لم تدخر وزارة الشؤون الاجتماعية بالاشتراك مع المجلس الوطني للثورة، جهدا في توفير الخدمات اليومية للعائلات الجزائرية ومعالجة المشاكل الكثيرة والمستعصية التي أفرزتها قضية اللاجئين، لذلك انتدبت رجال التعليم والممرضين والممرضات والمفوضين السياسيين للاهتمام بهم. لأن معظمهم يتكونون من الرجال والنساء والأطفال والعجائز، الذين غادروا دورهم ووطنهم بسبب سياسة الاستعماري الفرنسي القائمة على التقتيل والتشريد والحقد الديني والعرقي.

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

شيوخ الإسلام الجدد!

جمال نصرالله عندما تشاهد شيخا من شيوخ الفتاوى في العالم العربي في مسألة ما. تُعجب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *