ثقافة السرد

” ليــــت هـــــندًا …. ! “

بقلم حياة الرايس*

تهالك على السّرير الحديدي، فغاص في غلالة شاحبة منبعثة من السهّارة … فارق ذهنه الغرفة ، مخلفا جسدا هامدا، تجمّعت كل حياة في أصابعه السمراء، التي تحاصر لفافة تبغ رخيص كلّها أعواد ، يسحب منها أنفاسا، ينفثها سعالا …
النار تقاوم ” أعواد التبغ “…الذهن يعيد تفاصيل اللّقاء الإذاعي مع ” صديقه ” الصّحفي … لقد كلّفه هذا اللقاء عشاء كاملا ، وعدّة قوارير من الجعة . ورغم أن العشاء لم يكن فاخرا، فقد استدان “محمود عيسى” ليدعو صديقه ، إلى مطعم متواضع ، وسط العاصمة وانزوى به في ركن هادئ ليسمعه قصائده الجديدة ، ولا يزال إلى الآن ينتظر ثمن القصيدة، التي نشرها في إحدى الجرائد الأسبوعية ليسدّد دينه.
النار تتثاءب وتتمطّى فوق “أعواد التبغ”… الأصابع تتحرك من حين إلى حين ، لتنفض رمادا لا يقع في المنفضة .. الذهن يغرق في تفاصيل اللقاء، ويتلذذ به كرغيف خرج لتّوه من التّنور … فجأة انتصب واقفا، امتص بشراهة، نفسا جديدا من لفافته، فخرج من بين شفتيه خيط دخان يرقص زهوا:
-” لقد كنت نجما متألقا، هذه اللّيلة، في سماء الإذاعة، غصبا عن كلّ “الأصدقاء “… ليت هندا سمعت صوتي هذا المساء… وليتني استطعت أن أخبر ليلى، وسعاد وبثينة… ولكنّه كان لقاء مباشرا، ولم أكن متأكدا من إجرائه حتى آخر لحظة”.
اغتبط، وزهت تجاعيد جبينه، المحزونة دائما، اهتزت شفتاه الزرقاوين وانفرجت عن أسنان صفراء.
– ” أين هي ؟ أين الرّسالة التّي فتحتها، ثم طويتها على عجل، قبل دخولي الإذاعة ؟ هل قرأتها أم لا ؟ … الرّسالة التي استلمتها اليوم من الجريدة ! … ليتها تكون من هند …” سحب نفسا متوترا :
– “لقد حيّرتني هند… إنها تراسلني للمرّة الرّابعة، دون أن تذكر عنوانها أبدا.. ! ومن غير أن تضرب لي موعدا كبقية المعجبات، آه ليت هندا ! ….”
“أعواد التبغ” تنطفئ .. يشعلها من جديد ، الرّماد يقع مرّة على الأرض ومرّة في صحن به آثار طعام البارحة أو قبل البارحة أو قبل شهر… إذ يحدث “لمحمود عيسى ” أن يغيب عن غرفته، التي يستأجرها مع صديق له ، مدة قد تطول أو تقصر….
لم يجد عناء كبيرا في البحث عن الرسالة. لقد كانت مطويّة في جيب سترته… فتحها ثانية وغاص في غلالة السّهارة … بين يديه الخشنتين ورقة، ناعمة ، شفافة زهرية ، حيّر عطرها ذاكرته؟ … هل يعرف هذا العطر ؟ … هل شمّه سابقا ؟ … توّغل في الورقة الشفافة كمسافر يدخل مدينة جديدة، مأخوذا بلّذة الاكتشاف… يهيم ببناياتها، ثم يختار أجمل بيوتها: فيلا ذات باب خشبيّ، من الأبنوس، في حديقتها الخلفية ، أرائك سعفيّة ، منتشرة بين خمائل الورود ، وهند تحتّل أقصاها مسترخية، ترتشف شايا بالنعناع، وتقرأ شعره، تجمع الياسمين وتقرأ شعره… والشمس، قبل أن ترحل، مالت على خدّها تقبلها، وتترك حمرتها مرسومة على بشرتها، البرنزية … وحيّره ذلك اللون حيّره ! ولم يجد له وصفا … حيّره لون شعرها أيضا ، وعنوانها !… ورسائلها المختصرة جدّا …. التّي لا تتحدث فيها إلا عن حبّها للبحر والشمس والشعر….
الفكر حائر… والنّار تقاوم “أعواد التبغ”… تنطفئ فيشعلها من جديد ، عيناه تلتقيان بأكوام الليل، تتهاوى على النافذة الصغيرة، المجردة من كل ستارة… تتوّغلان في العتمة … وجه مستدير تحفّ به جدائل سوداء… هند: قمر عال ، عال … ودخان سيجارته يعلو، يعلو ثم يتبدّد ….
– ” ترى كيف تعيش هند ؟ : بيت كبير يطلّ على البحر… غرفة واسعة، تدخلها الشمس، من كلّ جانب، غرف دافئة… أثاث عتيق نادر … تحف ثمينة … إخوة… أب وأمّ يجتمعون حول المائدة، ثم يفترقون… أو ربّما لا يجتمعون … لذلك تضجر هند، فتقرأ الشعر وتبحث عن الشّاعر … هند في حاجة شديدة إلى شاعر . لا شك أن أباها، صاحب مركز كبير، وثريّ، لكن هل يستطيع أن يوفر لها كلّ شيء ؟ هل يمكن أن يشتري لها الحبّ ؟ … هند في حاجة إلى رجل يحبّها… هند تعيش في رفاهية كبيرة…. وتملك كل شيء… ربما لها سيارة أيضا، تأخذها إلى المسافات النائية … ولكنها ملّت كل ذلك …. و انزوت في الركن القصيّ من الحديقة الخلفية… هند تجد طعامها جاهزا، سخنا، لذيذا كيوم مشمس… تدخن سجائر أجنبية ، طريّة بدون أعواد ، سجائر لا تنطفئ . ولكن هل تدخن هند في المقاهي؟…لا. أنا لا أقبل ذلك ؟ … سأقنعها بعدم جماليته… أستغفر الله هند لا تذهب إلى المقاهي، بل تفضل البقاء في الحديقة الخلفية تتلذذ بقراءة شعري…
– ترى كيف تنام هند ؟ … على فراش وثير، من الخشب الخالص، تندس بين وسائد الرّيش… وأغطية الصوف… آه كيف الدخول إلى عالم وسائد الريش؟ … وكيف الوصول إلى العوالم المرمرية ؟ … آه ليت هندا!….
ترى هل تتزوّجني هند ؟… هند جريئة ستقف في وجه أبيها القويّ وتقول له:
– ” أريد أن أتزوّج شاعرا !” هند شجاعة لذلك أحبّها… هند تملك كل شيء ولا ينقصها إلاّ الشعر… وأنا أملك الشّعر … وهو كلّ شيء … عندها ! “.
انطفأت ” أعواد التبغ” بين أصابعه، بعدما وقع رمادها على حافة سترته ، ثم تدحرج على الحشيّة..
– ” آه لو تتزوجني هند … سأغرقها شعرا … سأملأ بيتها الكبير قصائد … ولكن أباها هل يقرأ الشعر ؟ … هل يقدّر الشعراء ؟ …. أ م تراه عدوّ الشعر ؟ ….” .
