الموقع

دراسات «إسرائيلية” تتحدث عن: أزمة في المفاهيم وإخفاقات سياسية في الكيان “الإسرائيلي”

محمد عثمان محمود *

تواجه الكيان “الإسرائيلي” أزمات مركبة من وجوه متعددة، فإلى جانب أزمة الهوية التي تظهر إلى السطح  نرى شروخاً عميقة في المفاهيم، وهي ذات أبعاد استراتيجية واجتماعية، وعسكرية، وتتجلى هذه الأزمة في الوعي والبحث عن مصطلحات جديدة ونظريات تحقق الجدوى السياسية من الأعمال العدوانية التي اعتاد عليها، وفي البحث عن وسائل أخرى للعدوان بعد فشل التفوق الجوي والتكنولوجي الهائل لديه في تحقيق نتائج ميدانية في لبنان وغزة، وفي هذا السياق يأتي العدد الذي بين أيدينا (أيلول 2010) من فصلية “جيش واستراتيجيا” الصادرة عن معهد أبحاث الأمن القومي في “إسرائيل”…

في البحث الأول المعنون ب “اختبار الوعي: أزمة المفاهيم في الجيش “الإسرائيلي” وتعريته في حرب لبنان الثانية” يقر المؤلف أنه بعد فترة قصيرة من الإعلان عن اختطاف الجنديين “الإسرائيليين” من قبل حزب الله، بدأ العمل بصورة ارتكاسية واستدعيت الحكومة لجلسة طارئة بعدما كانت لفترة طويلة تطبق ما أسماه “سياسة الاحتواء” وبدأت بعملية عسكرية قوية جداً، وقد قوبلت عملية الاختطاف وإطلاق النار على مغتصبات الشمال برد لا سابق له، وكانت سرعة الرد ورفض أي تأجيل للعملية، حتى إجراء الاستعدادات العسكرية اللازمة، قد عكست الفزع في “إسرائيل” من احتمال أن يكشف ذلك لدى قوى المقاومة والممانعة، بأن “إسرائيل” ضعيفة إلى هذه الدرجة، علاوة على ذلك فقد رأت “إسرائيل” في العملية فرصة لتغيير الواقع المقلق لها و الذي تشكّل في أعقاب اندحار جيشها من جنوب لبنان، وقد فشلت في محاولتها هذه.

لقد شكل الانتقال من “سياسة الاحتواء” المزعومة إلى سياسةٍ عدوانيةٍ متشددة، ومن رؤية عمل تتبنى مقولة “الحد الأدنى من الاحتكاك” إلى العمل العسكري العنيف، صعوبات عصيّة على الاستيعاب وبالتالي حالة من عدم اليقين على مستوى الوعي، وإن استمرار العدوان فترة 34 يوماً، في الوقت الذي كان فيه الجيش “الإسرائيلي” يتكبد خسائر فادحة ، والعمق مكشوف لقصف صاروخي من المقاومة لا يمكن التحكم به، قد قوّض ثقة الجيش “الإسرائيلي” بنفسه وأثّر على وعيه وعلى رؤيته وعلى تنفيذه لمهامه.

لقد كشفت الحرب عن خلل تكمُن جذوره في رؤية العمل التي اعتمدت على القصف المتواصل، كما أنها أوضحت أن لا مكان لـ”الضغوطات” التي تهدف فقط إلى مواجهة النوايا بواسطة تشغيل القوات بشكل يشتتها ويفقدها تركيزها، وقد اتضح أيضاً أن مبدأ المناورة الكلاسيكي للقوات البرية من احتلال مناطق وتمشيطها وتطهيرها، من خلال حشد الجهود والانقضاض والمبادرة بالهجوم، لم ينفع، وبعد أكثر من ثلاث سنوات من عدوان تموز، وبعد عدوان “الرصاص المسكوب” لوحظ أن الجيش “الإسرائيلي” لم ينجح في مواجهة البعد المعرفي الذي حل به والذي ظهر في التناقضات والتصدعات في المواقف السياسية ونقص التوافق في المواقف في ما يتعلق بالنزاع في مستوياته المختلفة و لم تتم بلورة استراتيجية فكرية معرفية شاملة، ورغم أنه يبدو للوهلة الأولى أن “سياسة الاحتواء” لم يعد لها وجود في العالم، فإنه يوجد لدى “إسرائيل” خوف من المبادرة لإملاء التطورات التي ترغب بها، وفي الحفاظ على التوازن العسكري، بما في ذلك كل ما يرتبط بتعاظم قوة حزب الله، الذي من الممكن أن تُلمس آثاره في حال اندلاع مواجهة جديدة وهذا البعد يؤثر بالضرورة على صياغة رؤية عمل واضحة ويكرس القلق “الإسرائيلي” المتزايد من قوة المقاومة في المنطقة.

في البحث التالي من الفصلية المذكورة الذي حمل عنوان “استخدام النار والقصف من البحر بهدف المشاركة في المعارك البرية”  نلمس اعترافاً واضحاً من المؤلف بأن القدرة العسكرية التي درج الجيش “الإسرائيلي” على استخدامها في اعتداءاته لم تعد كافية لتحقيق نتائج ميدانية، لذلك فهو يتحدث عن أن الفرصة الكبيرة القائمة أمام الجيش “الإسرائيلي” من جهة البحر يمكن أن تنقلب إلى تهديد كبير إذا لم يحسن الاستفادة من التفوق البحري والحدود المفتوحة باتجاه الغرب، و سيكون عليه مواجهة ظروف صعبة جداً في هذا الميدان الذي لا يتمتع فيه بنفس التفوق الذي كان له في الماضي، و”الصندوق” الجيو- استراتيجي الذي توجد فيه “إسرائيل” يشتد عليها ويزداد إحكاماً وسيستمر في التقلص والانكماش، والتواصل الحضري (السكاني) العربي سيستمر في التعاظم ،وإن تطور التكنولوجيا في مجال المنظومات المضادة للطائرات، وكثرتها في المنطقة، قد يؤدي إلى تقليص نشاط سلاح الجو، ويقر المؤلف كذلك بأن المقاومة ميزت نقطة الضعف “الإسرائيلية” (الجبهة الداخلية والبنى التحتية)، وهي تزيد من الصواريخ والقذائف الصاروخية الموجودة لديها بشكل كبير ومقلق ،وستكون القواعد والمواقع الاستراتيجية “الإسرائيلية” مكشوفة أكثر فأكثر للنيران الدقيقة “ذات المسار المنحني”.

البحث الثالث حمل عنوان “هل يمكن تحويل الإنجاز العسكري إلى سياسي” وعكس التوتر المفاهيمي بين ضرورة الاعتراف بقيود القوة وما هو ممكن، وبين حقيقة أن هدف العملية العسكرية هو، في أغلب الأحيان سياسي، والعملية العسكرية غير المبنيّة لتحقق إنجاز سياسي، ينقصها الحامل الموجه لها، والهدف المبرر للقيام بها وهذا التوتر، حتى بين أشد المتفائلين من بين الطرفين، هو غير قابل للحل، فقد رأت نظرية الأمن الخاصة بالصهيوني بن غوريون أن عدم التشابه بين العرب و”إسرائيل” في حجم  التأييد الدولي يقود إلى نتيجة هي أن “إسرائيل” تستطيع إزالة التهديدات العسكرية، وبذلك الحيلولة دون إحداث تغييرات عن طريق القوة، ولكنها لا تستطيع أن تفرض التغيير بواسطة القوات ذاتها فاستراتيجية الحرب هي دائماً دفاعية، مع أن تعبير “الاستراتيجية الوقائية” قد يكون مناسباً أكثر لذلك لأنه قد تكون هناك حاجة للأساليب الهجومية للحيلولة دون حدوث تغييرات غير مرغوب فيها، وبالفعل فقد فشلت “إسرائيل”، في غالبية الأحيان، في وضع أهداف سياسية لحروبها، كما لم يتم توضيح العلاقة القائمة بين النشاط العسكري وبين النشاط السياسي، ولقد أثبت أسلوب بن غوريون صلاحيته عندما كانت “إسرائيل” تواجه تحالف جيوش عربية تقليدية، ولكن مع مرور الزمن، أصبح هذا الأسلوب أمام تحدٍ جديد من نمط فريد وهو :المقاومة.

إن التهديدات التي تواجهها “إسرائيل” اليوم ليست من نمط محاولات غزو قوات للأرض التي تسيطر عليه، بل وجود المقاومة والاستنزاف الذي تحدثه، بواسطة القذائف الصاروخية والصواريخ، والفوز في رواية الحرب، والحدود الآخذة بالتلاشي بين العسكري والسياسي والعام، ومن غير الممكن في تلك السيناريوهات المشار إليها إزالة التهديدات بوسائط مباشرة، ومن الصعب تحديد مهمة عسكرية خالصة أو مؤكدة مثل الدفاع عن حدود الدولة المزعومة (غير المهددة بشكل مباشر).

وينشأ هنا توتر آخر غير قابل للحل: فمن ناحية نجد أن الوسائل “غير الحركية”، عندما تستخدم على يد الجيش أو بمبادرته ولأهدافه هو، لا تستطيع إثبات ذاتها كوسائل موثوقة إلى الدرجة التي تتيح الاعتماد عليها في خطة الحرب، ونجد المرة تلو الأخرى أن تلك الوسائل لا تستطيع تحقيق النتائج المرجوة، وهذه التجربة المحبطة مشتركة لكلٍ من”إسرائيل” والولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى(في العراق وأفغانستان)، ومن جانب آخر فإن تعقيدات الحرب العصرية والتداخل بين العسكري وغير العسكري تجعل بعض الوسائل، كالحركة والنار، غير كافية لحل المشكلة، أو لإزالة التهديد أو لتحقيق الانتصار (بمفهوم الدفع باتجاه تحقيق الإرادة السياسية).

جنباً إلى جنب، على المستوى السياسي أن يدرك أنه ليس “متفرجاً” على الجيش، الذي يطلب منه بضاعة وينتظر تسليمها “بل عليه أن يكون قائد الأوركسترا في المعركة” ،هكذا يعبر مؤلف البحث السابق عن الحالة المثالية للعلاقة بين العسكري والسياسي، لنفهم منه في النهاية أن العزف الصهيوني ظل طوال المرحلة السابقة نشازاً وفاقداً لأي تناغم بسبب حالة الإخفاق السياسي الذي يمنى به الكيان المذكور بعد كل عدوان لأنه ببساطة كيان سياسي لدولة تخدم جيشها الذي شكلت عصابات الإرهاب بنيته الأولى.

*كاتب وصحفي فلسطيني – دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق