قراءات ودراسات

العصر الرُستمي العاصمة: تــيهرت أو تيهارت من 299 -160 هــــ 911-776م

لا شكّ؛ أنّ قِسْماً كبيراً من تاريخ الإنسانية، قدْ ثَبَتَ عن طريق آدابها وفنونها، وعلومها واجتهاداتِ مُمَثِّليها؛ على مستوياتٍ مُتباينة من الفكر، ووفق وجهات نظرٍ مُتنوعة، ولكنها كلها؛ تصُبُّ في النهاية؛ في محضن البِنْيَة الذهنية المُنْتِجة للأنشطة العقلية والجمالية، وتأمل في توثيق معالمها، وتخليد رُؤاها في سِجلّ الحياة؛ حِسّاً وحرَكة، وإيماناً بصمود الحرف؛ أمام أعْتَى الحروب والكوارث والمفاجآت… ويبقى “الحرف” ذلك الناطق الرسمي في ميزان كتابات الشعوب، وفي تواريخ النهضات.

د شميسة غربي

مدخل: نِظامُ الحُكمِ في هذهِ الفترة:
تعاقب على حكم الدولة الرُّسْتُمية ثمانِية أئمّة، كان أوَّلهُمْ: الإمام عبْد الرّحْمن بن رُسْتم؛ الَّذي إعْتلى السُّلطة سنة 160هـ / 776م ، و كان آخرهُمْ: اليقظان بن أبي اليقظان والذي تولّى الحكم سنة 294هـ /906 م؛ و لم يدُمْ فيه طويلا… فقدْ « دخل عليْهِ أبو عبْدِ الله الشيعي فقتلهُ في خاصَّته و جَماعةٍ مِنْ أهْل بيْتهِ في شوَّال سنَة 296هـ /جوان 909م (…) وبه انقضى عصر دولة بني رستم.»1
كان عبد الرحمن بن رستم، أوَّل مُؤسِّس للدَّوْلة الجزَائرية الإسْلامِية؛ المُستقلّة عنِ الخِلافة العبَّاسِية في المشْرِق « و تكاد تُجمع كلّ المصادر القديمَة و الحَديثة؛ على أنَّ عبْد الرّحْمن مِنْ سُلالة الفرْس، بلْ مِنْ أشرَافِ فارس، حيْث يرْجعُ نسبُه إلى بَهرَام بن كسرى المَلِكُ الفارسي: فهو عبد الرحمن بن رستم بن بهرام بن كسرى.»2
و يُحْكى أنَّه رَافقَ وَالِدَهُ و وَالدَتهُ في رِحْلةٍ لِأداءِ فرِيضةِ الحجِّ، فتوُفِّيَ الوَالِدُ في هذه الرِّحْـلة « و تزوّجتْ أمّهُ رَجُلا منْ حُجَّاج القيْرَوان، و صَحِبَها معهُ إلى بلدَتهِ التي كانتْ إذْ ذاك “مِصْراً” هامّاً من الأمْصارِ الإسْلاميَة.»3
في القيْروان، تلقّى عبْد الرّحْمن تعْليمَهُ برِعايَة زوْجِ أمِّه، و لم يلبث أنِ التقى بِداعيةِ الإباضية: “مسلمة بن سعيد”، قبل أن يعود إلى مكانِ وِلادَتِه؛ البَصْرَة بِالعِرَاق، و يظلّ زَمَنا هناك؛ لِلتعمُّق في المَذهبِ الإباضِي على يد الإمام أبي عُبيْدة مُسلم بن أبي كريمة التميميّ، في الوَقتِ الذي كانتْ فيه المُلاحَقة جادَّة للقضَاءِ على الإبَاضِية… و هو مَا أوْجَبَ التّحلّي بِصفةِ “التّقية المَذهبِيَة” لدى أتباع المذهب… حـتى أنَّ دراسـة عبد الرحمن بن رستم؛ لـــهذا
المذهب، كانت تُبَاشَرُ في « مدرسة سِرِّية هي عبارة عنْ سِرْدابٍ أرْضِي، لا يعرفه إلاّ التلاميذ الذين يُطلق عليْهم “حمَلة العِلْم” (…) في هذه المدرسة المتواضعة السرية بالبصرة، أخذ عبد الرحمن يتعمَّق علوم الشريعة بِرُفقة مجْموعةٍ منَ الطلبَة (…) و كان الشيخ أبو عبيدة المسلم، يُعْرَفُ بالقفاف لِتظاهُرِهِ بصناعة القفاف أثناء إلقاء دروسه السرية المحظورة، وَ تظاهُرِ تلاميذه بتعلُّمِ الصَّنْعة منْه، حتّى إذا مَا بُوغِتُوا بِحَرَسٍ أوْ شُرْطةٍ؛ لا يَجدُونَهُم إلاّ مُنْهمِكينَ في صِناعة القفاف، و ذلك بعْد أنْ يُحرِّكَ حارِسٌ بِبابِ السِّرْدابِ سِلسِلة حدِيديَة؛ تُنبِّهُ الشّيْخ و طلبتهُ إلى وُجودِ الحَرَس و الشّرْطة بالقُرْبِ منَ السِّرْداب، و حارِسُ بابِ السّرْداب هو عبارة عنْ بائعٍ للقفاف لاغيْر، يُوهِمُ بِهَا المارَّة. »4
بعد قضاء خمس سنوات في هذه المدرسة ( من 135هـ إلى 140هـ ) يغادر عبد الرحمن بن رستم المشرق إلى المغرب مع أرْبعةٍ مِنْ مُمَثلي الإبَاضية وَ هُمْ: إسماعيل بن درار الغدامسي و أبو داود القبلي النفزاوي و عاصم السدراتي، وكلهم مغاربة؛ و أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافرى اليمَني، و الذي ترك اليَمَن و اجْتهدَ في نَشرِ الدَّعْوة الإباضية في المغرب العرَبي.
شارك عبْد الرَّحْمن بْن رُسْتم؛ في الثوراتِ الإبَاضِية ضد الولاة… و تولّى حُكم القيْرَوان سنة 144هـ / 761م، غير أنه لم يلبث أنْ فرّ من القيروان إلى المغرب الأوسط، حيْث سيُؤسِّسُ الدّولة الرُّستمية و يُحَققُ مشروع الإبَاضية الذي حَلمَ بِهِ مُنْذ تشكّلَ الوَعْيُ لديْهِ « و كانت أيامه كلها سِلما و أمْناً »5
إلاّ أنّهُ و بعْد وَفاتِهِ سنة 171هـ / 787م و خلال تعاقب السبعة أعيان على السلطة… ستعيش الدولة الرستمية، أحداثا و « وقائع عديدة؛ سُفِكتْ فيهَا الدِّماءُ أنْهاراً.»6
مُلخَّصُ هذه الوقائع، يتعلقُ بثوْرة “ابن فندين” و عِصْيان “زناتة” و ثوْرة “بني مسالة” وحَادِثة المـدْعو “ابـن عـرفة التيهرتي” صِهْرُ أبـي بـكـر بْن أفـلــح « الذي أصبح بِسِعايةٍ منَ
الوُشاة و الحسَدة يُنافسُ الإمامَ في مُلكه، فحصلتْ بيْنهما من ذلك وَحْشة أدَّتْ إلى إغتيال ابن عرفة و إضطراب حبْلِ الحكومة بقيام أصحابه على الإمام، و استمرت الفتن بتيهرت، إلى أن عاد أبو اليقظان من المشرق و استلم زمام الدولة من أخيه، فقهر الثائرين (…) ثم نشأت حركات ثورية أيضا من الأعاجم المزاحمين لآل ابن رستم في الرئاسة (…) و عمت الفتنة إباضية جبل نفوسة، فانضم إليهم أبو اليقظان و تعددت المعارك بين الطائفتين، و كان النصر فيها سِجَالاً ..»7 . و شبّتْ نارُ الفِتنة حتى بيْن العمِّ و ابْنِ أخيهِ… فهَا هُوَ الإمام “أبو حاتم” يدخل في حرْب مع عمِّه “يعقوب بن أفلح” تدومُ أرْبع سنوات، لِتنتهي بِرَحيلِ “يعقوب بن أفلح” إلى “بني وارجلان” و ظل هناك حتى مات… و لم ينج أبو حاتم من الغدر، فقُتِلَ مِنْ طرف بني عمومته سنة 294هـ /906 م.
إلى جانب هذه القلاقل… ينْضافُ عنْصُرٌ طبيعِي؛ فيزيدُ الطين بِلّة… فقد « إشتدَّ القحْط بالناس و عمت المجاعة جميع بلاد المغرب و الأندلس، من سنة 253هـ إلى 265هـ /867م إلى 878م ، ثمَّ أعْقبَ ذلك وباءٌ و موتُ المِئاتِ مِنَ النَّاسِ سنة 285هـ / 898م، و قدْ عمَّ ذلك بلادَ مصْر و الحِجاز أيْضاً »8 و مع هذا و ذاك… يحْتدمُ الصِّراعُ بيْن أصْحاب المذاهب، حيْث ستكْثرُ « المُجادلات والمُناظرَاتُ في المسائل الفقهية و المذاهب الكلامية؛ ممَّا أدَّى إلى تكوِين أحْزابٍ مُتعدّدَة، كلُّ واحدٍ منْها مُتمسِّكٌ بِرَأيه غاية التمسّك، مُتعصِّبٌ له أشدّ التعَصّب.»9 و تصاعد « التنازع المذهبي بين النكارية و الإباضية على عهد الإمام عبد الوهاب، و هو في حقيقة الأمر نزاع سياسي لا ديني؛ سببه التهالك على الرئاسة من أصحاب المقاصد والمنافع الشخصية (…) و قد أدَّى ذلك إلى وَقائِع دامِيَة… »10 .
رغم أن هذا التنازع – حسب مَا يُثبِتهُ التّارِيخ – لم يكن مَوْجُوداً فترة حُكمِ “عبْد الرّحْمن بن رُسْتم” الذي « وضـع قـواعد دوْلتِه على أسُسِ مذهبه الخارِجي، و كان مع ذلك هُوَ و جـمـيـعُ مَنْ خَـلْفـه عـلـى عـرْش تيهرت مُتسـامِحـاً مـع جـميـع أهْـلِ الـمذاهب الأخْرَى مِنْ أهلِ الرّأي وغيْرِهِمْ، فقد كانت المُناظراتُ والمُباحثات العِلمية، تُعْقدُ بيْن أيْدي الأئمّة في مسَائلِ الاعْتقاد و غيْرها، بصدْرٍ رَحْبٍ ..»11 قبْلَ غلق المِلفّ السّياسِي لهذه الفتْرَة، يَجْدُرُ السّؤال: إذا كانت ديمقراطية الخوارج، تقوم على فكرة: “أصْلحُ النّاس بالإمامَة أحقُّ بِها” و أنّه لا وُجودَ لِنِظامِ الوِرَاثة في الحُكم لَديْهِمْ، إذا كان الأمر كذلك؛ كيْفَ يتعَاقبُ علَى السّلطة ثمانيةُ أئمّةٍ مِنْ أسْرةٍ وَاحِدة ؟!

الحياة الثقافية:
كانتْ عاصِمة الرّسْتميين “تيهرت” « تُشبَّهُ و تُقارَنُ بِقرْطبة و بَغداد و دِمشْق وغيْرها منْ عواصم الشّرْق اللاّمعة، فكانت تُدْعَى بعِراقِ المغرِب »12 . و تُدْعَى كذلك: “بَلَخ المَغرِب” (بلخ: مدينة ببُخارَى، إشتهرت بالرّواجِ العِلمي و التنوّع الثقافي) كما أخبر بذلك سليمان الباروني.
سادت الثقافة الدينية بالدرجة الأولى « لأن الأئمة الإباضيين كانوا علماء دين (…) يُعلّمون النّاس و يُلقونَ عليْهم بالمساجد دُروساً في التّفسير و الحَديث و الفِقه و الكَلام و الآدابِ والعلوم و الرّياضِيات و التّنجيم (…) و كان بتيهرت مَكتبة تُدْعى المعْصُومة، فيها الآلافُ من المُجلّدات، و لمّا دخلَ الفاطِميون إلى تيهرت، استوْلوا عليْها سنة 399هـ / 911م وأحْرقوها »13
فإذا اقتصرْنا على الحديث عنِ الأدب – مَثلاً – بِفرْعيْهِ: النّثرُ و الشّعْرُ في عهْد الرُّسْتميّين؛ فإنّ أوّلَ شخْصِية يُمْكن الإسْتئناسُ بهَا، هي شخْصية الإمام “أفلح بن عبد الوهاب” الذي خلّف النثرَ و الشعرَ على السّواء… و يَغلبُ علَى كِليْهِمَا طابعُ الوَعْظ و الإرْشادِ؛ و لا غرابة في ذلك، فالباحث في الأدب الجزائري القديم – عُموماً- يُلاحِظ إزْدِوَاجِية الفِقْه مع الأدب في أغلب النّتاج، و هو مَا سيَسِمُ النّصّ الإبْداعِي بِمسْحَةٍ مِنْ غيابِ الرّوْنق… إنْ جاز التّعبير… مِنْ بيْنِ الأشكــال التَّعبيرية الـتى تعـاطـاها الإمام “أفلح بن عبد الوهاب”؛ على مستوى النثر، كتابة الرّسائل، و فيما يلي نموذج منها:
« بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله و سلم على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه وسلم، من أفلح بن عبد الوهاب إلى ……. (بياض في الأصل).
أمَّــا بـعْــدُ: ألبَسَنا اللهُ و إيـّـاكَ عافيتَهُ، وكَفانَا وَ إياّك مهِمّات الأمُورِ برَحْمته. كتبْتُ إليْكَ و أنا ومَنْ قِبَلِي و خاصَّتِي و الرّعِيَة عامّة على أحْسن حالٍ جرَتْ به عادة الله وتوَارَتْ بهِ نعْماؤهُ فلهُ الحمْدُ كثيرا و الشّكرُ دائِما.
أتاني كتابك بالذي أحبُّ عِلمَهُ منْ سلامَتك، وحُسْن حالك، وتواتُر نِعَم اللهِ عليْك، و إحْسانه إليك، و إلى من قبلك من الرّعية، و أهل الطاعة فَسَرَّني بذلك، و حمدت الله كثيرا عليه وسألته تمام النعمة علينا وعليكم برحمته إنّه مجيب، وذكرتم أمر نفاث، وأكثرتم فيه الكتب ووصفتم عنه أشياء لا يشُّك أحد منكم في أنَّها بدعة وخلاف لما مضى عليه سلفكم، فإن يكن كما وصفت فما ينبغي لأحد منكم أن يخالجه الشَّك في أن ذلك ضلالٌّ، لأنَّ الهدى في أيديكم، و الحقُّ ما شرعه لكم سلفكم الصّالح و الأئمة المرضيين رضي الله عنهم فمن أتى من بعدهم من يخالف شريعتهم ويأخذ في غير طريقهم، فهو ذو بدعة وكلُّ بدعة ضلال، وكلُّ ضلال كفر، وكلُّ كفر في النَّار، و أنتم على يقين من سنَّة أسلافكم، ولا يتَّبع الهدى إلاَّ في موافقتهم، ولا يخاف العاقل الهلاكَ إلاَّ في خلافهم وقد قلتم في كِتَــابــكــم: ” هـو غـلام حـــدث غرٌ لا تربة لــه فـــي الأمــور، فنــخــاف أن جــشــمناه السّفر والشّخوص أن تحمله اللجاجة مع إعجاب الرأي و التَّيه بالنفس على التَّمادي فيما يهلك به نفسه ” فما وجه ما سألتم من ذلك؟ وهل أنتم على شكٍّ من دينكم أو ريبة من أمركم؟ السنّة في أيديكم و أسلافكم الماضون على مثل حالكم، بل كانت لهم عمال في حال كتمانهم و كِبارٌ يقومون بكل أمر من الحقوق وغيرها في حال الكتمان وليس أحد منهم يقول ما حكيتموه عن هذا الغلام.
فلما حدث منه ما ذكرتموه كان أمرا واضحا، وهو أنَّه أخذ بخلاف ما مضى عليه سلفه وأحدث مقالة، لم يقلها عنهم غيره وأنتم على يقين من أمْرِكم فما أحوجكم إلى مجيئه وأشخاصه وإن كنتم تريدون و أن تعلموا ما نحن عليه، فنحن على مامضى عليه سلفنا، ومُقِرون لما حكيتموه عنه أن قاله، فقوموا عليه فإن رجع عن مقالته، ونزع بدعته، فمقبول منه رجوعه و مرحبا بالتّائب حيث كان وممَّن كان وأين كان، و إِنْ أَبَى إلاَّ التَّمَادي فأنتم تعلمون السِّيرة فيمن إبتدع في دين الله وشق عصا الإسلام، وقال بخلاف الحقِّ، فإنَّه محقوق بأن يُهجر ويُقصى ويُبعد، ونفاثّ مثل واحد من النَّاس لا أخصه بشيء دون غيره، و السِّيرة فيه و في غيره واحدة، و السُّنة قائمة وحكم الله لا يزول و لا يتبدَّل، فإنَّا نشهد الله على من كان من أهل هذه الدعوة وعمالنا وقوادنا وأهل العلم من أصحابنا، ومن التَّف إليهم من رعيتنا، أن لا يسمع أحد يبتدع في دين الله أو يسلك طريقة غير طريقة أصحابنا الماضيين من أسلافنا، إلاَّ و يكون قد غير ذلك وأطفأه، و إستَتَاب من أظهره، فإن لم يَتُب خلعه، فهذه مني عزيمة واجبة وأمر لازم وفرض محرم، أن يتعدَّى أو يقول بخلافه، فمن قُرِئ عليه كتابي هذا، فليسمع وليطع، ولينتبه إلى ما أمرت به، فإنَّ من إنتهى إليه كتابي هذا في حرج إن قَصُر عمَّا أمرت به، و من عاب أحدا من عمالنا بخِصلة من الخصال أو أنكر عليه شيئا فليرفع ذلك إلينا فنكون نحن الذين يُغيرونه إن كان ممَّا يغير.
وليس للرعية الوثوب على السُّلطان حتَّى ترفع ذلك إلينا، لأنّ الوثوب على السُّلطان والإقتفاء للخصال التي نحن أولى بالنّظر فيما خطأ من الرعية وضَرب من ضروب السَّائبة، لأنَّ هذا و ضربه ممَّا لا يعلم باطنه إلاّ بالبحث، وقد ظنّ الظَّان في الأمر، فيراه خطأ وهو عدل من حيث لا يعلم و لم يظلم من دعاكم إلى نفسه وكلفكُم بأن ترفعُوا أموركم إليه لأن في ذلك شفقة منا عليكم أن تهْلكوا من حيث لا تعلمون، والله ولي عصمتنا و توفيقنا و إيَّاكم وهو المستعان لا شريك لهو قد كتبت إليك جواب مسائلك، فعليك بتقوى الله والعمل بطاعته وحُسن النَّظر لنفسك فإنَّها إن سلمت لك، فقد نجوت وفزت فوزًا عظيمًا ولا تدع الكتابة إلي بحالك وسلامتك فإنَّك تَسُرُني بذلك و السلام .»14

مناسبة الرّسالة:
كان “فرج بن نصر النفوسي” الذي إشتهر بـ “نفاث” من علماء الأباضية المشهورين بغزارة العلم والاجتهاد و صواب الرأي، اعترف له بذلك خصومه من شيوخ المذهب، وسجلو الحقائق و الأساطير حول علمه و رجاحة عقله وقوة فكره، فقالوا أنَّه أخذ العلم عن الإمام “أفلح” نفسه الذي كان قد ظهرنبوغه قبل أن يبلغ الحلم، ونصّوا على أنّه لم يكن يكتفي بالعلم النظري بل كان يسعى ألى إثبات النظرية بالتجربة، لهذا كان يسعى الإمام “أفلح بن عبد الوهاب” إلى إرجاعه ألى صوابه و إبعاده عن الأفكار البدائعية، إلاَّ أنّ، مايلفت الإنتباه هو تسمية “فرج بن نصر النّفوسي” بـ “نفاث” فما سبب هذه التسمية؟

تسمية النفاثية:
إذا كانت “نفوسة” و جبلها قد مثَّلت الثّقل في إمامة تــاهرت الرستمية فأنَّ مدينة “قنطرارة”15 وحيزها كانت بمثابة مركز الثّقل في جبل “نفوسة” وبسبب التّنافس على ولاية إقليم “قنطرارة” كان الإشتقاق الثالث بين الأباضية على عهد الإمام “أفلح بن عبد الوهاب”، وهو الإشتقاق الذي عرف أصحابه بــ “النّفاثية” نسبة إلى “نفاث”، وهو اسم الشّهرة الذّي عرف به به قائد الحركة “فرج بن نصر النّفوسي” و مع أن “الباروني” يسجّل إسمه في شكل “نفاث”، ويقول أنّه ربّما كان من القرية المعروفة الآن “نفاثة”، والتي ربما كان أهلها المالكية من سلالته، فالواضح من النّصوص أنّ أصحاب الإمام “أفلح” هم الذين أطلقوا اسم “نفاث” على “فرج”: كلقب تجريـحي، كما فعلوا مع “النّـكار”، والإسم الذّي يكاد يعادل اسم الخوارج الذّي أطلق على أسلافهم الأوائل. وإذّا صحّ ذلك فأغلب الظنّ أنّ إسم “نفاث” مشتق من الفعل نفث، ينفث، والمقصود به هو نفث سمـوم الخلاف والفرقة.
وإلى هنا ورواية “أبي زكريا” تسجّل أنّ سبب خلاف “نفاث” سياسي دنيوي من أجل ولاية “قنطرارة”، ولكنّه يأتي بعد ذلك بــأسباب أخــرى ذات طبيعة فقهية مذهبية ترجع أنّ الخلاف
كان دينيا من حيث الشّكل على الأقل، أو أنّه، صار هكذا من ذلك ما ينسب إلى “نفاث” عن أنه قال في الإمام “أفلح”: “أضاع أمور المسلمين، ويزيد في الخلقة ويلبس الطرطور، ويخرج إلى الصيد ويطلي بالأشبر”16، ممّا يعني أن “نفاثا” كان متمسكا بسنن أهل الدعوة القديمة، وأنّه كان ضدّ مظاهر التّطور التّي أخذ بها الإمام “أفلح” من التّجديد في الزي17 وتقليد خلفاء بغداد وعمالهم في لبس القلانس، والعناية بالمظهر، وإنفاق بعض الوقت الفي الرّياضة، ثم تسلل الخلافات المذهبية والفقهية في عدد من المسائل التّي يظهر فيها إجتهاد “نفاث”، والتّي أنكرت عليه حتى نُسِبَ بسبب بعضها إلى الكفر.
فمن المسائل التّي إبتدعها “نفاث”18 زعمه أن خطبة الجمعة بدعة ومن أخطرها فتواه بأنّ أبناء أخي الرّجل من الأب و الأم (أي الشّقيق) أولى بوارثته من أخيه من الأب فقط، ويعلق “أبو زكريا” على هذه الفتوى فيقول: “إنّ نفاثا” رادا بها ضلالا، وأنّ المشايخ قالوا: “لو لم يفت إلا هذه المسالة لكفر بها”.
ويضيف “الباروني” في “الأزهار الرّياضية في أئمة الملوك الأباضية” عددا من مسائل الخلاف التّي أثارها “نفاث” منها قوله: أنّ الله هو النّص الدّائم وإنكاره استعمال الإمام العّمال والسّعاة لجباية الحقوق الشّرعية ومطالب بيت مال المسلمين هي الرّعايا، وقوله أنّ المضطر بالجوع لا يمضي بيع ماله إذا باعه لأجل ذلك. »
و أمَّا في ميْدان القريض، فقدِ اشتهرتْ قصيدةُ: “فضلُ العِلْم” للإمام “أفلح بن عبد الوهاب” أيضا و التي تناولتْها مُعْظمُ كتبِ الأدبِ الجزائري؛ بلْ و حتّى كتبُ التاريخ، يقول في بعْضها19:
العِــــلــمُ أبْـقى لِأهْـــلِ العِـلْمِ آثارَا ​* ​يُرِيــــكَ أشْخـــاصَهُمْ رَوْحــا وَ أبْكـارَا
حتّى وَ إِنْ ماتَ ذو عِلْمٍ و ذو وَرَعٍ ​* ​مَـا مَـاتَ عبْدٌ قضَى مِنْ ذاكَ أوْطارَا20
و ذو حـــياةٍ علَى جهْلهَا و مَنْقصَة ​* ​كميِّتٍ قدْ ثوَى في الرَّمْسِ21 أعْصَارَا22
للهِ عُــصْـبَة أهْــلِ العِــلمِ إنّ لَـــهُمْ ​* ​فضْـــلاً عـــلَى النَّـاسِ غِياباً و حُضارَا
و لعلّ خيْر مَنْ يُمثلُ الشّعرَ الجزائري إبّان الفتْرة الرُّسْتُمية، الشاعر بَكر بن حمّاد التيهرتي الذي احتل مكان الصَّدارَة… حتى استطاع أن يدخل بلاط الخليفة العباسي، و « وصل خبره إلى الأندلس، فقصَدهُ الكثيرُ منْ أهلها لِلأخْذِ عنْهُ و التّخرّجِ على يده. وكان منْهمْ قاسم بن أصبغ البياني، وَ قرّبَهُ بَنو الأغْلب إليْهِمْ، فقال فيهمْ القصائدَ الرّائعة وَ نالَ مِنْهُمْ الجوائزَ السّنية…»23
جُمِع شِعرُ “بكر بن حمّاد “في ديوانٍ عُنوانُهُ: “الدُّرُّ الوَقّاد مِنْ شِعرِ بَكر بن حمّاد” و قد تضمن هذا الديوان عدة أغراض شعرية…لعل أجودها ما جاء منها في رثاء ولده عبد الرحمن، يقول24:

بَكـيتُ على الأحِبّةِ إذْ توَلّوا​ * ​ولــوْ أنّـي هـلـكتُ بَكوْا عليَّا
فيــا نسْلي بقاؤكَ كانَ ذخْراً​ *​و فَـقـدُكَ قدْ كوَى الأكْبادَ كيَّا
كفَى حُزْناً بأنّنِي مِنْكَ خُلوٌ25​ * ​و أنّــكَ مـــيِّتٌ و بَــقيتُ حيَّا
وَ لــمْ أكُ26 آيِساً فيئسْتُ لمَّا​ * ​رَمَيْـتُ التُّرْبَ فوْقكَ مِنْ يَدَيّا
و تظلّ أسماء أخْرى مُنْتسبَة في نِتاجِها إلى فترة الحُكْم الرُّسْتُمي، يُمْكنُ إجْمالها في الآتي: «أبو الفضل أحمد بن القاسم التميمي البزاز، أبو سهل الذي كان يحسن، زيادةً على العربية اللهجة البربرية، و ألف فيها مُصنفاتٍ احترقتْ في الفتنِ التي أصِيبتْ بها تيهرت سنة 350هـ/917م، ابن الصغير، مؤرخ الدولة الرستمية، يهوذا بن قريش التاهرتي، وهو واضع أسس النحو التنظيري و قد وُجِدَ كتابُهُ بِإنْجلترّا / مكتبة أكسفورد، ثم أحمد بن فتح التاهرتي، الذي انتقل إلى المغرب الأقصى، و سعيد بن واشكل التاهرتي، و النعمان بن المنذر، و هو من تلامذة الإمام سحنون.»27 إرتأيتُ ختْمَ الحديثِ عنْ هذه الفترة، بذلك الاجتماع الذي تمَّ بيْن الإباَضِية و المُعْتزِلة للمُناظرة و أوْرَدهُ البَارُوني فقال: «.. أخبرني أحمد بن بشر عنه قال لي: اجتمعتِ الإباضية و المعتزلة بِنَهْرِ مينة، لِمَوْعدٍ جعلوهُ فيما بيْنهم للمُناظرة، و كان كثير من هُوارَة ممّنْ حضر المجْلس؛ يَتسمَّى بعبْد الله بكسْر الدّال و كذا اسم هذا الرجل، و لمّا اجتمعَ القومُ و ضمّهُمُ المكانُ، نادى رَجلٌ منَ المُعْتزِلة: يا عبدِ الله؛ بكسْر الدّال فأجابه رَجلٌ ثانٍ فقال: لستُ أرِيد… قال عبد الله و قد علمتُ أنّه إيّايَ يُريد… فكرِهتُ أنْ أجيبه خوْفاً من سؤاله، فقال عبد الله بن اللمطي: أرِيدُ. فقلتُ: لبيْك. فقال لي: هلْ تستطيع الإنتقال من مكانٍ لسْتَ فيه، إلى مكانٍ أنتَ فيه ؟ فقلتُ: لا! فقال لي: هلْ تستطيعُ الانتقال من مكانٍ أنتَ فيه إلى مكانٍ لستَ فيه ؟ فقلتُ: إذا شئتَ فعلتُ … ! فقال: خرَجْتَ منْها يا عبد الله. »28
ملاحظة: غاب عني شرح كلمة “النكارية” في سياق الحديث عن بعض الفتن التي عرفتها تيهرت الرُّسْتمية… و أسْتدركُ هذا السّهْوَ فأقول: النِّكارية : فِرْقةٌ منَ الخوارج، تشيّعوا لابْن فنْدين، ضدّ الإمام عبْد الوهّاب، فسُمّوا “إنكارية” بسبب إنكارِهم إمامةَ عبْد الوَهّاب و هم الذين سيقتلون “ميمون بن عبْد الوهّاب “.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

إغلاق