أشعل سيجارة من جديد :
– ” إذا تزوّجت هندا، سأحقق كلّ أحلامي ، سأطبع كلّ كتبي على نفقتي الخاصة ، لن أتسوّل في دور النشر بعد ذلك أبدا. بل سأقيم دار نشر … وسأعرف كيف أجعل كلّ الشعراء “الأصدقاء ” يأتونني صاغرين، متوسّلين، متسوّلين، زاحفين، متملّقين، ذليلين… وحتّى أولئك النقاد.. سأصّغرهم كلهم، حتى يدركوا حجمهم الحقيقي… سأنسيهم خيلاءهم وغرورهم، سأذلّهم على أعتاب مؤسستي… لن يستطيعوا مقابلتي بسهولة، ستجعلهم السكرتيرة ينتظرون أشهرا حتى يظفروا بخمس دقائق من وقتي … سأستقبلهم فقط ليتفرجوا على مكتبي الفخم ، كلاّ سأكون منشغلا بالردّ على التليفونات وتوقيع الصفقات … لن أستقبلهم !…. أمّا ذلك الصّحفي الذي أجرى معي لقاء سطحيا، سأجعله يدفع ثمن ذلك العشاء أضعاف ما دفعته… وصاحب الجريدة، الذي يقتّر عليّ تقتيرا … سأعرف كيف أصفّي حسابي معه… سأوقف جريدته وسأعيده بائع فطائر كما كان. لم لا ؟ وأنا الرئيس المدير العام وعلاقاتي راسخة مع كبار المسؤولين و الوزراء …
أمّا ” الأصدقاء ” فلن أجلس معهم في المقهى أبدا، سأمرّ أمامهم ، مع امرأتي الجميلة، الأنيقة هند، دون أن أكلمهم .. هند هيّ كل شيء في حياتي الآن … فلتذهب المعجبات الأخريات إلى الجحيم!… لن أسترضي ليلى أو دعد ولن أتوسّل سعاد بعد الآن … لست أدري لماذا أحببتهن ؟ إنهن عاديات جدا ، بل تافهات ، كما أني لا أفهم سبب غرورهن؟… سأنتقم من سعاد وأنسيها تلك التسلية اللعينة، بضرب المواعيد الباطلة… كم انتظرتها في البرد، تحت المطر وعلى الأرصفة … حتّى اعتلج البرق من دماغي … سأجعلك تنتظرين يا سعاد ! العمر كله …”.
توترت أصابعه فأوقد ” أعواد التبغ ” من جديد ، سحب نفسا منهكا وعلّق .
– ” لعينة أنت يا هند ! … لماذا تبخلين علي ّ بموعد أراك فيه ونتفّق خلاله عن كل شيء؟ …
آه تضرمين الشوق
وتحتمين بالبعد
لقد فاض صبري
فلا بدّ أن يهتدي إليك ليلي . ..
عاد إلى رسائلها يقلّبها … يعيد قراءتها …يؤولها.. . لعلّه يجد عنوانها! … فجأة هبّ واقفا، أنتبه مأخوذا نحو النافذة كمن ناداه هاتف ! رجع نحو السرير، استدار نصف دائرة ، داس برجله عقب سيجارته على أرض الغرفة : ” لقد وجدتها ! سأنشر قصيدا أحمّله رسالة إليها: إلى عاشقة البحر و الشمس والشعر….”.
مرّ أسبوع أو أكثر، تلقى فيه “محمود عيسى ” رسائل كثيرة … لكن رسالة هند لم تصل … وأتعبه عناده … لماذا هند بالذّات ؟ … وأحرق من أجل ذلك أكواما من ” أعواد التبغ”… حدسه يقول له : أن هندا تختلف عن كلّ الأخريات ، وأن شأنا كبيرا ينتظره معها. ..
وفي يوم ذهب فيه إلى الجريدة ليسلّم قصيدا جديدا ، وجد رسالتها ، فضّها بتوتر، استحى وندم لما فلتت منه صرخة أمام المحرّرين : ” لقد ضربت لي موعدا ! ….”.
ضربت هند له موعدا وجعلت علامتها إليه ديوان شعره ، الذي سيكون مفتوحا بين يديها في مقهى – أفريكا – في الرابعة والنصف من مساء الرابع عشر من أكتوبر.
تهيّأ للموعد بفرح وتوتر وخوف… وعندما اقترب من المقهى ارتبكت خطاه…. ارتفعت يده لتفك ربطة عنقه. أراد أن يرجع، أن يركض، أن ينسحب… ولكنه صار أمام المقهى، تمنّى أن لا تأتي، ليبقى “الحلم ” أو أن تتأخر على الأقل، ليستطيع أن يعدّل ربطة عنقه… كان يبحث بعينيه في كامل أرجاء المقهى…. عندما أخليت أمامه طاولة ارتمى على أحد مقاعدها واحتلها… سوّى شعره، عدّل كتفيْ سترته وغاص داخلها، احتمى بها من خوفه ، قفل أزرارها فضمّت جنبيه أكثر، أحسّ بالأمان كأنما يقفل باب غرفته على نفسه. ألقى نظرة أخيرة على سترته : إنها أحدث ما عنده، بل هي الحداثة نفسها. عندما اشتراها وقف أمام المرآة ونظر إليها بعين إحدى معجباته… وهي الآن من نصيب هند …إن هند لمحظوظة به … غاصت عيناه في نسيج السّترة المخمليّ فأحس بالهدوء نوعا ما ، أشعل سيجارة سحب منها أنفاسا متتالية ثم داسها بسرعة :
“تستطيع أن تأتي هند الآن “.
لقد تأخرت، لكنّه سينتظرها كامل اليوم ، لن يفرط في حلمه بسهولة … خفّ الزحام في المقهى، فلمح امرأة منزوية تقرأ كتابا، خفق قلبه : ” لا بد أنها هند… ” عدّل أنفاسه، تنحنح ثم سار إليها، فوجد أن التي بين يديها ديوان شعره : فتاة في مقتبل العمر، شعرها أسود، لكنه قصير جدا، قمحيّة اللون، تميل إلى شحوب ، ترتدي بنطلون جينز، فوقه كنزة خفيفة بيضاء.
أغلقت هند الديوان الذي كان مفتوحا بين يديها وجعلت تقرأ شاعرها وتستجلي شخصيته … تحدثه عن نفسه وتزيح برقة حجب بواطنه ، تثير مواطن وتدغدغ أخرى، تكرّر إعجابها به و بشهرته وهو يستمع إليها ويستلذ حديثها ، يطلب المزيد ويدمنها … كأنّما فقد نفسه فجأة وصار يبحث عنها عندها . وأصبح شاعرنا لا يستطيع الاستغناء عن هند . كإنسان تعوّد أن يصحو دائما على صورة وجهه في المرآة..
كانت هند تريد أن تعرف كلّ شيء عن “محمود عيسى” أين يكتب ؟ كيف يعيش ؟ وقد طلبت منه مرارا أن يأخذها إلى بيته مصدر وحيه وإلهامه… لتتعرّف على العالم الجديد الذي أسّسه والجنّة التي يهرب إليها من جحيم الآخرين والفردوس المفقود الذي استعاده والحلم الضائع الذي وجده واللذة الهاربة التي قبض عليها …
-” خذني إلى بيتك، إلى ركنك الدافئ الذي يزخر بالينابيع ….حيث الأثاث الأسطوري…والكائنات الغرائبيّة، إلى حديقتك الخرافية، إلى شجرة الزيزفون إني لم أرقطّ في حياتي شجرة زيزفون، أريد أن أذهب إلى البيت الذي اعتلى أمامك حجرا حجرا ومازال يكبر..
أريدك أن تأخذني إلى القارات الألّذ، ذات الأراضي السماويّة ، إلى المدن الغريبة، إلى الجزر القصيّة حيث تلوح أجنحة الأحلام، إلى النجوم الواعدة ، إلى نجمة السعد إلى البحار السبعة…أريد أن أدخل عالمك ألغرائبي حيث الدهشة ، والانبهار…”.
واقتحمت هند في يوم من الأيام عليه بيته ومن يومها اختفت … إلى أن كان اليوم الذي تلقى فيه محمود عيسى رسالة منها تقول فيها:
“صديقي الشاعر،
لقد راعني أن يجمع الفقر بيننا !
صحيح أنك أغرقتني شعرا و لكنّه ليس كلّ شيء …
لقد عشت طوال عمري، في عائلة تتوارث الفقر….
ظننت أنّ الشّعر والشهرة سينقذانني من فقري…
لكن جارنا الجزّار إسماعيل كان يملك بيتا مؤثثا و سيّارة …
وعندما طلبني للزواج !… فكّرت …
أعتقد انك ستقدّر الموقف ! ….

كاتبة من تونس*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق