ثقافة السرد

الشجرة الطيبة

أسعد العزوني*

بعد طلوع الشمس، حزمت أمري، وقررت البحث عن عشيرتي التي رحلت منذ زمن دون سبب مقنع، وانقطعت أخبارها.
كنت يافعاً، ولا خبرة لدي في طبوغرافيا المنطقة، ولكني استعنت بالشمس، واتجهت معها غرباً، مع أن هاجساً بداخلي كان يهتف، بأن العشيرة شرقاً، ولكني لم استمع إليه، وكأن شيئاً كان يجذبني إلى الغرب بقوة.
فجأة، وجدت نفسي بالقرب من شجرة هرمة، لا ظل لها،و لا ثمر على أغصانها، وما أن اقتربت منها، حتى تناهى إلى مسمعي صوت حنون:
– اقترب أيها الفتى الطيب، إني انتظرك منذ زمن؟
ارتعدت فرائصي، وأحست بالخوف، وخلت أن الغول الذي كانت جدتي تحدثني عنه في ليالي كانون الماطرة قد خرج إلى أرض الواقع، فأخذت أبكي ولكن بصمت، فيتكرر الصوت:
– اقترب يا فتى، لا تخف، أنا شجرة الجميز.
وما أن عرفت مصدر الصوت، حتى خيّم علي الهدوء، والطمأنينة، وبدأت بالاقتراب ولكن إلى أين؟ لا ثمر ولا أوراق وأنا الجائع المنهك، خائر القوى والعطشان، الذي يظن أن السراب أنهاراً.
– اجلس، قال الصوت، لكن دون أن يبعث الخوف في نفسي.
جلست، وقال الصوت: أعرف أنك جائع، وعطشان، وانك تعاني من التعب والإرهاق….، ولم يكمل، حتى وجدت نفسي تحت شجرة وارفة الظلال، تحمل ثمراً لذيذاً، يسر لونه الناظرين.
– لا تتعب نفسك، سيأتيك الثمر، ستأكل حتى تشبع، وتشرب حتى ترتوي، قال الصوت بلهجة تشبه صوت فتاة وصلت سن البلوغ.
وعلى الفور، بدأت عدة طيور زاهية اللون تغرد بألحان شجية تتطاير فوق رأسي، وبعد ذلك بدأ فوج منها يقطف الثمار، ووضعها أمامي.
كان الثمر لذيذاً وبداخله ماء طعمه أشبه بطعم العسل، لكنه ليس لزجاً كما العسل، غير أن حلاوته فاقت حلاوة العسل.
أكلت، وشربت، وخلدت للنوم، وسط زقزقة الطيور، ثم فقت، فإذا ساق الشجرة مهشم، وبه أوكار للبوم والغربان، فبدات أفكر بالأمر لكن الصوت قال متنهداً وبألم، دعك مما تفكر فيه، فلا دخل لك به، لم يتوقف تفكيري بالساق، بل تجرأت وخاطبت الشجرة.
– لقد فعلت معي طيباً، وأنا مصر على معرفة السبب فربما أستطيع فعل شيء، ولكن الشجرة لم تجب، فجثوت على ركبتي متوسلاً وبعد ذلك جاء الصوت حزيناً:
– أهلك يا ولدي، هم السبب، لقد تركوني للغربان والبوم، وغادروا، ولكن ليهدأ بالك، فمنذ أن وطأت قدماك المنطقة، حتى دخل الرعب قلوب البوم والغربان، وقد غادرت وأخذت معها صغارها، وسيعود ساقي كما كان، فالفضل لك، لأنك جئت لتريحني من هذا الأذى الذي ألم بي.
أحسست بخجل كبير، لفعلة أهلي تجاه الشجرة، وهي التي آوتني وأطعمتني، وسقتني، وبدأت شارد الذهن، لكن الصوت نبهني وقال:
– يكفي أنك جئت لتبعث الحياة فيّ، فاترك عنك عذابات الماضي، وأخطاء الآخرين، ويكفي أنك موجود فقد رددت إليّ حياتي.
أراحتني لهجة الصوت، لأنني أحسست بالأمان والأمل فيه، ونهضت اتحسس الساق الذي كان يخفي أوكار الغربان والبوم، غير أن طيراً أحدث جلبة للفت انتباهي فإذا به يشير إلى كتاب يروي أصل الحكاية، وقد تم ركنه جانب الساق وأخفاؤه بعناية فائقة.
– هذه قصة أهلك معي، وقد تم تدوينها بأمانة فائقة، ولكني، وبعد مجيئك، سامحتهم وغفرت لهم، قال الصوت.
تناولت الكتاب، ونفضت التراب عنه، وبدا كأنه مكتوب للتو، وأخذت أقلب صفحاته واقرأ ما بداخلها بتأن، وما أن أنهيت قراءته، حتى شعرت بالخزي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق