ثقافة المقال

قيمَــة “العقــل” عند المعتزلة!!

أحمد رمضان الديباوي

لم أقصد بتلك المقالة الدفاع عن المعتزلة، كلّا، ولم أقصد بها أيضًا تسويق مذهبهم بيننا اليوم، على الرغم من أنّ مذهبهم يستأهل ذلك من وجوه كثيرة؛ لأنه بالأساس قائم على العقل والنقد إلى جانب الجدل، لم أقصد هذا أو ذاك، لكنني أقصد بتلك المقالة التنبيه إلى قيمتهم الفكرية والعلمية في موكب التاريخ العربي/ الإسلامي، وهي القيمة التي نال منها الأشاعرة والحشوية والسلفيون (=أهل الحديث والنصّ) على السواء، فلم يتوانوا، طوال القرون الماضية، عن قدحهم وتشويه ورميهم بشتّى التُّهم والنعوت والأباطيل، مع اختلاف درجات ذلك بحسب طبيعة منهج وتفكير كلّ منهم!!
وتأتي مسألة خلق القرآن على رأس المسائل التي “يُشيطن” الأشاعرة والسلفيون، من خلالها، المعتزلة، حتى إنهم ليرمونهم بالتأثُّر بالإسرائيليات والعقيدة النصرانية، بسبب شيوع المناظرات العلنية في بلاد الشام والعراق، آنئذ، بين المسلمين من ناحية والنصارى من ناحية أخرى، وتابَع كثيرون ما ذكره “ابن الأثير” في كتابه الكامل [7/26]؛ إذْ يحدّثنا فيــه عن القاضي أبو عبد الله أحمــــــــد بن أبي دؤاد المعتزلي فيقول : ” …. وكان داعية إلى القول بخلق القرآن وغيره من مذاهب المعتزلة، وأخذ ذلك عن بشر المريسي، وأخذه بشر عن الجهم بن صفوان ، وأخذه جهم عن الجعد بن درهم ، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان ، وأخذه أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وختنه ، وكان لبيد يقول بخلق القرآن “؛ فهذا الكلام الذي اختلقه ابن الأثير وادّعاه فردّده الشيخ الذهبي حديثا كما يردّده جمهرة المتسلفة قديما وحديثا وكثير من الأزهريين اليوم، إنما هو محضُ افتراء على المعتزلة، وهو إن دلّ فإنما يدلّ على نقص معرفة بالمعتزلة وكتبهم وأشياخهم ودوافعهم العلمية والدينية التي دفعتهم إلى القول بخلق القرآن؛ فالذي اضطر المعتزلة إلى ذلك القول هو قطعهم الطريق على نصارى زمانهم الذين كانوا يعتقدون أن السيد المسيح عليه السلام سُمّي في القرآن بكلمة الله، ورُوح الله وكلام الله عند أهل السنة صفة أزلية قديمة من صفات الله، فيكون المسيح بالتبعية قديما وإلها بهذه الكيفية وباعتراف القرآن نفسه، ما حدا بهم إلى القول بأن القرآن (كتاب الله) مخلوقٌ كائنٌ بعد أن لم يكن ، ولأنهم يمنعون قيام الحوادث بذات الله تعالى، فقد قالوا بخلق الله تعالى الحروف والأصوات في غير ذاته وأن هذا هو المراد بكلام الله تعالى، فالقول بخلق القرآن إذن كان قطعا للطريق على نصارى زمانهم الذين يعتقدون أن المسيح هو الله أو أقنوم من أقانيمه تجسّد في جسد المسيح وانفكّ عن الذات الإلهية، ولولا الإطالة لذكرنا الرسالة التي كتبها الخليفة المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم، التي تثبت ذلك، وهي موجودة بتمامها في تاريخ الطبريّ [ 7/ 198 وما بعدها] لمن أراد قراءتها والتمعّن فيها، ومما يُعجَب منه أن الأشاعرة والسلفيين لم ينتبهوا إلى أن المناظرات التي كثُرت ببلاد الشام والعراق كانت عاملا رئيسيا لجعل اعتقاد المعتزلة بخلق القرآن دفاعًا عن الإسلام نفسه في وجه مقولة “يوحنا الدمشقي” التي فشت ببلاد الشام لتُثبت ألوهية المسيح عيسى بن مريم – عليه السلام – وأنه كلمة من الله غير مخلوقة، ليتصدّى لها المعتزلة فيُثبتوا أن كلام الله مخلوقٌ.
ويأتي العقل علامة فارقة على الفكر التقدّمي الليبرالي للمعتزلة، وهو الفكر الذي واجه، ولمّا يزل، الفكر الرجعي النصّي لكل من الأشاعرة والحنابلة والسلفيين؛ فقد أكبَرَ المعتزلة العقل، وجعلوه حَكَمًا وأصلًا من الأصول، بل إنهم قدّموا العقل على مصادر التشريع الأساسية التي اعتمدها النّصّيون؛ (الكتاب، السنة، الإجماع، القياس)، وجعلوه الأصل في جميعها، [القاضي عبد الجبار بن أحمد، فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة، ص 139]، فالعقلُ عندهم أهم ركائز الدين، وهو السبيل إلى فهم النصوص (قرآنا وسنة) فهمًا صحيحا، ومن أجل ذلك ظهر منهم استقلال في الرأي في كثير من المسائل، ولولا ذلك لما ظلّت أفكارُهم باقيةً حتى الآن، على الرغم من الضربات التي كِيلَت لهم طوال التاريخ، فقد امتاز فكرهم بالديناميكية والديالكتيك في آنٍ، لذلك كُتب له البقاء والخلود، لأنهم اقتنعوا بأن أي قراءة للنصوص دون إعمال العقل إنما هي محضُ هراء، فالعقل هو الوسيلة التي يُفهَم من خلالها النصّ، ولذلك كان (علم الكلام) ثمرة طيبة من ثمارهم؛ فهو العلم الذي يبحث في الأدلة والبراهين لإثبات وجود الله تعالى وإرسال الرسل وصحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإثبات اليوم الآخر وما فيه والسمعيات وما تتضّمنه، كما أنه هو العلم الذي يتضمّن الدفاع عن العقيدة الإسلامية وردّ الشبهات، ولولا وجود المعتزلة لما كان لهذا العلم شأنٌ يُذكر، ولا أدل على ذلك من أن كثيرا من السلفيين والنصّيين يرون علم الكلام علما مُبتَدَعا لا يجوز لمؤمن تعلّمه أو الخوض فيه؛ لخطورته – من وجهة نظرهم – على العقيدة، دون أن يُدركوا أنه أحد أهم العلوم الإسلامية الجليلة التي حافظت على العقيدة الإسلامية طوال موكب التاريخ.
أكْبرَ المعتزلة العقل وأجلّوه أيما إجلال، حتى إن الجاحظ، وهو من كبار أئمتهم، يرى أن أهمّ فضائل الإمام أن يكون أقوى طبائعه عقله، ولا يظن أحد أنه مع إكباره العقل وإجلاله إيّاه إنما يجعله فوق الشرع، كلا، فالعقل عنده لا يكفي لتسيير العالم، بيد أنه يستخدم العقل لفهم النصّ فقط، فالعقل عنده فاعل لا مفعول، وفاهم لا مفهوم، ولم يكن المعتزلة بمنكري المرويات والنصوص الحديثية جميعها كما يشيع عنهم خصومهم ابتغاء تشويههم والقدح في شأنهم، بل إنهم ليُقدّرون حاجة الإنسانية إلى الرواية وإلى سماع الأخبار، لكنهم في الوقت نفسه لا يُسلّمون بتلك المرويات لمجرّد روايتها منسوبة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد أصحابه، لكنهم يضبطونها بميزان العقل وينقدونها نقدا أدبيا ودينيا وعلميا وتاريخيا، وذلك قبل أن يضع المحدّثون بعد ذلك أصول في القرن الثالث مبادئ نقد الأحاديث وردّ الضعيف والموضوع منها، لكن ظلّ منهج المعتزلة في نقد المرويات والتعليق عليها هو المنهج التقدّمي العظيم لاعتماده على العقل وعلى نقد المتن (النقد الداخلي) دون السند (النقد الخارجي).
لقد اهتمّ المعتزلة بالعقل، إلا أنهم اهتموا كذلك بالحديث، بيْدَ أنهم احتاطوا في قبول الأحاديث، ولا سيما تلك التي تتناول مسألة (الإمامة) وتتعلق بالسياسة، فلم يسلّموا إلا بما ثبتت صحته عندهم، متنا في المقام الأول وسندا في المقام الثاني، لذلك حاول خصومهم رميهم بالجهل بالأحاديث والسنة، لكنهم وفي الحق كانوا بارعين للغاية في الحديث، درايةً وروايةً، حتى إن أبا عليّ الجُبّائي، وهو أستاذ كبير من أساتذتهم، وضع شرحا لبعض أسانيد الأحاديث، فهم لم يهملوا الحديث، وإن لم يشتهروا بصناعته كما اشتُهر أهل الحديث، وكان أهم ضابط من ضوابط قبول الحديث لديهم هو معرفة المُلابسات التي قيل فيها الحديث، والإلمام بالظروف المختلفة التي سيق لأجلها، فقد يصدق الراوي، لكنه لا يضع الحديث في موضعه، كما هي الحال في أحاديث كثيرة لما نزل نعاني من متنه لمجرّد أن سندها صحيح على وَفق قواعد المحدّثين!!
وأخيرا، لا جدال في أنّ اعتماد المعتزلة على مبدأ “التحسين والتقبيح العقليَيْن”، قد أنتج مفاهيمَ فقهيةً تقدّميّة اختلفت عن المفاهيم الفقهية التي كانت شائعة آنذاك؛ إذ إنها اهتمّت بالأساس بالمصالح العامة، كما اهتمّت بمبدأ العدالة والمساواة واحترام الآخر، وقد أحصى باحثون طائفة من الأمثلة التي تؤكّد ذلك؛ فها هو ذا أبو بكر الأصمّ، وابن عليّة، يذهبان إلى أن دية المرأة مثل دية الرجل، على خلاف ما هو موجود لدى سار المدارس والمذاهب الفقهية الكلاسيكية، التي تذهب إلى أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، كما لم يعترف الإمام النظّام وأصحابه بوجود حدّ الرجم في الشريعة الإسلامية، كما ذهب كثير من أئمة المعتزلة إلى عدم وقوع النسخ في القرآن مثلما هو شائع لدى كثيرين، وغير ذلك كثير مما هو معروف ومدوّن باسمهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “قيمَــة “العقــل” عند المعتزلة!!”

  1. و هل كان أحمد ابن حنبل نصرانيا لما ناظروه و جلدوه و سجنوه و أرغموه على القول بغلق القرآن ؟؟
    القول به مذهبهم يعتقدونه و يدينون الله به و يبدعون من لا يعتقده فلا تكذب و تدلس و تشوش على العامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق